تاريخ ما أهمله التاريخ.. انتخابات الرئاسة السورية عام 1932

الأحد 7 فبراير 202111:37 ص

تكاد انتخابات عام 1932 الرئاسية في سورية أن تسقط من كتب التاريخ، لأنها تمّت في ظل الانتداب الفرنسي، ولم يأت ذكرها في المناهج المدرسية منذ خروج الفرنسيين عام 1946. فهي لم تحظ بنفس الاهتمام الذي حظيت به انتخابات عام 1955 مثلاً، والتي خاضها الرئيس شكري القوتلي، ضد رئيس الحكومة، خالد العظم، وفاز فيها الأول.

وبالرغم من تسجيلها سينمائياً إلا أن تلك الأشرطة ضاعت في عتمة الأحداث الدامية التي مرت على سورية، ولم يبق حتى صورة فوتوغرافية واحدة لهذا الحدث. ولكن انتخابات عام 1932 تبقى فريدة من نوعها، لأنها كانت الأولى في عهد الجمهورية والوحيدة التي تنافس فيها ستة مرشحين.

جرت تلك الانتخابات في حزيران 1932، بعد أشهر قليلة من الانتخابات النيابية التي خسرت فيها الحركة الوطنية جميع مقاعدها في شمال سورية، بما فيها مدينة حلب، وقد فازت بالمقابل قائمة مرشح الشمال، صبحي بركات، بـ 28 مقعداً من أصل 68، ما جعلها الأقوى والأكبر داخل السلطة التشريعية. وفي الانتخابات، ترشحت الأسماء التالية للرئاسة الأولى:

تكاد انتخابات عام 1932 الرئاسية في سورية أن تسقط من كتب التاريخ، لأنها تمّت في ظل الانتداب الفرنسي، ولم يأت ذكرها في المناهج المدرسية منذ خروج الفرنسيين عام 1946

صبحي بركات من أنطاكيا، ممثلاً عن كتلة الشمال المحسوبة على فرنسا.

هاشم الأتاسي من حمص، ممثلاً عن الكتلة الوطنية.

حقي العظم من دمشق، مثلاً عن حزب الإصلاح.

تاج الدين الحسني من دمشق، ممثلاً التيار الدمشقي المحسوب على فرنسا.

رضا باشا الركابي من دمشق، ممثلاً حزب الأمة الملكي.

محمّد علي العابد من دمشق، ممثلاً عن المستقلين.

قدموا ترشحهم الرسمي في 7 حزيران 1932، قبل أربعة أيام من الانتخابات. ثلاثة من هؤلاء المرشحين كانوا رؤساء سابقين للحكومة، وهم الأتاسي والركابي والحسني، والعظم كان حاكماً سابقاً لدولة دمشق، أما صبحي بركات، فهو رئيس دولة سابق، جاء بالتعيين في منتصف العشرينيات، والعابد كان سفيراً سابقاً للدولة العثمانية في واشنطن.

قبل العام 1932 كان رؤساء سورية يعينون من قبل الفرنسيين وليس بالانتخاب. أولهم كان صبحي بركات نفسه، الذي أصبح رئيساً للدولة سنة 1925، وثانيهم هو أحمد نامي الذي حكم البلاد خلال الثورة الوطنية، وكان صهر السلطان عبد الحميد الثاني

أما معدل الأعمار فكان على النحو التالي: حقي العظم 67 سنة، محمّد علي العابد 65 سنة، رضا الركابي 65 سنة، هاشم الأتاسي 59 سنة، صبحي بركات 49 سنة، تاج الدين الحسني 47 سنة. أي أنهم كانوا من المخضرمين والمتمرسين في عالم السياسة، والكل أجمع على ضرورة إنهاء الانتداب بطرق سلمية وقانونية، رافضين حمل السلاح الذي جُرّب في الثورة السورية الكبرى، ولم يحقق أياً من مطالب السوريين، بل زاد من غطرسة فرنسا ومن معاناة الشعب السوري.


كان العظم والحسني وبركات مدعومين من فرنسا، والركابي كان مدعوماً من الأسرة الهاشمية الحاكمة في بغداد وعمّان، وهو ينادي بعودة الحكم الهاشمي إلى سورية، وهو وحده من بين المرشحين الستة القادم من خلفية عسكرية، كضابط متقاعد برتبة فريق في الجيش العثماني، وحاكم عسكري لسورية في مرحلة الحكم الفيصلي.


معدل أعمار المرشحين للانتخابات كان على النحو التالي: حقي العظم 67 سنة، محمّد علي العابد 65 سنة، رضا الركابي 65 سنة، هاشم الأتاسي 59 سنة، صبحي بركات 49 سنة، تاج الدين الحسني 47 سنة

أما بقية المرشحين، فجميعهم كانوا من خلفيات مدنية: الأتاسي والعظم كانا خريجي كبرى جامعات إسطنبول، والحسني كان من خلفية دينية، درس الفقه والشريعة الإسلامية على يد والده الشيخ بدر الدين الحسني، أحد أشهر علماء بلاد الشام، والعابد كان خريج جامعة السوربون العريقة في باريس.

وقبل هذا التاريخ، كان رؤساء سورية يعينون من قبل الفرنسيين وليس بالانتخاب. أولهم كان صبحي بركات نفسه، الذي أصبح رئيساً للدولة سنة 1925، وثانيهم هو أحمد نامي الذي حكم البلاد خلال الثورة الوطنية، وكان صهر السلطان عبد الحميد الثاني. تقرر يومها، وبموجب الدستور، أن تتم الانتخابات الرئاسية الأولى تحت قبة المجلس النيابي في يوم 11 حزيران 1932، وقد حضر الجلسة مسؤولون فرنسيون كبار لضمان هزيمة هاشم الأتاسي، بسبب مواقفه الوطنية ضد الحكم الفرنسي في سورية.

في يوم الانتخابات، نزل شباب الكتلة الوطنية إلى الشوارع المحيطة بالمجلس، محاولين منع نواب كتلة حلب من الوصول إلى المبنى، ولكنهم لم ينجحوا بذلك. إدراكاً لهزيمة كانت تلوح بالأفق، انسحب الأتاسي من المعركة، وأعطى جميع أصوات كتلته (وعددهم 14 نائباً) للمرشح المستقل محمّد علي العابد، لكونه الأقرب بين المرشحين لخط الكتلة الوطنية. أما الركابي والحسني والعظم فقد هزموا جميعاً في المرحلة الأولى، بالرغم من دعم الفرنسيين لهم، وبقيت المعركة النهائية بين مرشحين، هما بركات والعابد. وعند فرز الأصوات، فاز بركات باثنين وثلاثين صوتاً والعابد بستة وثلاثين صوتاً، ما جعله رسمياً أول رئيس للجمهورية السورية.


سار الرئيس المنتخب ببطء باتجاه المنصة المرتفعة أمام النواب، بطربوشه الأحمر، مرتدياً بزة أنيقة، غامقة اللون، متكئاً على عصا. وضع يده اليمنى على المصحف مقسماً "باسم الله والوطن"، أن يحافظ على الدستور ويحترم القانون وأن يعمل على خدمة المصالح الوطنية. وعد الرئيس الجديد أن يبقى "صديقاً للجميع،" وأن يترفع دوماً عن التحزبات الضيقة، وأن يكون أباً لكل السوريين، أميناً على تاريخهم الطويل والمشرف.

رُفع علم سورية الجديد، احتفالاً بفوز محمد علي العابد، الذي كان يتألّف من ثلاثة ألوان: الأخضر للخلفاء الراشدين والأبيض للدولة الأموية والأسود للدولة العباسية، تتوسطه ثلاث نجوم، ترمز كل واحدة منها لإحدى الثورات السورية الثلاث

انفجرت القاعة بتصفيق حاد من النواب، بينما أطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة في سماء دمشق، احتفالاً بالحدث الكبير. خرج العابد من المجلس النيابي سيراً إلى القصر الجمهوري في حيّ المهاجرين على سفوح جبل قاسيون، الذي كان ملكاً لعائلته، يرافقه آلاف المواطنين المحتفلين بفوزه.

وقد رُفع علم سورية الجديد احتفالاً بهذه المناسبة، المؤلف من ثلاثة ألوان: الأخضر للخلفاء الراشدين والأبيض للدولة الأموية والأسود للدولة العباسية، تتوسطه ثلاث نجوم، ترمز كل واحدة منها لإحدى الثورات السورية الثلاث (ثورة الشمال وثورة الساحل والثورة السورية الكبرى). لم يُدرك الرئيس العابد آنذاك أن كل هذه الحفاوة والترحيب سينقلبان ضده، وأنه سيخرج من هذا القصر الجميل مهزوماً، مستقيلاً من منصبه، بعد أربع سنوات، قبل انتهاء ولايته الدستورية بعام كامل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard