وعي الأصوليين النرجسي لذواتهم... نقد المركزية الإسلامية

الجمعة 9 أبريل 202111:09 ص

شهدت العقود الأخيرة انتقاداً للمركزية الأوروبية بمختلف تجلّياتها، سواءً تجلّياتها السياسية كالعنصرية التي تبرر هيمنة العرق الأوروبي الأبيض في عصور الاستعمار، أو الثقافية التي تفسّر العالم وفق التجربة التاريخية الأوروبية مع إعلاء لما هو أوروبي الماهية وانتقاص لغيره. وأتى هذا الانتقاد بما هو محمود كتعرية المفاهيم العنصرية وتوسيع فهم الشعوب والحضارات غير الغربية، وبما هو مذموم كالتيارات التي تبرّر أو تتسامح مع تجاوزات حقوق الإنسان تحت شعارات الخصوصية الثقافية.

يحضر ما يماثل المركزية الأوروبية في أوساط الخطاب الأصولي الإسلامي. تسود أوساطه، كغيره من الأصوليات الإحيائية، مركزية إسلامية تفسّر العالم وفق سرديّة تاريخية تبرّر دعوتها إلى تطبيق شكل شمولي للدين يجمع بين تغوّل الدولة الحديثة بمركزيّتها وقدراتها على ضبط المجالات السياسية والاجتماعية وبين محتوى أيديولوجي إقصائي وتمييزي كان قبوله طبيعيّاً قبل عصرٍ سادت فيه المطالبة بحقوق المواطنة والحريات الشخصية والمساواة. ولا يراعي هذا المحتوى الأيديولوجي تعدّدية البشر في فهمهم للدين وتنوّع رؤاهم حول علاقة الدين بالدولة.

في تنويعات تيارات الأصولية المشرقية، يمكن أن نميّز بين ثلاثة عناصر للسرديّة التاريخية للمركزية الإسلامية: أولها جانب عنفي طوباوي، وثانيها، مظلوميّة مصحوبة بنظرة تآمرية، وثالثها، رواية إحيائية للتراجع الحضاري لمنطقة الشرق الأوسط.

العنف الطوباوي

تحوّل العنصر الجهادي في الدين الإسلامي على يد التيارات الأصوليّة إلى مغامرات قتالية جلبت الكثير من المآسي على المنطقة، من ترسيخ حكم المستبدّين إلى توفير الذريعة لغزو بلدان المنطقة مع مفاعيل الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر وتدمير حواضرها.

أساس الفكر الجهادي المغامر في المخيّلة الأصولية يقوم على النجاح التاريخي العسكري الإسلامي كهزيمة الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية على يد جيوش الخلافة الراشدة. وبناء عليه، كل ما يستدعي الانتصار العسكري لجماعاتهم في مخيلتهم هو رفع راية الدين. وهذا ما يشرح عبثية مغامرات داعش والطليعة المقاتلة وغيرها من التنظيمات الجهادية، وما جلبته من دمار للمنطقة بمخالفتها لأبسط قواعد حرب العصابات، كشرط التكافؤ العسكري قبل السيطرة العسكرية على المدن.

مع أنّ مبدأ الأخذ بالأسباب في الدين الإسلامي يحضّ على توفير الأسباب المادية قبل الخوض في أي مشروع فردي أو جمعي، ومع تقدير الإنجاز العسكري الاستثنائي الذي مكّن جيوش المسلمين الأوائل من هزيمة الإمبراطوريات المجاورة، فإنّ مركزية الأصوليين الإسلامية تمنعهم من رؤية انتصار المسلمين الأوائل كحدث يتشارك فيه المسلمون مع قائمة طويلة مع هزائم الإمبراطوريات الكبرى على يد جيوش قبلية، من انهيار الإمبراطورية الرومانية على يد القبائل الجرمانية إلى اكتساحات المغول المتعدّدة للإمبراطورية الصينية، كالاكتساح الذي تمّ في أكثر عهودها ازدهاراً في إطار الغزو المغولي لممالك آسيا وأوروبا، في القرن الثالث عشر.

"الإسلاميون بخطابهم الشوفيني وهوسهم بالقوة، وبعيداً عن أي واقعية أو عقلانية، ما برحوا يخوضون مغامرات جهادية منذ أواخر السبعينيات مع كلّ نتائجها الكارثية على بلادهم وجماعاتهم، ظانين أنّ التمكين سيأتي فقط لأنهم يحملون ما يُخيّل إليهم بأنه المشروع الإسلامي"

تاريخيّاً، عظمة الحضارة الإسلامية على تنوّعها لم تكن في الانتصارات العسكرية بل في تكوين دولة على مقدار عالٍ من الانفتاح والمرونة، والتعلّم من تجارب الأمم الأخرى لتقديم نظام حضاري استمر لقرون طويلة وكان أكثر تقدّماً، مثلاً، مما قدمته القبائل الجرمانية عقب إسقاطها للإمبراطورية الرومانية. لكنّ الإسلاميين بخطابهم الشوفيني وهوسهم بالقوة، وبعيداً عن أي واقعية أو عقلانية، ما برحوا يخوضون مغامرات جهادية منذ أواخر السبعينيات مع كلّ نتائجها الكارثية على بلادهم وجماعاتهم، ظانين أنّ التمكين سيأتي فقط لأنهم يحملون ما يُخيّل إليهم بأنه المشروع الإسلامي.

الأمّة المستهدفة

من أهم أسباب صعود الأصولية بشكل شديد الاضطراب في الشرق الأوسط، الأثر النفسي لبقاء المنطقة وراء غيرها من القوى الحضارية التاريخية على الساحة الدولية. وكما هو حال الحركات الإحيائية الفاشية والعرقية والأيديولوجية كنازيي ألمانيا والهندوس القوميين، يروّج الإسلاميون لخطاب الاستهداف من آخرٍ ما لتبرير هذا التراجع الحضاري. وتحضر بقوة في مركز الخطاب الأصولي مظلومية الاستهداف العالمي للإسلام والمسلمين، وتبسيط العلاقات الدولية والسياسية برؤية محورها استهداف المسلمين وتخوّف الآخرين من تهديد نموذجٍ إسلامي يدّعي الإسلاميون وجوده.

هذا الخطاب يبني جزءاً من مظلوميته على ما نشهده من حضور قديم جديد لذوي الأحقاد على المسلمين ضمن إطار الفعل ورد الفعل في العلاقات الغربية-الإسلامية، منذ التمدد الإسلامي شمالاً نحو الدولة البيزنطية والممالك الغربية كإسبانيا، إلى الحروب الصليبية والتمدّد العثماني في أوروبا والاستعمار الغربي والدعم المتواصل لإسرائيل، وما جلبه مناخ الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر.

"تحضر بقوة في مركز الخطاب الأصولي مظلومية الاستهداف العالمي للإسلام والمسلمين، وتبسيط العلاقات الدولية والسياسية برؤية محورها استهداف المسلمين وتخوّف الآخرين من تهديد نموذجٍ إسلامي يدّعي الإسلاميون وجوده"

لكن هذا لا ينفي أنّ بريطانيا كانت الراعي الأول لدولة الخلافة العثمانية منذ أواخر القرن الثامن عشر حتى تحالف العثمانيين مع الألمان قبل الحرب العالمية الأولى. فكانت بريطانيا السند في حروب العثمانيين مع روسيا ونابليون ومحمد علي. ولا ننسى العلاقات الحارة الغربية مع رائد الأصولية الإسلامية الباكستاني الجنرال ضياء الحق والدعم الغربي لمجاهدي أفغانستان في حربهم ضدّ الاتحاد السوفياتي وهي التجربة ذات الإسهام الأكبر في تضخّم التيار الجهادي في العقود الأخيرة.

ولا يستقيم ذاك الدعم البريطاني لدولة الخلافة في عهد تدهورها العسكري، وللظاهرة الجهادية، مع رؤية الغرب للمسلمين كأكبر تهديد حضاري كما يدّعي الأصوليون.

في مركزية الإسلاميين ووعيهم النرجسي لذواتهم، لا يرون أنّ استهداف أراضيهم في العصر الحديث لم يكن إلا جزءاً من استرتيجية إمبريالية غربية عالمية لم يكونوا الهدف الوحيد لها. ولا يشغلون أنفسهم بالنظر إلى ما تعرضت له إفريقيا مثلاً من نهب للثروات ومجازر واستعباد ودعم للأنظمة العنصرية، وما تعرضّت له شبه الجزيرة الهندية بمغولها المسلمين وهندوسييّها، تحت الهيمنة البريطانية، من نهب وتدمير للصناعة التي كانت ثاني أكبر منتجيها في العالم في القرن الثامن عشر، ولا ما جرى في الصين من إذلال في حروب الأفيون بعد أن كانت الصين أكبر قوة اقتصادية في العالم لستة قرون، وهي مكانة لن تستعيدها ربما حتى نهاية العقد الحالي، ولا يرون ما تتعرّض له الأقليات غير البيضاء من تمييز في الغرب.

أخيراً، نستطيع القول إنّ ما عدا إسلاميي أبو الأعلى المودودي وسيّد قطب وأسامة بن لادن، فإن الكثيرين، مسلمين وغير مسلمين، يشعرون بالتهديد من طرح أيديولوجي أصولي يؤدي تبنّيه إلى حروب أهلية أو نظام شمولي إقصائي أو أمثال الاعتداءات الإرهابية في الغرب والشرق في العقدين الأخيرين.

لماذا تراجع المسلمون؟

يقدّم الإسلاميون التراجع عن حكم الشريعة، سواء في القرن التاسع عشر مع عهد التنظيمات العثمانية وإصلاحات محمّد علي أو في دول ما بعد الاستقلال، كمفتاح للتراجع الحضاري في المنطقة. ويمكن الإشارة إلى مغالطتين في هذا الادعاء. أوّلهما، إذا أخذنا الدولة العثمانية مثالاً فإن تراجعها العسكري بدأ في القرن الثامن عشر، ولكن حركة العلمنة والتحديث القانوني في نظم الدولة العثمانية تمّ بعد هزائم متتابعة للدولة العثمانية في حروبها مع روسيا في أواخر القرن الثامن عشر وإثر الحملة الفرنسية لنابليون وغيرها من الهزائم. كانت مشاريع تحديث الدولة من خلال التنظيمات العثمانية أو إصلاحات محمّد علي في القرن التاسع عشر لاحقة وليست سابقة على التراجع العسكري أمام الغرب.

"في مركزية الإسلاميين ووعيهم النرجسي لذواتهم، لا يرون أنّ استهداف أراضيهم في العصر الحديث لم يكن إلا جزءاً من استرتيجية إمبريالية غربية عالمية لم يكونوا الهدف الوحيد لها"

المغالطة الأخرى في جواب الإسلاميين على سؤال الانحدار يكمن في مركزيتهم الإسلامية التي لو خرجوا منها لوجدوا أنّ الانحدار في وجه الغرب لم يكن فحسب من نصيب المسلمين بل كان من نصيب كل الحضارات غير الغربية. وعليه فإنّ جميع القوى العالمية مسلمة وغير مسلمة اتّخذت طريق التحديث تحت ضغوط التمدّد الغربي. فهذا كان حال الصين أكبر اقتصاد عالمي قبل القرن التاسع عشر وحال اليابان والهند كذلك. نجاح استعادة دور الصين والهند إلى جانب اليابان في قائمة أكبر اقتصادات العالم إنما تمّ مع تحوّلهم الرأسمالي. فالرأسمالية بتمحورها حول تراكم رأس المال وبتثويرها التكنولوجيا والإنتاج عصيّة على الهزيمة والانكفاء أمام النظم الخراجية.

فرغم ازدهار حضارات الإسلام والهند والصين، فإنها بقيت عاجزة عن مجابهة الغرب الرأسمالي في ظل اقتصاد خراجي يتمحور حول توفير الدولة احتياجات جهاز الحكم ورعاياها من خلال تنمية الخراج الزراعي وإعادة توزيعه في ظل دور طرفي أو مكبَّلٍ للقطاع الخاص. فلا علاقة للدين إيجاباً أو سلباً بالتراجع الحضاري. بل إنّ فهم إسلاميي المودودي للدين بإقصائيته وشموليته ورجعيته لا يتناسب مع أي تحديث أو تقدّم حضاري.

وبينما يسعى كثيرون في الغرب إلى نقد المركزية الأوروبية بشكلها الاستعماري الاستعلائي، ومع وجوب التنبّه إلى عدم الوقوع في مفارقات تاريخية، يبدو أننا سننتظر طويلاً حتى نخرج من الرؤى الماهوية لتاريخنا، ونقيّم تجربة التمدّد الإمبراطوري الإسلامي بعيداً عن المركزية الإسلامية الإعلائية، ونسلط الضوء في وعينا التاريخي ليس فقط على التقدّم العلمي وغيره من الإنجازات الحضارية الإيجابية، بل أيضاً على الظواهر السلبية كالأوضاع التي أدّت إلى ثورات الأقباط والأمازيغ في العهد الأموي والعباسي، ورواج تجارة العبيد برجالهم ونسائهم ومخصييهم حتى إنهائها بمبادرة غربية خارجية في القرن التاسع عشر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard