بطانة الرحم المهاجرة... مرض غامض تعاني منه النساء بصمت

الخميس 18 مارس 202106:05 م

تعاني واحدة من كل عشر نساء في سن الخصوبة من مرض الانتباذ البطاني الرحمي.

وبالرغم من أن هذه الظاهرة الطبية شائعة جداً، إلا أنها لا تزال محاطة بالعديد من الغموض على نطاق واسع، وذلك بسبب صعوبة التشخيص وبعض المفاهيم الخاطئة المتعلقة بها، كاعتبار الآلام والأوجاع مجرد "أوهام" تدور في رأس السيدة المعنية، وعدم أخذ معاناتها على محمل الجدّ.

وعليه، من الملاحظ أنه بإمكان المرأة أن تعاني بصمت من بطانة الرحم المهاجرة ولسنوات طويلة من هذه المشكلة الطبية التي تؤثر سلباً على حياتها، وأيضاً على علاقتها مع الشريك، قبل الحصول على المساعدة المناسبة، مع العلم أن الأمر قد يستغرق في بعض الأحيان أكثر من ثماني سنوات للتأكد من صحة الإصابة بهذا المرض.

بين التجاهل والتوعية

يعتبر آذار الشهر المخصص للتوعية حول الانتباذ البطاني الرحمي (Endometriosis)، وفي هذا الصدد، تنطلق الكثير من الحملات العالمية لدعم النساء المصابات به، وللتأكيد على ضرورة التنبه لهذا المرض الشائع رغم قلّة المعلومات عنه.

ونظراً لكونها مرتبطة بالدورة الشهرية، فإنه غالباً ما يتم تجاهل "بطانة الرحم المهاجرة" على أساس أنها مجرد "فترات حيض سيئة"، مع العلم بأن هذه الحالة الطبية لها تأثير كبير على صحة النساء وحياتهن الجنسية.

أوضحت القابلة القانونية فرح كنج، أن الانتباذ البطاني الرحمي هي حالة مرضية تصيب الجهاز التناسلي لدى الأنثى، بحيث ينمو نسيج مشابه للنسيج الذي يبطن الرحم من الداخل، ويتكاثر في مناطق خارج الرحم، كالمبيضين، أنبوب فالوب وصولاً إلى الأنسجة المبطنة للحوض.

غالباً ما يتم تجاهل "بطانة الرحم المهاجرة" على أساس أنها مجرد "فترات حيض سيئة"، مع العلم بأن هذه الحالة الطبية لها تأثير كبير على صحة النساء وحياتهن الجنسية

وهكذا، يعمل النسيج المشابه لبطانة الرحم كالنسيج الطبيعي، بحيث ينمو وينزف كلّ شهر مع الدورة الشهرية، ويمكن أن يسبب آلاماً لا تطاق، سواء كان ذلك خلال فترة الحيض أو قبلها، وتبقى المشكلة الأساسية هي غياب التشخيص الدقيق، بحسب ما أكدت فرح: "المرأة يلي عندها Endometriosis مظلومة لأنو بتتوجع كتير، وأحياناً كتير ما بتاخد حقها بتشخيص دقيق ومناسب".

وفي هذا السياق، تحدثت كنج لرصيف22 عن الاستهتار الذي قد تتعرض له المرأة المصابة بالانتباذ البطاني الرحمي: "دايماً مفهوم الوجع لدى المرأة ما بيتاخد كتير بجدية، وما بصدقوها بيعتبروا المشكلة نفسية أو مجرد خربطة هرمونات".

وفي ظل انتشار ثقافة اللامبالاة وندرة الأبحاث، شددت فرح على أهمية أخذ موضوع بطانة الرحم المهاجرة بالكثير من الجدية، بخاصة وأنه يجب عدم الاستهانة بآلام المرأة: "إن نمو وتكاثر الأنسجة خارج الرحم يضغط على باقي الأعضاء في الجسم ويسبب بالفعل آلاماً مزعجة".

تعاني واحدة من كل عشر نساء في سن الخصوبة من مرض الانتباذ البطاني الرحمي

وبالنسبة لتأثير الانتباذ البطاني الرحمي على الحياة الجنسية، قالت كنج: "تختبر النساء المصابات ببطانة الرحم المهاجرة آلام كثيرة في منطقة الحوض، كما أن الأنسجة قد تنمو وتضغط على المنطقة التناسلية، ما يسبب للمرأة المعنية أوجاعاً مزعجة عند الجماع"، منوهة بالعامل النفسي الذي يفاقم المشكلة ويجعل المرأة تخشى إقامة أي علاقة جنسية: "بتصير المرأة تخاف من العملية الجنسية وتتفاداها، فممكن يأثر هالموضوع على الحياة الجنسية، بخاصة إذا ما كان الشريك غير متفهم لوضعها الصحي... بالنهاية الموضوع بدو دعم وتفهم من الطرف الآخر".

أما بالنسبة للعلاج، فقد أوضحت فرح أنه في البداية، كان يتم تشخيص بطانة الرحم المهاجرة بشكل خاطىء، بحيث كان يتم فوراً إزالة الرحم لدى المرأة المصابة أو اعتبار أن الآلام التي تشعر بها هي نتيجة الدورة الشهرية، أما الآن فبات التركيز أكثر على كيفية تهدئة الآلام والتخفيف من حدّة الأعراض، أو اللجوء إلى الجراحة لاستئصال الأنسجة التي تنمو في غير مكانها، في حال اقتضى الأمر.

وفي ختام حديثها، نصحت فرح كنج المرأة المصابة بالانتباذ البطاني الرحمي بضرورة وضع نفسها في طليعة الأولويات واتباع أسلوب حياة صحي، كممارسة الرياضة لمدة 4 ساعات في الأسبوع، والالتزام بنظام غذائي متنوع وصحي، بخاصة وأن الدهون ترفع من مستوى الإستروجين، ما يفاقم حدّة الأعراض.

أبرز النقاط التي يجب أن نعرفها عن الانتباذ البطاني الرحمي

عند الحديث عن الانتباذ البطاني الرحمي، تبرز عدة نقاط يجب التوقف عندها، بخاصة وأنه، كما أشرنا في السابق، هناك غموض كبير يحيط بهذا المرض رغم انتشاره.

ليست مجرد آلام ترافق الدورة الشهرية: من الطبيعي أن تختبر المرأة بعض الآلام والتشنجات التي ترافق الدورة الشهرية، ولكن إحدى المعتقدات الخاطئة حول الانتباذ البطاني الرحمي هي أنه يجب على النساء أن "يتعايشن معها" لأنها "مجرد دورة حيض سيئة".

والواقع أن مثل هذه التعليقات يمكن أن تكون ضارة حقاً، ليس فقط للنساء اللواتي يعانين من الأعراض، ولكن للمجتمع ككل، لأنها تمنع المرأة المعنية من طلب المساعدة وتعزز المحظورات المتعلقة بصحة الدورة الشهرية.

الأعراض قد تكون معقدة: يختلف الانتباذ البطاني الرحمي من امرأة إلى أخرى، وفي حين أن بعض النساء لا يعانين من الأعراض على الإطلاق أو يختبرن أعراضاً طفيفة، فإن الأعراض قد تكون منهكة بالنسبة للأخريات.

أما بالنسبة للأعراض الشائعة، فتشمل: آلام الحوض، آلام أو عدم انتظام في الدورة الشهرية، الألم أثناء الجماع أو بعده، ألم عند التبول، التعب وصعوبة الحمل.

قد يستغرق التشخيص سنوات: يستغرق الأمر، في المتوسط، ثماني سنوات لتشخيص الانتباذ البطاني الرحمي.

فقد وجدت إحدى التقارير التي أجريت في أكتوبر 2020 على 1000 امرأة، أنه قبل الحصول على التشخيص، زارت 58% منهن الطبيب العام أكثر من 10 مرات، في حين 43% منهن قمن بزيارة المستشفى أكثر من 5 مرات.

واللافت أنه خلال هذه المرات، تم تشخيص حالات النساء بشكل خاطىء، والزعم بأن ما يختبرنه هو أمر موجود فقط في رؤوسهن.

إذا تُرك المرض هذا دون علاج، لا يمكن أن يتفاقم فحسب، بل يمكن أن يكون للتشخيص المتأخر تأثير كبير على الصحة النفسية للمرأة المعنية وعلى علاقاتها.

الدورات الشهرية التي تعطل الحياة ليست أمراً طبيعياً: إن أعراض الدورة الشهرية التي تمنع المرأة مثلاً من الخروج من منزلها وغير قادرة على أداء مهامها اليومية، ليست مسألة طبيعية، وإذا لاحظت المرأة أنها تعاني من أعراض مزعجة، فيجب عليها أن تحتفظ بمدوّنة تكتب فيها جميع ما تختبره خلال فترات الحيض، حتى تتمكن من مناقشة هذه الأعراض مع الأخصائي/ة، هذا وبإمكان السيدة أن تطلب مشورة إضافية في حال كانت غير راضية عن التشخيص الأولي.

التدقيق في التشخيص أمر حيوي: لا شك أن توجّه المرأة إلى الأخصائي/ة أمر مهم، لأن الانتباذ البطاني الرحمي يتطلب فحوصات طبية محددة لتأكيد الحالة.

وفي حين أن فحوصات الموجات فوق الصوتية والتصوير بالرنين المغناطيسي يمكن أن تكون مفيدة، فإن "تنظير البطن هو الاختبار التشخيصي المعياري لانتباذ بطانة الرحم"، كما يقول خبير صحة المرأة، الدكتور نيتو باجيكال، مضيفاً: "هذا هو الإجراء الذي يسمح بإجراء تقييم شامل للحوض، تأكيد التشخيص وأخذ الخزعات، ويمكن أيضاً علاج الانتباذ البطاني الرحمي في نفس الوقت بواسطة أخصائي جراحة متمرس".

أعباء نفسية: كما أوضحت القابلة القانونية فرح كنج في حديثها مع رصيف22، يمكن أن يكون للانتباذ البطاني الرحمي تأثير نفسي هائل، فمرور سنوات من المكافحة من أجل التشخيص، إلى جانب العديد من الأعراض المرتبطة بالفعل بالصحة الذهنية، مثل آلام الحوض المزمنة والعقم، كلها عوامل قد تجعل العديد من النساء المصابات بالانتباذ البطاني الرحمي يقمن بالإبلاغ عن مشاكل نفسية.

تبقى الخطوة الأولى عدم تسخيف معاناة المرأة وعدم اعتبار الأعراض التي تتحدث عنها مجرد أوهام، بالإضافة إلى أن العثور على العلاجات المناسبة يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً

العلاج قد يشمل الجراحة: يختلف علاج الانتباذ البطاني الرحمي من امرأة إلى أخرى، وفي العادة تكون العلاجات في بدايتها معتدلة، مثل مسكنات الآلام والعلاجات الهرمونية، ولكن في بعض الأحيان قد تكون الجراحة مطلوبة لتخفيف الألم، تحسين الخصوبة وعلاج إفرازات النسيج الندبي.

وكما أشرنا في السابق، فإن الخطوة الأولية قد تكون عن طريق تنظير البطن، حيث يكون الجراح قادراً على إزالة النسيج الندبي/ الالتصاقات، وقد تشمل الحالات الأكثر تعقيداً إزالة أعضاء أخرى، مثل المثانة والأمعاء، وقد تخضع بعض السيدات لعملية جراحية جذرية كإزالة المبيضين و/أو الرحم، في حال تطلب الأمر ذلك.

في نهاية المطاف، تبقى الخطوة الأولى عدم تسخيف معاناة المرأة وعدم اعتبار الأعراض التي تتحدث عنها مجرد أوهام، بالإضافة إلى أن العثور على العلاجات المناسبة يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً، كما أن بعض التغييرات التي قد تقوم بها المرأة في نمط الحياة يمكن أن تلعب أيضاً دوراً مهماً، سواء كان ذلك عن طريق اتباع نظام غذائي صحي وغني بالألياف، كما تساعد تقنيات التنفس واليوغا والتمارين الرياضية المنتظمة في إدارة الألم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard