من التجربة الديمقراطية في تاريخ سوريا الحديث... هذا هو الدستور السوري الأول

الأربعاء 22 يوليو 202011:56 ص
Read in English:

When the Syrians Presented Their Democratic Culture... The First Syrian Constitution

منذ قرن مضى، واظبت بدءاً من شهر مارس من عام 1920، مجموعة تألفت من 85 رجلاً على عقد اجتماعات منتظمة في دمشق استمرت حتى منتصف يوليو. حضر بعض هؤلاء مرتدين العمائم، وبعضهم الآخر بالطربوش، وآخرون ارتدوا الحطة على رؤوسهم، بينما حضرت مجموعة ببزات عصرية. انعقدت هذه الاجتماعات في حجرة داخل مبنى العابد، وهناك تم إنهاء صياغة لمسودة أول دستور حديث في تاريخ سوريا (تشمل سوريا اليوم ولبنان والأردن وفلسطين).

هؤلاء الرجال هم أعضاء أول مجلس سوري للشعب أو ما يعرف بالمؤتمر السوري العام.

ولماذا نذكر ما اعتمروه على رؤوسهم حينها؟ لأن هيئاتهم المختلفة تلك دلت على أن لجنة المؤتمرين تتألف من أشخاص انتموا لمختلف الخلفيات الاجتماعية والثقافية كمشايخ الدين والمسؤولين السابقين في السلطنة العثمانية وعلمانيين ليبراليين من الجمعية العربية الفتاة وزعماء القبائل والطوائف. وقد نجحوا على اختلاف مشاربهم في التوصل إلى ائتلاف في ذلك الوقت لإنشاء دولة ديمقراطية مستقلة في المنطقة العربية.

ماذا حدث لمسودة الدستور تلك؟ وما الذي تعكسه إقامة دولة ديمقراطية عن المشهد السياسي والديني والاجتماعي آنذاك؟ وكيف رسم مصير هذا الدستور مستقبل المنطقة العربية حالياً؟

عن دستور سوريا الأول... لنقرأ كيف كانت ملامح الثقافة الديمقراطية في سوريا قبل قرن

فترة الاستقلال الوجيزة بعد الحرب العالمية الأولى

انتهت الحرب العالمية الأولى بانهيار السلطنة العثمانية، التي مثلت بالنسبة للعرب وللسوريين حينها فرصةً لبناء دولة مستقلة. وبوحي من أربع عشر نقطة طرحها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في ميثاق عصبة الأمم، وخشيةً من الاحتلال الفرنسي، عمد الأمير فيصل إلى إعلان قيام الدولة السورية في عام 1918 واقترح نفسه حاكماً لأراضي سوريا الكبرى. كما أعلن أن الدولة يجب أن تكون ملكية دستورية، يتمتع فيها جميع العرب، سواء كانوا مسلمين أم لا، بحقوق متساوية.

وفي فبراير من عام 1919، قدم ويلسون ميثاق عصبة الأمم، وكما نصت المادة 22 منه، أقرّ الميثاق اعترافاً باستقلال سوريا، مشروطاً بانتداب مؤقت. ثم أرسل ويلسون، إثر ذلك، لجنة أمريكية لتستطلع آراء السوريين بما يتعلق بهذا الانتداب.

أقر ميثاق عصبة الأمم عام 1919 اعترافاً باستقلال سوريا مشروطاً بفترة انتداب وجيزة، لينشغل السوريون من فورهم في عملية صياغة أول دستور للبلاد 

خلافاً للمزاعم البريطانية والفرنسية بأحقيتهم بالانتداب على الأراضي السورية، رفض السوريون تحت أي ظرف أن تخضع تلك الفترة المؤقتة للانتدابين البريطاني والفرنسي، إذ أنهم كانوا على درايةٍ بمطامعهم الاستعمارية في المنطقة. لكن اقترحوا أن تخضع البلاد لانتداب أمريكي محدود الصلاحيات لفترة وجيزة للغاية من التوجيه من قبل المستشارين الذين اشترط السوريون اختيارهم بأنفسهم.

بالرغم من ذلك، بعد تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي على رفض التصديق على هذا الاقتراح من جانبهم، أعلن المؤتمر السوري العام الاستقلال، ليتوصل بعدها إلى ما يمكن اعتباره تحالفاً تاريخياً بين دعاة الليبرالية والزعماء المسلمين المحافظين، الذين بدأوا على الفور في صياغة الدستور السوري.

الدستور السوري الأول (1920)

حلت المؤرخة والبروفيسورة الأمريكية إليزابيث طومسون، ضيفةً الأسبوع الماضي في الحلقة الأولى من سلسلة ندوات عبر الإنترنت تستضيفها الدكتورة ريم تركماني، (زميلة بحث بارزة في مشروع الشرعية والمواطنة في العالم العربي في LSE)  احتفالاً بالذكرى المئوية لمحاولات بناء الدولة في العالم العربي.

أقر المؤتمر السوري فصل الإسلام عن الدولة تحت رئاسة شيخ إسلامي، أوضح أن المساواة هي مبدأ أساسي للشريعة الإسلامية، وبالتالي، فإن جعل الإسلام مصدراً للتشريع في الدولة ينتهك هذا المبدأ، لأن نسبةً تصل إلى 1/5 من السكان السوريين كانوا من غير المسلمين

وفي حديثها عن تاريخ الدستور السوري الأول، رأت أن مسودته التي وضعت عام 1920 كانت شبيهةً إلى حد بعيد بالدستور الأمريكي الذي صاغه المؤتمر الدستوري الأمريكي في ولاية فيلادلفيا عام 1787.

في كتابها المنشور مؤخرًا، "كيف سرق الغرب الديمقراطية من العرب"، تجادل طومسون بأن اللغة التي صيغت بها المادة الأولى من دستور 1920 تميزت بدرجة كبيرة من العلمانية، لأنها لم تحدد الإسلام كدين للدولة الجديدة، كما كان الحال تحت حكم العثمانيين. وبينما أقرت المادة نفسها أن دين الملك هو الإسلام، لم يؤد الملك القسم الدستوري على التمسك بالشريعة الإسلامية في حكمه.

كما تضمنت المادة السادسة من الدستور، التي صادق عليها أعضاء المؤتمر بالكامل، على التزام الملك "أن يقسم أمام المؤتمر على احترام القوانين الإلهية والولاء للأمة والالتزام بدستورها". تشير طومسون إلى أن مبدأ الفصل بين الدولة والإسلام الذي توصل له السوريون في دستور عام 1920، لم يطبق في تركيا حتى عام 1928 حين قام مصطفى كمال أتاتورك باستبعاد الشريعة الإسلامية عن نظام الحكم. وهذا ما لا نجده اليوم في معظم دساتير الدول العربية في الوقت الراهن.

إلا أن مفاجأة أخرى تنتظرنا حين نعرف أن المؤتمر السوري أقر فصل الإسلام عن الدولة تحت رئاسة شيخ إسلامي هو محمد رشيد رضا، سنفرد مقالاً للحديث عنه كشخصية مؤثرة في تاريخ سوريا والمنطقة. وقد أوضح رضا، كما تذكر طومسون، أن المساواة هي مبدأ أساسي للشريعة الإسلامية، وبالتالي، فإن جعل الإسلام مصدراً للتشريع في الدولة ينتهك هذا المبدأ، لأن نسبةً تصل إلى 1/5 من السكان السوريين كانوا من غير المسلمين.

الديمقراطية السورية وفقاً لدستور 1920

استفاض الدستور بإيضاح الروح الديمقراطية التي صيغت مواده وفقها فأكد على حرية الاعتقاد والتعبير، وحرية التجمع، والحق في الخصوصية وقوانين لضمان حقوق الملكية، والحق في التعليم العام المجاني. كما أكد الدستور أن السيادة أولاً وأخيراً من الشعب.

انتُخب الملك فيصل آنذاك كأول ملك لسوريا، لم يصل إلى الحكم عن طريق سلالة حاكمة أو شرعية إلهية. كما كان رئيس الوزراء هو المسؤول عن المؤتمر وليس الملك. وأخيراً، شمل حق التصويت جميع السوريين ابتداء من عمر العشرين فأكثر، وأيدت أغلبية النواب في المؤتمر حق المرأة في التصويت، ومن بينهم أمين عام المؤتمر محمد عزت دروزة.

يُظهر هذا، كما تجادل طومسون، أن المؤتمر السوري لم يكن مسرحاً للدمى التي تحكم بها إما فيصل أو علمانيو الجمعية العربية الفتاة بحسب ادعاءات الفرنسيين. بل "مثل العديد من الفئات السورية في المجتمع السوري: ريفية ومدنية، محافظة وإصلاحية ، دينية وعلمانية".

نهاية الاستقلال وخسارة الديمقراطية

بينما كانت دمشق تشهد ولادة دولة ديمقراطية مستقلة، اجتمع القادة الأوروبيون لمؤتمر باريس للسلام في سان ريمو بإيطاليا ليعلنوا رفضهم لاستقلال سوريا، ولسلطة المؤتمر، وكذلك لاختيار فيصل كملك. وقرروا تقسيم سوريا إلى مناطق انتداب وفق ما نصت عليه اتفاقية سايكس بيكو السرية.

حيث حضر مؤتمر السلام كل من: رئيس الوزراء الفرنسي ألكسندر ميلران، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد، ورئيس الوزراء الإيطالي سافريو نيتي، والمندوب الياباني ماتسوي كيشيرو. تذكر طومسون أن وفداً من الحجاز فقط مثّل العرب في هذا المؤتمر وسط غياب ممثلين عن الدولة السورية الديمقراطية.

في مذكراته، ذكر رستم حيدر، مساعد الملك فيصل، الذي عمل فيما بعد وزيرا الدفاع والمالية للعراق، أن أعضاء المؤتمر السوري كانوا في الردهات خارج قاعة المؤتمر، بينما كان يتم اتخاذ القرار القاضي بتقسيم سوريا.

وعلى الرغم من أن الميثاق الأصلي لعصبة الأمم، الذي أعلن عنه ويلسون في عام 1919، وصادق عليه لاحقًا البريطانيون والفرنسيون، أعلن استقلال سوريا وأكد على سلطة الشعب وحقه في اختيار قوة الانتداب التي ستوجه انتقاله، إلا أن الانتداب الفرنسي والبريطاني فُرِض على الأراضي العربية بقوة السلاح.

برر ميلران هذا بقوله، إن إعلان الاستقلال افتقد للشرعية من الأصل، وبالتالي، رأى ضرورة حل المؤتمر الذي وصف أعضاء بأنهم "متطرفون". ثم ما لبث أن أعطى أوامره للجيش الفرنسي، الذي بنى قواعده في وقت سابق على الشريط الساحلي اللبناني، بغزو دمشق.

ولأن الجيش السوري كان ضعيفًا في عام 1920 بسبب الحظر على شراء الأسلحة الذي فرضته بريطانيا وفرنسا، فقد كانت هزيمته سريعة ومدوية في معركة ميسلون في صباح 24 يوليو من عام 1920.

ماذا حل بأعضاء المؤتمر السوري؟

اندفع معظم أعضاء المؤتمر إلى القطارات والسيارات والعربات التي فروا منها إلى الأردن وفلسطين ومصر والعراق وحتى الحجاز.

فيصل نفسه، لجأ إلى إيطاليا، "القوة الأوروبية الوحيدة التي أظهرت تعاطفاً ما مع مطالب العرب بالاستقلال" بحسب طومسون. وقرر البريطانيون لاحقاً، تعويض فيصل عن الحنث بوعدهم له ولوالده بالمصادقة على الاستقلال، بتتويجه ملكًا على العراق عام 1921 في حكم غير ديمقراطي في ظل تمثيل برلماني ضعيف.

انقلب رشيد رضا في منفاه في مصر، ضد حلفائه الليبراليين تعبيراً عن يأسه من الليبرالية الغربية بعد سفره إلى جنيف ليقدم اعتراضاً لدى عصبة الأمم في صيف عام 1921، في نفس الوقت الذي تم فيه تتويج فيصل. وحين صوتت عصبة الأمم على مصادقة على الانتداب والمضي به، بدأ رضا بتغيير نهجه وتعليم طلابه في القاهرة أن السعي إلى العدالة لا يتم خارج الشريعة الإسلامية في جنيف وعبر عصبة الأمم.

شقاق عمره قرن من الزمن

كان من الصعب جداً تكرار ما حدث في ربيع دمشق عام 1920. وفي ظل الانتداب الفرنسي، اختفى التحالف الإسلامي الليبرالي، الذي تم تشكيله في المؤتمر بشكل كلي. وبرغم محاولات عزت دروزة في فلسطين لإحياء هذا الائتلاف عام 1931 بتنظيم اجتماعات دعى إليها الملك فيصل للتخطيط لاجتماعات لاحقة في بغداد، غير أن البريطانيين قمعوا كل هذه الجهود وأجهضوا أية مطامح في دولة ديمقراطية أخرى حتى وفاة فيصل.

في سوريا، شكل القادة العلمانيون الممثلون بالكتلة الوطنية معارضة في وجه الأحزاب الإسلامية الشعبوية الجديدة. كما واجه هاشم الأتاسي، الذي كان أول رئيس وزراء سوري في عام 1936، معارضة الزعماء الإسلاميين مثل محمد كامل القصاب الذي تبنى جمعية العلماء في دمشق أواخر الثلاثينيات. ومن المفارقات أن هذا هو نفسه القصاب الذي احتشد نصرة لقضية الاستقلال والمؤتمر العلماني 1920، والذي كان في السابق حليفاً للأتاسي، أصبح الآن منافسه السياسي.

في عام 1939، بدأ القصاب ومجموعة أخرى من الإسلاميين مظاهرات أسقطت حكومة الكتلة الوطنية عشية الحرب العالمية الثانية. وفي ظل هذه الظروف، وقفت النخب العلمانية على مفترق طرق مع الأحزاب الشعبية الإسلامية، ما أدى إلى حدوث شقاق بين الإسلاميين والليبراليين سيستمر في إضعاف المعارضة في وجه الديكتاتوريات حتى بعد قرن من الزمن.

من نتائج الشقاق بين العلمانيين والإسلاميين هو تبني الدكتاتوريات العسكرية "العلمانية" دساتير كرست الشريعة الإسلامية كمصدر رسمي للقوانين، ما يتعارض مع الأهداف الديمقراطية لدستور عام 1920، ويضعف قوة الحركات المعارضة للديكتاتوريات في العالم العربي

وللمفارقة، تشير طومسون، فقد تبنت الدكتاتوريات العسكرية "العلمانية" دساتير كرست الشريعة الإسلامية كمصدر رسمي للقوانين ما يتعارض مع الأهداف الديمقراطية لدستور عام 1920. وبرأيها فإن "هذا الانقسام بين السوريين العلمانيين والإسلاميين وانعدام الثقة واعتماد التشكيك المتبادل بينهما استمرا في التزايد منذ ذلك الحين، ليضعف قوة الحركات المعارضة للديكتاتوريات في العالم العربي ".

وختاماً، هل نعتبر أن الحديث عن الديمقراطية اليوم في ظل الوباء العالمي والأزمة الاقتصادية التي تترك أعداداً كبيرة من السوريين يتضورون جوعاً أو بدون مأوى، هي رفاهية فضفاضة؟ تجيب طومسون عن هذا التساؤل باقتباسها لما قاله الاقتصادي ميشيل ماسينغ: "تحدث المجاعات في البلدان في ظل الديكتاتوريات وليس في ظل الحكم الديمقراطي". 

وفي كتابها الذي يقدم منظوراً جديداً حول تاريخ الديمقراطية في الشرق الأوسط وأسباب ضعفها اليوم، تشير طومسون إلى أن مستقبل الديمقراطية في سوريا وفي أماكن أخرى من العالم العربي "قد يعتمد إلى حد بعيد على إصلاح الشقاق للتغلب على الديكتاتوريات"، التي تعتقد أنها نشأت أصلاً نتيجة لخوف المستعمرين الأوروبيين من الديمقراطية العربية التي تشكل تهديداً لمستعمراتهم في شمال إفريقيا وعائقاً في وصولهم إلى نفط العراق والخليج. ولهذه الغاية، قرر قادة مؤتمر باريس للسلام، بالتعاون مع عصبة الأمم الجديدة، تدمير النظام الديمقراطي في دمشق، الأمر الذي ما تزال المنطقة تعيش عواقبه حتى الآن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard