يدّعون امتلاكهم نظاماً صالحاً لكلّ زمان ومكان... أسطورة البديل الأصولي الإسلامي

الخميس 15 أبريل 202111:41 ص

منذ ظهور الإسلام في الشرق الأوسط حتى القرن الثامن عشر، قدّمت الدول الإسلامية المتعاقبة في المنطقة نموذجاً حضارياً عظيماً ورائداً لقرون بالمقارنة مع مَن جاورها من الحضارات. ومع التنوع الشديد في تجارب هذه الدول، حضرت في أنساق النظام الإسلامي السياسية والاقتصادية الأسس الحضارية التي استلهمها المسلمون في القرون التأسيسية من التراث الديني وما تعلّموه من تفاعلهم مع أمم وحضارات مختلفة وما أملاه واقعهم.

بعد صعود الغرب وقيم الحداثة وما حضر معها من أنساق سياسية واقتصادية واجتماعية، خاض المسلمون، وهم المكوّن الرئيسي للنظم السياسية في منطقتنا، وغيرهم كالصينيين واليابانيين، تحدّي اللحاق بالقفزة الحضارية الغربية التي لم يستطيعوا مجاراتها بنظم قبل حداثيّة، خصوصاً ما تعلّق بوتيرة التطوّر المادي التي جاءت مع الثورات الصناعية.

فمثلاً مع كلّ إنجازاتها العلمية والتقنية، بقيت الحضارة الإسلامية منذ ظهورها حتى القرن التاسع عشر معتمدة بشكل أساسي على القوة البشرية والحيوانية في توليد الطاقة اللازمة للنشاط الاقتصادي، كما هو حال ما سبقها من حضارات، في حين تمكّن النظام الرأسمالي بتثويره للتقانة والصناعة والعلم من القفز من توظيف الطاقة البخارية إلى الطاقة النووية خلال أقل من مئتي عام.

مع تعويم النموذج الغربي برأسماليته ومؤسسات دولته الحديثة، وتعثر محاولات التحديث في عدة مناطق من العالم الثالث، ظهرت ردود أفعال سياسية واجتماعية أخذ بعضها شكل الدعوات الإحيائية للعودة إلى الصفاء الأيديولوجي أو العرقي. فعظيم الدلالة أن التيار الإحيائي الهندوسي الذي ينافس في زخمه الآن نظيره الإسلامي، تأسست أهم تنظيماته -منظمة المتطوعين الهندوسية- قبل ثلاثة أعوام من تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، في فترة ما بين الحربين العالميتين، في غمرة أسئلة التحديث السياسي في كلا المنطقتين، كما شهد تيار الأصولية الهندوسة انتعاشاً مماثلاً لنظيره الإسلامي في مطلع الثمانينيات مع تأسيس حزب بهاراتيا جاناتا -الجناح السياسي لمنظمة المتطوّعين- عام 1980 وهو الحزب الحاكم في الهند حالياً.

بدلاً من الاشتراك في السعي لإيجاد بديل تحرري أو إصلاح النظام الرأسمالي بإخضاعه لآليات تكبح ما يأتي به من تفاوت اقتصادي واغتراب اجتماعي وتغوّل قدرة رأس المال على الهيمنة على حياة البشر، فإنّ الإسلاميين تبنّوا خطاباً أصولياً وتصوّراً سياسياً واجتماعياً شديد الاستقطابية والقمعية عن علاقات الدين والدولة.

نموذج قاصر

ومع أنّ بنية الأنظمة الإسلامية التاريخية من الممكن فهمها وتثمينها وفق شروط زمانها، فإنّنا مع الوعي لمخاطر الانزلاق في مفارقات تاريخيّة، نحاجج في هذا المقال الإسلاميين المشرقيين في ادّعائهم وجود نظام إسلامي سياسي متكامل صالح لكلّ زمان ومكان وقادر على مواكبة العصر بشروطه المادية وقيمه من حرية ومساواة.

فالدول الإسلامية تفوقت حتى القرن الثامن عشر على ما عاصرها من ممالك في الغرب، بجهازها البيروقراطي وقدراتها التعبوية العسكرية وقوة فرض مركز الدولة سلطانه السياسي والاقتصادي على أراضيه، إلا أنّنا نجد في تاريخ النظم الإسلامية قصوراً بيّناً في الجوانب المحاسبية والتمثيلية سواء على المستوى العملي أو الفقهي النظري، وأدى هذا الضعف إلى غياب آليات تكبيل سلطة الحاكم عن انتهاك حقوق المحكومين.

"مع الوعي لمخاطر الانزلاق في مفارقات تاريخيّة، نحاجج في هذا المقال الإسلاميين المشرقيين في ادّعائهم وجود نظام إسلامي سياسي متكامل صالح لكلّ زمان ومكان وقادر على مواكبة العصر بشروطه المادية وقيمه من حرية ومساواة"

فمنذ ظهور الإسلام ابتداء في أوساط الحضارات الساسانية والبيزنطية، لم يعرف المسلمون قبل القرن التاسع عشر ما يشابه المؤسسات التمثيلية التي شهدها الغرب في الحضارة الرومانية والممالك الامركزية الإقطاعية، ومنها المجالس التمثيلية التي عرفتها السويد والنرويج، والتي ضمّت حتى صغار المزارعين الملاك. ولم يوجد ما يشابه العقد الإقطاعي بحقوقه وواجباته بين السيد والتابع أو المدن شبه المستقلة في شؤون حكمها.

ترسّخت هذه المؤسسات في الغرب على خلفية التفكّك السياسي الذي حلّ بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية على يد القبائل الجرمانية، ويمكن عزوه إلى تكافؤ الممالك الأوروبية في درجة تقدّمها المادي بالإضافة إلى الطبيعة الجغرافية الأوروبية المتقطّعة بالعديد من السلاسل الجبلية والأنهار وساحلها المتعرّج ما وقف حائلاً أمام إنشاء إمبراطوريات مركزية شاسعة في جغرافية الغرب كالتي عرفتها جغرافية المسلمين والصينيين بسهولها وانبساط أرضها بالمقارنة مع غرب أوروبا.

المؤسسات التمثيلية بأصولها الرومانية والجرمانية، وبرغم تباين قوتها تاريخياً وجوانب قصورها باستبعاد أغلبها العامة من الشعب وضعف حمايتها للعامة من استغلال النخب الاقتصادية، خصوصاً مع تخلخل النظام الإقطاعي الغربي ابتداءً من القرن الرابع عشر، إلا أنها كانت بمبادئها الممهّد للمؤسسات البرلمانية للدولة الحديثة ومارست النخب بوساطتها تقييداً لسلطة الحكم الغربية في أغلب مراحلها.

وبينما غابت الأسس التمثيلية الغربية عن الصين، فإنّ الحضور القوي للمبدأ الكونفوشيوسي، تفويض السماء، شرّع الثورة على الحاكم إذا أساء إدارة الدولة، ووفّر سنداً أيديولوجياً لمحاسبة نظام الحكم. وعلى سبيل المثال، فقد نجحت ثورات المزارعين الصينيين في إنهاء حكم خمس سلالات صينية.

"منذ ظهور الإسلام، لم يعرف المسلمون قبل القرن التاسع عشر ما يشابه المؤسسات التمثيلية التي شهدها الغرب في حضارات الرومان والممالك الامركزية الإقطاعية، ولم يوجد ما يشابه العقد الإقطاعي بحقوقه وواجباته أو المدن شبه المستقلة في شؤون حكمها"

وبعكس ما يبشّر به أصوليو المشرق عن وجود نظرية سياسية إسلامية متكاملة، فإنّ ضعف المؤسسات والجوانب المحاسبية والتمثيلية في المدرسة الفقهية ترك مصير الدولة بيد شخصية الحاكم وكفاءته دون وجود كوابح قوية لتسلّطه ما ابتعد عن المساس بشعائر الدين وعن موالاة الكفار (الكفر البواح). أضف إلى ذلك أنّ الشورى في شؤون الحكم في عموم التاريخ الإسلامي كانت شبه غائبة، كما اختلف الفقهاء في ما إذا كانت الشورى مُعلمة أم ملزمة للحاكم.

الفقه وشرعية الحاكم

ومنذ استقرار وتدوين المذاهب الفقهية السنّية في أواخر القرن الثالث الهجري، غلب في إطار الممارسة الاحتجاجية من قبل العلماء أنّ الجور والتعدّي ومصادرة الأموال من قبل الحاكم وإنْ استُهجن ورُفضَ فإنه ليس من نواقض الإمامة.

ومع تنوّع قوة ومواقف طبقة العلماء من السلطة، وتراوح موقف السلطة من احتجاجات العلماء بين التجاوب والتعنت، فإنّنا نرى أنّ العلماء في احتجاجتهم عموماً لم يصلوا إلى نزع الشرعية عن الحكام. فمع التقدير لدور طبقة العلماء في الاحتجاجات الاجتماعية في التاريخ الإسلامي، إلا أنها عجزت عن أن تكون رادعاً مستداماً لتجاوزات الدولة على حقوق الرعية وابتعد دورها الاحتجاجي عن المأسسة. بسبب ذلك، مضت عقود طويلة من التدهور في العصر المملوكي والعثماني مثلاً دون تصحيح جذري للأوضاع.

"بعكس ما يبشّر به أصوليو المشرق عن وجود نظرية سياسية إسلامية متكاملة، فإنّ ضعف المؤسسات والجوانب المحاسبية والتمثيلية في المدرسة الفقهية ترك مصير الدولة بيد شخصية الحاكم وكفاءته دون وجود كوابح قوية لتسلّطه"

فلم تمنع نصوص إعلاء العدل وتحريم الظلم في القرآن والسنّة ما شاع حتى في العهد المزدهر لهارون الرشيد من تعذيب للفلاحين من قبل جامعي الخراج الذي استنكره القاضي أبو يوسف في كتابه عن الخراج، عدا ما شاع من تجاوزات ومصادارت غير مبررة من قبل الحكام العباسيين والمماليك والعثمانيين لممتلكات رعاياهم بغاية الانتفاع الشخصي في سنين انحدار الدولة. ونجد ابن خلدون يوصي في مقدّمته ذوي الأموال أن يبتعدوا عن الاستثمار في العقارات خوفاً من استيلاء الحكام الجائرين عليها. وكانت مرجعية الثورات الشعبية الإسلامية كثورة القرامطة والزنج من خارج المؤسسة الفقهية السنّية.

إلى جانب ضعف المأسسة لمبدأي المحاسبة والتمثيل في المؤسسة الفقهية، يحضر أيضاً غياب قواعد التداول على السلطة وتشريع الفقهاء لسلطة المتغلّب بالقوة. فمشروعية الحكم الوراثي، إنما ترسخت لتنهي فوضى غياب قواعد الانتقال السياسي عند المسلمين الأوائل. فقبل توطّد المبدأ الوراثي كفى رفض معاوية مبايعة الخليفة علي لإشعال صراع دامٍ على الحكم.

ويتجلّى خواء ادّعاء الإسلاميين وجود نظام سياسي واقتصادي واضح في الدين الإسلامي في حادثة تغيير قواعد توزيع أراضي السواد بين الخليفة عمر والرسول. فبين نهجي الرسول والخليفة عمر في موضوع الأرض المفتوحة عنوة -أراضي السواد- يكمن نظاما اقتصاد سياسي شديدا التباين.

فنمط توزيع الرسول أراضي الخراج بين الجند الفاتحين جعل الخليفة عمر عند توسع الفتوحات الإسلامية يخشى أنّه سيأتي بتوزيع أضيق للثروة ليقول بعد اعتراض بعض كبار الصحابة كما روي في صحيح البخاري "أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببّاناً ليس لهم من شيء ما فُتحت عليّ قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ولكن أتركها خزانة لهم يقتسمونها". فحفظ لمزارعي البلاد المفتوحة حيازاتهم مقابل دفعهم الخراج على محاصيل أراضيهم التي أصبحت ملكاً لبيت مال المسلمين بدلاً من تمليكها للجنود الفاتحين كما قسّمها الرسول.

ولعلّ للإسلاميين في تأمل تنزيل الخليفة عمر للنصوص والأحكام على الواقع -كما حدث أيضاً في إبطاله لسهم المؤلفة قلوبهم- مفتاحاً يخرجون به من بوتقة أحكام فقهية بنيت أصول استنباطها في إطار الصراعات السياسية في العهد العباسي. وليتأملوا مثلاً في الظروف التاريخية التي دفعت ما ذكره علماء، كالماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية"، عن وجوب شرط النسب القرشي في الإمام وذكره بأنه ملزم بالنص والإجماع، وذلك في ظل ضعف الخلفاء العباسيين أمام سلطة الأمراء العسكريين من غير العرب كالبويهيين الشيعة والقادة العسكريين الأتراك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard