في وقت يموت أبناؤها من الفقر... تخصيص مليون دولار لإعادة إعمار مسجد في غزّة

الأحد 7 فبراير 202111:57 ص
Read in English:

While Gaza Starves, A Million Dollars to Rebuild a Mosque

لا يمكن أن تدخل في حديث عابر مع أي شخص قد يصادفك في غزة، سواء أكان سائق تاكسي، بائع، أو صديق، دون أن يعترضك سؤال: هل سمعتَ الحكي عن المسجد الجديد؟

خلال الساعات الـ72 الماضية، كان الإعلان عن مشروع إعادة إعمار "مسجد خليل الوزير"، في منطقة الشيخ عجلين، جنوب مدينة غزة سيّد النقاشات التي تعجّ بعبارات تهكمية. وبدأ ذلك بعد أن كشفت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة أنها، وبالتعاون مع وزارة الأشغال العامة، ستعيد بناء مسجد الوزير الذي دمّرته إسرائيل في حرب عام 2014، بتكلفة تفوق المليون دولار.

عقدٌ من الدمار والتناقض الغريب

خلال عقد من الزمن، تدهورت أوضاع غزة. أبناء القطاع المحاصَر انتقلوا من موقعٍ سيئ إلى نقطة أشد سوءاً. خلال 10 أعوام، اختبروا صنوفاً مختلفة من الألم تتعد أسبابه بين الحصار الإسرائيلي المفروض منذ عام 2006 على القطاع، وصولاً إلى الحروب الإسرائيلية الشديدة المتكررة، وليس انتهاءً بجولات التصعيد العسكري التي تحدث بين حين وآخر، مُخلّفة خسائر مادية وبشرية.

نتيجةُ كل ذلك كان دمارٌ يطال كل المستويات المعيشية والاقتصادية. لكن في ظل هذه التحوّلات القاسية على أهالي القطاع، تنامت ظاهرة بناء المساجد عموماً، والفارهة على وجه الخصوص، شيئاً فشيئاً، حتى باتت هذه الظاهرة أمراً يستحق الوقوف عنده، لأنه وبكل بساطة: "أصبحت المساجد قصوراً، بين بيوت من الصفيح"، كما يصفها الشاب نور أبو لبدة (24 عاماً).

ويضيف نور لرصيف22: "عدا عن كثرتها، إذ يمكن أن تجد في الكيلومتر المربّع الواحد ثلاثة إلى أربعة مساجد، ستلاحظ أن المنطقة نفسها، في أحسن الأحوال، بحاجة إلى ترميم لمنازلها، أو لتوفير محطة تنقية لمياه الشرب"، متسائلاً: "طيّب لماذا؟".

"بإمكانك أيضاً أن تتجول في مخيمات ومناطق غزة، وأن تراقب التناقض الجذري بين مظهر المساجد، وحالة البيئة التي تقبع فيها، في منطقتنا في شمال القطاع مثلاً"، يقول الشاب، مُتابعاً: "ستجد أن أبنية كثيرٍ من المساجد مزخرفة بشكلٍ يجعل أنسب قولٍ فيها إنها غريبة عن البيئة التي بُنيت فيها".

بحسب الشاب، وَلّدت هذه الظاهرة في "نفوس كثيرين من أهالي غزة شيئاً أقرب إلى القطيعة مع المساجد، وتعدّى الموقف ذلك إلى النقمة في بعض الأوقات، خصوصاً مع تعاظم ظاهرة بناء المساجد الفارهة في غزة خلال الـسنوات الماضية، وبقاء عجز الناس عن ترميم بيوتها أو ازدياد حالتها المعيشية سوءاً".

وفقاً لوكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان في قطاع غزة ناجي سرحان، هنالك 12000 وحدة سكنية تحتاج إلى إعادة إعمار، بعد تدميرها خلال عدوان إسرائيل عام 2014 على غزة، بتكلفة 50 مليون دولار، بالإضافة إلى الحاجة إلى 100 مليون دولار لترميم البيوت ذات الأضرار الجزئية. ويشير سرحان إلى أن الوزارة تواجه مشكلة كبيرة في ظل "توقف الجهات المانحة عن الدعم".

لماذا الاحتجاج؟

تنامي ظاهرة عمران المساجد في وقت تتهاوى فيه بيوت الناس، وفي ظل الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتدهورة لسكان القطاع الذين يتجاوز عددهم المليوني نسمة، كان المحرك الأساسي لقيام حالة الجدل بشأن المشروع الأخير في غزة.

يعيش أكثر من 80% من أبناء القطاع تحت خط الفقر، فيما وصلت نسبة البطالة بين فئة الشباب إلى 70%، عدا عن تأثر اقتصاد غزة مؤخراً بجائحة كورونا، وتكبده خسائر بأكثر من مليار دولار بفعل حالة الإغلاق التي فرضت لمواجهة الجائحة في آب/ أغسطس 2020، بحسب علي الحايك رئيس جمعية رجال الأعمال في غزة.

وبالنظر إلى حالة التفاعل مع الموضوع، يشير يونس المدهون (32 عاماً)، إلى أنه "لا يمكن تجاوز الحالة المعيشية لسكان غزة، مع ما يطرحه ذلك من أولويات على الجهات المسؤولة، والنظر إلى مشاريع إعادة بناء مساجد بملايين الدولارات على أنها مشاريع تنموية، في ظل ظرفٍ يعيش الناس فيه بحالة عوزٍ لمشاريعٍ تشغيلية وغيرها من مشاريع القطاعات المنتجة والمعيشية المهمة".

رغم الدمار الذي يطال كل المستويات المعيشية والاقتصادية في غزّة، ورغم الأوضاع القاسية التي يعيشها أهالي القطاع المحاصَر، تنامت ظاهرة بناء المساجد عموماً، والفارهة على وجه الخصوص، شيئاً فشيئاً، حتى باتت أمراً يستحق التوقّف عنده

"مثلاً، كم ستبلغ تكلفة إنشاء مشاريع صغيرة لإعالة جزء من الشباب والعائلات المعدومة مادياً؟"، يتساءل يونس، مُضيفاً لرصيف22:" أنا متأكد من أنها لن تتجاوز المليون دولار. دعنا من المقارنة، لنقول فقط: تخصيص مبلغ المشروع لصالح إعالة الشباب والعائلات المعوزة".

برغم حالة الضجة، وجد آخرون أن المشروع لا يستحق كل هذا الانتقاد، إذ أن تكلفته ستصب في النهاية في جيوب العمال، كما يقول عبد المتعالي شحيبر: "بالنظر إلى تكلفة البناء، والشركة المحلية التي تولت هذه المهمة، ألن يجري تقسيم المبلغ على العمال والشركة، وشركات الباطون والحجارة؟ وهذا إنعاش لجيوب العمال أم لا؟".

"ترميم العشوائيات يقرّب إلى الله أيضاً"

"دعك من كل مشاكل غزة"، يقول الشاب أحمد فتيحة (27 عاماً)، ويضيف لرصيف22: "هنالك منطقة تقع في الجنوب الغربي لمدينة خانيونس، جنوب قطاع غزة، تُسمى ‘نهر البارد’، ويسكنها قرابة 500 شخص، يعيشون في منازلٍ متهالكة، بلا شبكات صرفٍ صحي ولا مياه، ومحاطة بجبالٍ من النفايات. هل هذه المنطقة لا تستحق الترميم؟".

ويتابع: " تنمية هذه المنطقة العشوائية، بالإضافة إلى نحو 28 منطقة عشوائية في غزة، تقرّب إلى الله أيضاً. ألا يجد المتبرع والجمعيات الإغاثية أنها بوابة الوصول إلى رضا الله، أم فقط المساجد المزخرفة في أرضٍ خراب، هي ما يحقّق ذلك؟".

"بإمكانك أن تتجول في مخيمات ومناطق غزة، وأن تراقب التناقض الجذري بين مظهر المساجد وبين حالة البيئة التي تقبع فيها... ستجد أن أبنية كثيرٍ من المساجد مزخرفة بشكلٍ يجعل أنسب قولٍ فيها إنها غريبة عن البيئة التي بُنيت فيها"

بحسب فتيحة، وهو من سكان منطقة قريبة من نهر البارد، يعاني سكان المنطقة من ظروف صعبة، إذ تقطّعت بهم السبل ووجدوا أنفسهم يسكنون قرب جبالٍ من النفايات، والفقر وقلة الحيلة، وهناك تهرب حقيقي من معالجة أزمة هذه المناطق".

رغبة الممول، أم رغبة طالب التمويل؟

في ردّها على حالة الجدل القائمة بخصوص المشروع، قالت وزارة الأوقاف في قطاع غزة إن الجمعية الخيرية الماليزية "أمان فلسطين" هي مَن اشترط أن يكون المبلغ المتبرع به لبناء مسجد حصراً. وبحسب الوزارة، فإنها لا تملك موقفاً يعارض رغبة المموّل، خصوصاً أن إعادة إعمار المساجد هي مهمتها أيضاً.

وأضافت في بيانٍ لها: "إن الاحتلال الإسرائيلي قام بهدم 110 مساجد في حروبه المختلفة على قطاع غزة. وزارة الأوقاف، بصفتها الجهة الرسمية المسؤولة عن المساجد، تحرص وتبذل جهوداً كبيرة في التواصل مع أهل الخير من أجل توفير التمويل اللازم لإعادة إعمار المساجد، وقد تمكنت الوزارة من إعادة إعمار 94 مسجداً بفضل الله ثم بجهود الخيرين من المؤسسات الخيرية ولجان الإعمار الأهلية، ولا زلنا نبذل جهوداً لبناء ما تبقى: 16 مسجداً مدمراً كلياً".

في المقابل، ردّ المدير السابق لجمعية "التعاون الإسلامي" الخيرية محمد حسنة على بيان الوزارة وقال إنه في عام 2018، وفي عهد وكيل وزارة الأوقاف حسن الصيفي، وُقّعَت مذكرة تفاهم بين مؤسسة أمان فلسطين ووزارة الأوقاف لبناء مسجد خليل الوزير بقيمة 950 ألف دولار، وتحت وطأة الانتقادات والمراجعات خصوصاً بوجود قرار واضح في الجهات الرسمية بغزة بعدم تسويق أو طلب تمويل بناء مساجد "بررت الوزارة بأن الأمر بناء على طلب المانح".

وأضاف: "أنا شخصياً راجعت جهات ذات علاقة، وأكدت جمعية ‘أمان فلسطين’ من خلالهم أن المسجد تم اعتماده بناء على رغبة وتوصية ‘غزة’، ما يعني أن هناك مَن خالف رغبة جماعية وتفرّد بممارسة نفوذه لصالح منطقة، أو لصالح إنجاز شخصي لا أعلم".

بحسب أبو حسنة، "تأثر الفقراء والمحتاجون فعلاً من توجّه الجميعات الخيرية، وبينها ‘أمان فلسطين’ نحو بناء المساجد، فقد أُنهكت طواقم المؤسسة في ماليزيا وإندونيسيا في عملية جمع التبرعات، لمساجد ضخمة في غزة"، مشيراً إلى أن "ما حدث هدر مال تبرع شعبي والمحاسبة يجب أن تطال صاحب القرار الذي فرض رؤيته والمؤسسة المؤتمنة من قبل المتبرعين الأفراد، وأكرر لم تكن رغبة مانح، كانت طلب من جهة في غزة".

وذكر أنه "منذ العام 2011 وأنا أتردد على ماليزيا وإندونيسيا وشاركت في عشرات البرامج والحملات لجمع التبرعات، وشاهدت كيف تُجمع التبرعات وكيف يجود أفقر فقراء تلك البلاد بما يملكون، لذلك أستشعر حجم المسؤولية في أوجه إنفاق هذه الأموال".

وختم: "هناك مَن استدان ليكون له سهم في دعم غزة، لذلك نعم أستشيط غيظاً حين أسمع عن هدر التبرّع الشعبي في المساجد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard