سورية والآباء الدستوريين 1928-1950

الخميس 25 مارس 202101:46 م

في سنة 1928، دعت سلطة الانتداب الفرنسي الحاكمة في سورية، لانتخاب مؤتمر تأسيسي لصياغة دستور جمهوري للبلاد، بدلاً من الدستور الملكي التي كانت حكومة الانتداب قد عطلته قبل ثماني سنوات، عشية احتلال دمشق.

خاضت الكتلة الوطنية تلك الانتخابات، وكانت حديثة العهد، وفازت باثنين وعشرين مقعداً من أصل 70، وتم انتخاب مؤسسها، هاشم الأتاسي، رئيساً للمؤتمر، يعاونه اثنان من أعضاء الكتلة الحقوقيين، وهما فوزي الغزي وفائز الخوري.

كلاهما كان قد درس القانون في كبرى جامعات إسطنبول، وكانا محسوبين على فئة الشباب: الغزي (31 عاماً) والخوري (33 عاماً). أما هاشم الأتاسي فكان أكبرهم سناً وخبرة، فهو رجل دولة منذ العهد العثماني، ولد سنة 1873 وعمل متصرفاً في عدة مناطق منها الأناضول. وكان رئيساً للمؤتمر السوري (البرلمان) الذي توّج فيصل ملكاً على سورية في 8 آذار 1920، وقد عُيّن رئيساً للحكومة السورية من أيار وحتى تموز العام 1920.

إضافة لكل هذه المهام، كان هاشم الأتاسي رئيس اللجنة الدستورية التي وضعت دستور عام 1920، ما جعله من أكثر الوطنيين خبرة ودراية ومقدرة على صياغة دستور سورية الجديد.

أنجز الأتاسي ورفاقه دستور سورية الجديد، في فترة قياسية لم تتجاوز الأسبوعين، ووضعوا دستوراً عصرياً مُستلهماً من الدساتير الأوروبية، نصّ على نظام برلماني ديمقراطي، تكون ولاية مجلس النواب فيه أربع سنوات وولاية رئيس الجمهورية خمسة، غير قابلة للتمديد بشكل متواصل. دفاع الأتاسي عن موقفه بالإشارة إلى الولايات المتحدة الأميركية، قائلاً إن رئيس الجمهورية هناك يقضي سنته الأخيرة في الحكم في إدارة حملته الانتخابية، ويكون ذلك دوماً على حساب الناس ومصالحهم.

أنجز هاشم الأتاسي ورفاقه دستور سورية الجديد عام 1920، في فترة قياسية لم تتجاوز الأسبوعين، ووضعوا دستوراً مُستلهماً من الدساتير الأوروبية، نصّ على نظام برلماني ديمقراطي، تكون ولاية مجلس النواب فيه أربع سنوات وولاية رئيس الجمهورية خمسة

رأى أنه من الأفضل أن يخرج الرئيس من المنصب ويُعيد ترشيح نفسه بعد قضاء خمس سنوات خارج الحكم، تكون حملته الانتخابية فيها على حسابه الشخصي، لا على حساب الدولة والشعب. وقد أكد الدستور على حرية المعتقد والتعبير، صان ملكية الفرد وأصرّ على استقلال القضاء، كما جعل التعليم الابتدائي إلزامياً لكل مواطن سوري.

ولكن هذا الدستور لم يُعجب السلطة الفرنسية، بسبب خلوّه الكامل من أي إشارة لنظام الانتداب القائم منذ عام 1920. اعترضت فرنسا على ست مواد، منها المادة 74 التي أعطت رئيس الجمهورية المُنتخب، بدلاً من المندوب السامي الفرنسي، حق إعلان الحرب والسلم وتوقيع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.

وجاء في المادة 110 حق إنشاء جيش وطني في سورية بدلاً من الجيش الذي تم سحقه ثم حلّه إبان معركة ميسلون، الأمر الذي لم يعجب الفرنسيين أيضاً. وأخيراً احتجت فرنسا على المادة الثانية من الدستور التي لم تعترف بحدود اتفاقية سايكس بيكو، ونصّت على اعتبار سورية الطبيعية هي المساحة القانونية للدولة السورية الوليدة.

في 11 أب 1928 تمّ التصويت على مسودة الدستور داخل المؤتمر التأسيسي وتبناه النواب بالإجماع. ولكن الفرنسيين أضافوا المادة 116 والتي نصّت على ذكر الانتداب. رفض الأتاسي ذلك، مُشيراً لدستور مصر لسنة 1922 ودستور العراق لسنة 1925، وكلاهما خالٍ من أي إشارة لوجود الإنكليز أو شرعيتهم في تلك الدول العربية.

وعندما أصرّ الوطنيون على موقفهم الرافض للمادة 116، جاء الرد الفرنسي بتعطيل المؤتمر التأسيسي لمدة ثلاثة أشهر. وفي 5 شباط 1929، أُعلن عن حل المؤتمر كلياً وتعطيل الدستور إلى أجل غير مسمّى. وفي أيار 1930 قام المندوب السامي الفرنسي غابريل بونسو، بإقرار نسخة معدّلة من هذا الدستور، فُرضت فيها المادة 116 دون إعلام أو استشارة الآباء الدستوريين.

دستور 1950

بقي هذا الدستور ساري المفعول طوال فترة الانتداب الفرنسي، وانتُخب بموجبه هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية سنة 1936، ثم شكري القوتلي عام 1943. عصفت بسورية بعدها سلسلة من الانقلابات العسكرية، كان أولها انقلاب حسني الزعيم على شكري القوتلي في 29 آذار 1949، تلاه انقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم في 14 آب 1949.

بعد نجاح الانقلاب الثاني ومقتل حسني الزعيم، أعلن سامي الحناوي أنه لا يريد تولّي رئاسة الجمهورية، وأنه سيعيد الجيش إلى ثكناته ويُفسح المجال أمام عودة الحياة المدنية البرلمانية التي كان الزعيم قد عطلها مع انقلابه الأول.

دعا الحناوي إلى اجتماع كبير في مبنى الأركان العامة، حضره ممثلون عن الأحزاب السياسية كافة، قرر فيه المجتمعون الطلب من هاشم الأتاسي العودة إلى سدّة الحكم بصفته قائد تاريخياً أجمع عليه الشعب السوري، بكافة شرائحه وطوائفه.

رفض الأتاسي هذا الطرح بداية، مُعتبراً أن الرئيس شكري القوتلي يبقى هو الرئيس الشرعي للبلاد، بموجب الانتخابات النيابية الأخيرة التي أُجريت سنة 1947. رأي أن يعود القوتلي إلى الحكم ويدعو لانتخابات نيابية جديدة، بموجب دستور 1928، ولكن معظم السياسيين رفضوا هذا المقترح وأصروا على موقفهم.

نزولاً عند رغبة الأكثرية وإنقاذاً للموقف، قبل الأتاسي منصب رئاسة الوزراء وشكّل حكومته يوم 15 آب 1949. وفي 11 كانون الأول، انتخب زعيم حزب الشعب، رشدي الكيخيا، رئيساً للمؤتمر التأسيسي المُكلف بصياغة دستور جديد بدلاً من الدستور القديم الذي كان حسني الزعيم قد عطّله قبل أشهر.

عصفت بسورية بعد العام 1943 سلسلة من الانقلابات العسكرية، كان أولها انقلاب حسني الزعيم على شكري القوتلي في 29 آذار 1949، تلاه انقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم في 14 آب 1949

حصد حزب الشعب غالبية مقاعد المؤتمر التأسيسي (40 من أصل 114) وتقرر أن يتحول هذا المؤتمر إلى مجلس نواب بصلاحيات تشريعية كاملة، عند إتمامه مهام صياغة الدستور الجديد. وقد ضمت اللجنة الدستورية ممثلين عن جميع الأحزاب، فكان فيها مصطفى السباعي، مؤسس الإخوان المسلمين في سورية، وعصام المحايري، رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي.

خاض المؤتمرون في تفاصيل قانون الانتخابات أولاً، وشُكّلت لجنة مؤلفة من وزير الدولة عادل العظمة (الحزب الوطني)، وزير الاقتصاد فيضي الأتاسي (حزب الشعب)، وزير المعارف ميشيل عفلق (حزب البعث) ووزير الزراعة أكرم الحوراني (الحزب العربي الاشتراكي).

قرروا تخفيض سن الناخب إلى 18 وعدم قبول ترشّح الأميين. وكان الهدف من ذلك هو تشجيع الشباب على المشاركة في الحياة السياسية وقطع الطريق على عدد من النواب القدامى الأميين، لمنعهم من الوصول إلى المجلس النيابي، ورفع سوية النقاش داخله. وقد أعطوا النساء ولأول مرة حق الانتخاب، شريطة أن تكون المرأة حاصلة على شهادة التعليم الابتدائي.

أبرز ما جاء في الدستور الجديد هو تقليل صلاحيات رئاسة الجمهورية، تجنباً لتعديل الدستور الذي تم في عهد الرئيس القوتلي، والاستبداد الذي حصل في عهد حسني الزعيم. في زمن الرئيس القوتلي، تم تعديل الدستور للسماح له بولاية دستورية ثانية، وكانت الحجة أن البلاد تمر في ظرف سياسي صعب لا يجوز فيه استبدال قبطان السفينة.

أعاد المؤتمر التأسيسي العمل بمبدأ الولاية الواحدة التي كان قد أقرها الرئيس الأتاسي سنة 1928، وجاء في المادة 73: "مدة رئاسة الجمهورية خمس سنوات كاملة تبدأ منذ انتخاب الرئيس. ولا يجوز تجديدها إلا بعد مرور خمس سنوات كاملة على انتهاء رئاسته".

دين الدولة

هذا وقد دارت معركة كبرى في المؤتمر التأسيسي عند إثارة موضوع "دين الدولة" بطلب من جماعة الإخوان المسلمين. طالبوا بمادة تقول إن دين الدولة السورية هو الإسلام، وهي عبارة خلت كل الدساتير السابقة منها. في دستور العام 1920 مثلاً، جاء أن دين الملك وحده هو الإسلام، وفي دستور 1928 جاء في المادة الثالثة منه أن دين رئيس الدولة هو الإسلام.

الرد على هذا المقترح كان بداية من خارج المجلس، وجاء على لسان مطران حماة للروم الأرثوذوكس، أغناطيوس حريكة، في حديث له مع مراسلي الصحف ووكالات الأنباء، طالب المطران بعلمانية الدولة السورية، وقال: "إننا كثيراً ما كنا نعلن للأجنبي أن لا أقلية في البلاد إلّا أقلية الخونة والمارقين. فماذا نقول لهم غداً إذ وجدوا في صلب دستورنا مادة تسجل علينا نحن النصارى أقلية؟".

"لو كانت هذه البلاد للمسلمين وحدهم، لكانوا أحراراً في فرض دينهم على أنفسهم وعلى حكوماتهم وحكامهم، ولكن البلاد ليست لنا وحدنا، بل هي لنا ولغيرنا، وخصوصاً للنصارى الذين كانت لهم قبلنا، والذين دخلنا عليهم وهم فيها أصحاب دولة ومُلك ودين"

شجع هذا النداء عدداً من العلمانيين السوريين على رفع صوتهم، وكان في مقدمتهم صاحب جريدة القبس، نجيب الريّس، وهو مُسلم سني من مدينة حماة، كتب مقالاً بعنوان "البلاد ليست لنا وحدنا"، جاء في افتتاحيته: "لو كانت هذه البلاد للمسلمين وحدهم، لكانوا أحراراً في فرض دينهم على أنفسهم وعلى حكوماتهم وحكامهم، ولكن البلاد ليست لنا وحدنا، بل هي لنا ولغيرنا، وخصوصاً للنصارى الذين كانت لهم قبلنا، والذين دخلنا عليهم وهم فيها أصحاب دولة ومُلك ودين.

حرمة الدين الإسلامي لا تكون بالنصوص والقوانين المفروضة، بل تكون بالتقوى والتمسك بتعاليم الدين، فلنكن متدينين أتقياء لا متعصبين أشداء، وليكن الدين مظهراً لأخلاقنا لا مُنفراً لإخواننا ومواطنينا". يكمل نجيب الريس كلامه: "لماذا تضعون هذه المادة الذي يثير مجرد وضعها فقط نفوس غير المسلمين في سورية وفي غيرها، ويفتح علينا وعلى بلادنا باباً جديداً من الدعاية في العالم الخارجي نحن في غنى عن فتحه.

ولا نعتقد أن أية حكومة تتألف في سورية تستطيع تطبيق أوامر الدين الإسلامية ونواهيه على رعاياها في معاملاتهم، وخصوصاً في هذه الأيام التي تفرض منظمة الأمم المتحدة والعرف الدولي وإجماع الدنيا وجوب المساواة بين المواطنين نساء ورجالاً، في كل دولة مستقلة، وسورية عضو في هذه المنطقة ومجبرة على تطبيق قوانينها".

هنا حصل لغط، عندما نُشر على لسان الرئيس الأتاسي قوله: "نأمل في المرحلة التالية أن تلغى الأديان". هبّ رجال الدين من كل حدب وصوب، مسيحيين ومسلمين، مستغربين صدور كلام من هذا النوع عن رئيس البلاد المعروف بـحكمته. وصدرت عدة بيانات استنكار من المشايخ المقربين من هاشم الأتاسي، المحسوب على التيار المحافظ في سورية لا على العلماني. تم تدارك الأمر بسرعة وصدر بيان عن المكتب الإعلامي في القصر الجمهوري، موضحاً أن الرئيس الأتاسي طالب بإلغاء الطائفية لا الأديان.

شكل الأتاسي لجنة لدراسة موضوع دين الدولة، مؤلفة من ثمانية أشخاص، حاولت الإنصاف بين المحافظين والتقدميين، فكان بين أعضائها "العلماني" أكرم الحوراني و"الشيخ" معروف الدواليبي (ممثلاً عن حزب الشعب)، وكل من محمّد مبارك ومصطفى السباعي، ممثلين عن الإخوان المسلمين.

عندما نُشر على لسان الرئيس هاشم الأتاسي قوله: "نأمل في المرحلة التالية أن تلغى الأديان" هبّ رجال الدين من كل حدب وصوب، مسيحيين ومسلمين، مستغربين صدور كلام من هذا النوع عن رئيس البلاد

رُتب لقاء بين جماعة الإخوان ورجال الدين المسيحي، عُقد في الكنيسة الكاثوليكية بدمشق، طالب فيه الخوارنة والمطارنة بوضع دستور بحترم الخالق دون الدخول بالتفاصيل. أيدهم اتحاد خريجي الجامعات والمعاهد العليا في سورية، الذي طالب بطي مادة دين الدولة وسحبها من التداول، وأثنى على ذلك المؤتمر الأول لطلاب المدارس الثانوية المنعقد في دمشق، والذي عرّف سورية قائلاً: "سورية جمهورية عربية مستقلة ديمقراطية تحترم جميع الأديان".

في نهاية الصراع، اكتفى الإخوان بالمادة الثالثة التي تنص على دين رئيس الدولة، وبالقول إن الفقه الإسلامي هو مصدر التشريع.

صورة المقال من حفل تولي هاشم الأتاسي الرئاسة في مبنى المجلس النيابي، 21 ديسمبر/كانون الأول 1936، ويظهر في الصورة ملقيًا خطابه الأول".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard