من سوريا... قراءة في تجربة دستور عام 1920

الخميس 18 مارس 202112:30 م

في صيف العام 1920، حصلت سورية على دستورها الأول، المعروف أيضاً بالدستور الملكي أو دستور فيصل، نسبة لملك البلاد في حينها، فيصل بن الحسين. دخل فيصل دمشق في 3 تشرين الأول 1918، بعد حرب ضروس ضد الدولة العثمانية دامت سنتين ونصف، وأعلن باسم أبيه، الشريف حسين بن علي، تحرير سورية من الحكم العثماني وولادة حكومة سورية مستقلة، عاصمتها دمشق.

بايعه السوريون حاكماً عربياً عليهم ثم ملكاً في 8 آذار 1920. أجريت انتخابات نيابية لأول برلمان سوري، المعروف بـ "المؤتمر السوري العام"، انبثق عنه لجنة صياغة دستور برئاسة رئيس المؤتمر هاشم الأتاسي.

في صيف العام 1920، حصلت سورية على دستورها الأول، المعروف أيضاً بالدستور الملكي أو دستور فيصل، نسبة لملك البلاد في حينها، فيصل بن الحسين

كان الأتاسي في منتصف العمر يومها، لم يتجاوز السادسة والأربعين، وقد خدم في أعلى المناصب الحكومية في زمن العثمانيين، قبل أن يُصبح رئيساً للمؤتمر ثم للحكومة في عهد فيصل، ومن بعدها رئيساً للجمهورية ثلاث مرات، في الفترة ما بين 1936-1954.

وبالرغم من خلفيّته المحافظة (وهو ابن مفتي حمص)، إلا أن الأتاسي كان متحرّراً في عقيدته السياسية، مؤمناً بحرية الأديان وحقوق المرأة، مُدافعاً شرساً عن الحياة النيابية التي طالما رافقت مسيرته السياسية، من شبابه حتى وفاته سنة 1960. ومن هذا المُعتقد، وبالرغم من احترامه الشديد للملك فيصل، أصرّ الرئيس الأتاسي على وضع دستور عصري وديمقراطي، تكون اليد العليا فيه للسلطة التشريعية، لا لملك البلاد.

اللجنة الدستورية

تألفت اللجنة الدستورية من نائب حلب، سعد الله الجابري، نائب حمص وصفي الأتاسي و أستاذ القانون في معهد الحقوق العربي، عثمان سلطان، مُمثلين عن جيل الشباب. وكان معهم الوجيه المسيحي ثيودور أنطاكي، وسعيد حيدر، نائب بعلبك (الذي وبعد ثلاثين سنة كان أحد أبرز مُشرّعي دستور سنة 1950).

كما ضمّت اللجنة نائب حماة، الشيخ عبد القادر الكيلاني، ممثلاً عن المحافظين، ومعه الشيخ عبد العظيم الطرابلسي. بقي دستورهم غائباً عن معظم الأدبيات السورية، لأنه لم يدخل حيّز التنفيذ إلا لأيام معدودة فقط، من 13 تموز 1920 وحتى معركة ميسلون الشهيرة في 24 تموز 1920، التي خُلع إثرها الملك فيصل عن عرش الشام، وفُرض الانتداب الفرنسي على سورية.

ولكن وبالعودة لهذا الدستور اليتيم، نجد أنه من أكثر الدساتير العربية نُضجاً واحترافاً بالمقارنة في زمانه ومكانه، وقد ارتكز عليه الآباء المؤسسون (برئاسة هاشم الأتاسي أيضاً) في صياغة دستور سنة 1928، الذي رُفض يومها من قبل سلطة الانتداب الحاكمة.

جاء في المادة الأولى من دستور عام 1920 أن حكومة المملكة السورية هي "حكومة ملكية مدنية نيابية، عاصمتها دمشق الشّام ودين ملكها الإسلام"، وهي الإشارة الوحيدة للدين الإسلامي في هذا الدستور

جاء في المادة الأولى من دستور عام 1920 أن حكومة المملكة السورية هي "حكومة ملكية مدنية نيابية، عاصمتها دمشق الشّام ودين ملكها الإسلام"، وهي الإشارة الوحيدة للدين الإسلامي في هذا الدستور.

حصر الدستور حكم سورية بسلالة الملك فيصل، بحسب المادة الرابعة التي نصّت على أن تكون الوراثة لأبنائه "الأكبر فالأكبر"، مضيفة أنه "إذ لم يكن لأحدهم ابن يكون للأكبر من عصابته الذكور، وإن لم يبقَ من صلب الملك فيصل الأول ولد ذكر، ينتخب المؤتمر مجتمعاً، بموافقة ثلثي أعضائه، ملكاً لسورية من سلالة الملك حسين الأول، ملك الحجاز (الشريف حسين) ويكون إرث الملك في ذرية فيصل الأول".

الشيخ رضا

جاء في الدستور أن الملك "محترم وغير مسؤول" أي أنه لا يُحاكم على قراراته، ولكنه مُجبر على احترام قرارات مجلس النواب، وأن يقسم أمام أعضائه بأن يحترم الدستور ويراعي أحكامه. وقد تم انتخاب الشّيخ رشيد رضا، رئيساً للمؤتمر السوري لمناقشة مواد الدستور قبل تبنيه، وهو أحد رموز السلفية في سورية، جاء إلى هذاالمنصب الرفيع خلفاً لهاشم الأتاسي، الذي أصبح رئيساً للحكومة في مطلع شهر أيار من العام 1920. وهنا اكتمل التناقض الرهيب، لجنة دستورية "علمانية" أو غير دينية، فيها مسلمون ومسيحيون، تناقش مسودة دستور ملكي، داخل مجلس نواب مختلط يترأسه رجل دين.

جاء في دستور 1920 السوري أن الملك "محترم وغير مسؤول" أي أنه لا يُحاكم على قراراته، ولكنه مُجبر على احترام قرارات مجلس النواب، وأن يقسم أمام أعضائه بأن يحترم الدستور ويراعي أحكامه.

بالرغم من خلفيته الدينية، إلا أن الشيخ رضا لم يعترض على المادة 13 من الدستور، التي نصّت على حرية المعتقد والأديان، ولم يصرّ على أن تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع في المملكة السورية الوليدة. الذكر الوحيد لدين الإسلام جاء في نص دين الملك نفسه. دافع رشيد رضا عن هذا الموقف أمام المحافظين، قائلاً إنه يسحب الذريعة من الدول الأوروبية للتدخل في شؤون سورية مستقبلاً بحجّة حماية الأقليات، كما حدث في دمشق بعد الفتنة التي أودت بحياة خمسة الآف مسيحي في حي باب توما وبعض حارات القيمرية سنة 1860. 

لم يعجب دستور سوريا الأول ملك البلاد الشاب

لم يُعجب الدستور الجديد ملك سورية الشاب، لأنه حدّ كثيراً من صلاحياته، وجعله مُجبراً على مشاورة المجلس النيابي والحصول على موافقته قبل إعلان الحرب والسلم والمعاهدات (المادة الثامنة)، وجعل لثلثي أعضاء المجلس حق انتخاب ملك جديد في حال شغور المنصب. ولكن ظروف البلاد وقرب المواجهة العسكرية مع الفرنسيين، منعت فيصل من الاعتراض أو السعي لتغيير هذا الواقع الذي فُرض عليه من قبل الآباء الدستوريين، برئاسة هاشم الأتاسي.

لم يُعجب الدستور السوري الأول ملك البلاد الشاب، لأنه حدّ كثيراً من صلاحياته، وجعله مُجبراً على مشاورة المجلس النيابي والحصول على موافقته قبل إعلان الحرب والسلم والمعاهدات، وجعل لثلثي أعضاء المجلس حق انتخاب ملك جديد في حال شغور المنصب

بعد المناقشة، أقرّ مجلس النواب مواد الدستور كافة، ورفض تهديدات الفرنسيين وقبول الملك فيصل لإنذار المندوب السامي الفرنسي هنري غورو. وضع غورو عدة شروط منها، قبول العملة الورقية التي كانت تُصدرها فرنسا، جمع السلاح وحلّ الجيش، ملاحقة جميع المعارضين لفرنسا وتسليمها عدد من المرافق.

قبل توجه قواته إلى معركة ميسلون، إجتمع فيصل مع رشيد رضا في قصره المطلّ على العاصمة السورية، الذي أبلغه رفض السلطة التشريعية لأي تنازل أمام الفرنسيين، تماشياً مع الدستور الجديد الذي أقرّه المؤتمر السوري.

وخلال الحديث، كلّما برز خلاف بينه وبين رئيس المؤتمر، كان رشيد رضا يستشهد بمادة من مواد الدستور، إما لتثبيت موقفه أو التأكيد على عدم دستورية رأي فيصل. غضب فيصل عند سماعه لهذه الإملاءات وكلّ هذا الاستشهاد بدستور لم يكن هو راضياً عنه، فانفجر بغضب: "من أنتم؟ أنا خلقت سورية!"، فرد الشيخ رضا بغضب مماثل: "أأنت خلقت سورية؟ سورية خلقت قبل أن تُخلق!".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard