أن تكون دمشقياً... أن تكون ابن مدينة خرساء

الاثنين 15 مارس 202102:17 م

هل قدرُنا عدّ السنين؟ أيفتخر المرء بآلامه؟ أم يتناساها كما نفعل؟

بغض النظر عن جدلية "من الخارج أولاً؟"، فهي معروفة لدى الجميع، لكن هل يحق للشوام الاحتفال بالذكرى العاشرة للثورة السورية وتجديد عهودها؟ أو ربّما نعيها وبكاءها، كغيرهم من سوريي الداخل والشتات. هل يحق لهم التجرّؤ على الحلم مرة ثانية؟ هل يحق لهم إعادة الكرّة؟ هل يحق لهم الصراخ؟ البكاء؟ الغضب؟ الغناء؟ هل يحق لهم البحث عن أوطان بديلة؟ هل يحق لهم الوقوف على أبواب مكاتب الأمم المتحدة؟ أو اللجوء في المانيا، هولندا، النمسا، السويد وباقي دول الاتحاد الأوروبي التي بدأت برفضهم كما رفضتهم وترفضهم مدينتهم المحتلة، وشبيهاتها.

أن تكون شامياً يعني أن تلاحقك تلك الأسئلة من الناس جميعاً، حتى في خلواتك مع نفسك التي لا تسير علاقتك بها على ما يرام. ثم وبكل بساطة، تُصدر محكمتك العليا قرارها الصارم بالإنكار. عليك أن تنكر تلك الهوية. عليك أن تلعن تلك الأقدار، والساعة التي حملت بك أمك. ماذا لو كنت حمصياً؟ حموياً؟ درعاوياً؟ أو بالأحرى ماذا لو لم تكن سورياً؟ ماذا لو فشلت قصة حب أبيك وأمك وراح كل واحد في سبيله؟

بعض المجانين يبلغون الشرطة في أي دولة أوروبية عن وجود أشخاص أتوا من دمشق؛ الآمنة كما يظنون، والمتخاذلة

سيسألك أحدهم: هل كذب علينا نزار قباني؟ "لا لم يكذب أبداً، لكن تيم حسن، سلوم حدّاد، صباح الجزائري، أسعد فضة، أصالة، باسل الخطيب، وقمر الزمان علوش، بمعية نبيل طعمة، كانوا أشد الكاذبين. ولا تروح لبعيد، في إذاعة بتحمل اسم هالمدينة، فقط بالاسم، وبإمكاني صير شاعر على فكرة، بس ما بحب تشاركني بحبّي جوقة من شعراء الكروسان والليموناضة وحارات القيمرية. الشام مو هيك، ولا كانت ولا رح تكون بهالسطحية". ثمّة من يدّعي على دمشق كذباً، ومن يتخذها هزواً، حتى لو كان صادقاً. ثمّة من يلصق صفة التخاذل عليها بصفة عامة، وعلى كل من ينجو منها. حتى بعض المجانين يبلغون الشرطة في أي دولة أوروبية عن وجود أشخاص أتوا من دمشق؛ الآمنة والمتخاذلة كما يظنون، ليرحّلوا ويتوهوا مرة أخرى. لكن تلك الأحكام ناقصة، وعلى مصدريها إعادة النظر فيها.

ماذا يرون فيها حتى يحكموا عليها وعلى ناسها بهذه الطريقة؟ طوابير المولعين بهواتف أسماء الأسد الذكية؟ المزاج الرايق لروّاد الـ "سكاي ستون" وبارات باب شرقي؟ صمتها؟ أحقاً دمشق خرساء؟ تواطؤ التجار الجدد "البغو" وحديثي النعمة مع السجان؟ تواطؤ وصمت تجارها الكبار عما فعله ويفعله القاتل؟

لا أحد ينكر كمية النفاق والكذب والاشتراك في الجريمة وتلطّخ أيادي معظم الدمشقيين، نوّاباً (كما يدعون) لكنهم "وظاويظ"، تجار، وصنايعية، وشقّيعة. لا أحد ينكر طوابير الحالمين بنعمة الآيفون 12 (غالباً من المستوطنين). لا أحد ينكر أجواء السهر والفرح والليالي الحمراء. لا أحد ينكر براغماتية معظم الدمشقيين، في الوقوف دائماً، مع من يظنون أنه الفائز. هذا جزء من صورة معتمة لا تعكس أي صورة كاملة عن الشام وأهلها التي تغيب عن إعلام "المعارضة" حديث الولادة، بالدرجة الأولى، ثم العربي والأجنبي وطبعاً. تغيب عن إعلام النظام أيضاً، الذي يحضّر شعراءه و"مطبّليه" للحفلة الانتخابية القادمة. ويوهم نفسه، وهو مكشوف، أنه يتحدث عن الفساد والذل والفقر والجوع الذي هجم على كل بيت من قاسيون حتى بلغت ضرباته "ليوك" ونمليات أقصى بيت في الميدان والقدم، رغم كثرة المتنعمين.

هل يقدرون أعداد المحاميين والمتنفذين الذين يبتزون أهالي دمشق المفجوعين بأبنائهم

دمشق مليئة بالفاسدين، وأولاد الحرام، وتعجُّ بالعواينية. يصل بك الأمر غالباً إلى الشك بجارك، فهي أقدم مدينة مأهولة بالخوف والرعب. مليئة بالكاذبين على أنفسهم وعلى الآخرين. مليئة بأفرع الأمن وشعب الحزب الحاكم. تظن أنه مبنى مدرسة فيتبين أنه فرع أمن أو شعبة حزب! هل أتاهم حديث أفرع الأربعين؟ الخطيب؟ فلسطين؟ الميسات؟ المزة؟ الفيحاء؟ القابون؟ كفرسوسة؟ صيدنايا؟ عدرا؟ وما خفي منها؟ ونظرائها من مخافر الأحياء والمربعات والمثلثات والمعينات الأمنية ومفارز المتة وبزر دوار القمر عند زاوية أي بناء يسكن فيه مسؤول أو ضابط، من الحرس القديم أو الجديد؟

هل يقدّرون أعداد الأمهات التي تتوسل كلاب الطاغية حتى تنزل إلى زنازينه في سابع أرض لتبحث عن ولدها؟ طبعاً بعد بيعها كل ما تملك، وأحياناً قد تبيع نفسها، علها تعثر على فلذة كبدها. هل يعلمون كم أم باتت تهذي في الطرقات لأنها تسلّمت هوية ابنها من مشفى تشرين، حيث لم يبق من أثره سواها وقميص ملطخ بالدم والعرق والذل. هكذا، مات، بكل بساطة!

هل يقدرون كم مرة أُقيمت صلاة الغائب؟ هل يعلمون كم من أم وأب يقفون على أبواب محاكم "الإرهاب" في المزة يومياً؟ هل يقدرون أعداد المحاميين والمتنفذين الذين يبتزون أهالي دمشق المفجوعين بأبنائهم، ضحايا الصوت، بملايين الليرات كي يعرفوا مكانه أو يتأكدوا من أنه حي يرزق على أقل تقدير؟ هل يعلمون أن الجيل، الذي نطق أول مرة قبل عشر سنوات، بات في المقابر أو دول الشتات، أو مخفياً ميتاً ربما في أحد السجون، أو صامتاً خائفاً من الكلاب، ينتظر لحظة نطقه الجديدة التي لا يعرف إذا ستحين أم لا؟ هل هذا الجيل الذي يقف على طوابير الآيفون ويسهر في السكاي ستون ومقاهي المالكي ومشروع دمر وبارات باب شرقي هو أبناء دمشق حقاً؟ هل جيل "لفّلي حشيش" أو "راسي بعلبكي" أو شعب الأستاذة إنجي خوري ونظيراتها ونظرائها من الناهقين والناهقات على السوشيل ميديا، هم من يعطون صورة عن دمشق حالياً؟

هزلت.

ولأصحاب الشعارات الرنّانة من الثورة الكريمة والمباركة، أسألتم، مرة واحدة فقط، عن معتقل كما تسألون عن مبادئ وطنية ودستور محطوط بخرج البيك من أيام دريد لحام الماركسي الشجاع المقدام؟ هل سألتم عن قصي وعبّودة ويوسف ومحمد ورامز الذين سُحبوا واعتقلوا خلال لعبة "دحل" كنا نلهوا بها في الحارة، وغيرهم الآلاف من الأطفال والمراهقين والشباب والرجال والعجزة والفتيات والنساء في عهد الثورة الأول؟ لقد كبروا جميعاً أو ربما ماتوا داخل السجون. أتوجد معجزة تخرجهم مما هم فيه إذا كانوا أحياء؟ ولكن كما دخلوا، أي صغاراً، مشكلة كبيرة إذا خرجوا كباراً. سيعرفها أي امرئ يلتقي بخلٍّ له كبر ونبت عوده في السجن، ثم خرج. ليتهم يعودون، كما السابق، لنغني مرة أخرى: "حانن للحرية حانن" بأصواتنا الطفولية.

في دمشق، خوف الجد، نُقل للأب، ثم ورثه الابن، فماتت آمال الأول، وسُحقت أحلام الثاني، والتهمت العدمية حياة الثالث.

إن كان الله بلانا بالخوف والذل والجوع والفقر في الداخل، فإنه بلانا كذلك بأشخاص يظنون زوراً ونفاقاً أنهم ممثلونا، في اسطنبول وباريس والرياض والدوحة والقاهرة وواشنطن وأستانة وسوتشي وجنيف (أم المئة وخمسين منافقاً ومنافقة) من اللجنة الخرندعية التي تخترع الذرّة منذ سنتين.

في دمشق، خوف الجد، نُقل للأب، ثم ورثه الابن، فماتت آمال الأول، وسُحقت أحلام الثاني، والتهمت العدمية حياة الثالث. جرّب أن تقول لوالدك أنك خرجت في مظاهرة يوما ما. أو لا تجرّب، سيخبره فاعلو الخير. سيضربك ويسلخ جلدك عن عظمك كما يفعل الطغاة. ستغضب عليك أمك، سيخوّنك أخوالك وعموم. ستسقط من أعين الخالات والعمات. سيكتب بك أحد الأقارب أو الجيران تقريراً لم يكتب عن ايلي كوهين سابقاً. ستجتمع العائلة كلّها ضدك: ماذا تفعل؟ بدك تروحنا انت؟ ثم تعود إلى ربابتك المهترئة، إذا لم يمسسك ضرر، لتعزف أشجن نوتات الخوف والصبر والحزن والانتظار واليأس، أو قل: موتك البطيء.

بعد عشر سنوات يأتي من يسكتك ويقمعك، حتى من تظن أنهم يشبهونك. لا تستطيع قول أي شيء، لا تستطيع الرد، فآلام حنجرتك التي احتارت السكاكين في أي موضع منها تغرز، ما زالت تئن. وآلام هويتك ومدينتك التي سكنها الخوف منذ بدء الخليقة، منذ زمن الهكسوس والآرام، منذ زمن معاوية وهشام حتى زمن البعث وبشار الأسد، ما زالت تصرخ. تلك المدينة التي نطقت حين زارتها نسائم قرطاج والنيل، بعدما تبادلت العيون خوفاً سيرة أطفال درعا. تلك المدينة التي نطقت، فقُطع لسانها، ما أصعب أن تكون ابن مدينة خرساء. وهي ليست كذلك أبداً.

أنتناسى أن آذار عاد مجدداً؟ هل نضحك على آلامنا؟ إنه يريد زيارة طفلته التي بلغت العاشرة، وبهدوء حذر، يدخل غرفتها المراقبة دولياً، فمنظمات الأمم المتحدة تحب هذا النوع من المرضى كثيراً. إنه أحد أسباب عيشها، شاهد خراطيم وكابلات متشابكة ببعضها موصولة بجسدها، منها الروسي والتركي والإيراني، منها الأمريكي والأوروبي. لا يوجد أحد سوري سوى المريضة. كأنه في ملتقى للحضارات والصناعات. دنا منها، ومسح على رأسها المخضّب بدماء أحلامها المجهضة، أتراه يسأل: ما بالها؟ كيف حالها؟  أتراه يطمئنها أن التاريخ لا ينسى؟ أتراه يبشرها بحتمية أن التاريخ لا ينسى ممارسة لعبته المفضلة في تصفية الطغاة وكلابهم وكلاب كلابهم وكلاب كلاب كلابهم مهما خانت الضمائر؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard