"اتّجاهات جديدة مقلقة"... كيف تغيّر نهج التعذيب في عهد بن سلمان؟

الخميس 18 مارس 202103:18 م

خلُص تقرير حقوقي أُجري بدعم من الاتحاد الأوروبي إلى أن غياب الضمانات القانونية الأساسية لمنع التعذيب في السعودية يخلق بيئة تمكن ممارسته، وأن التشريعات القائمة تسهله وتدعم مناخاً يسود فيه الإفلات من العقاب. واتهم التقرير المملكة بعدم الالتزام باتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب التي انضمت إليها عام 1997.

 

التقرير الذي أعدته منظمة "القسط" لحقوق الإنسان بالتعاون مع مركز الخليج لحقوق الإنسان، يصف كيف صار التعذيب "ممارسة ممنهجة" لانتزاع "الاعترافات" أثناء التحقيق، وشكلاً من أشكال العقاب أثناء الاحتجاز، وسط تجاهل السلطات والمحاكم إفادات المعتقلين عمّا يتعرضون له، واعتماد "الاعترافات" المنتزعة بالتعذيب أدلة في القضايا القانونية.

 

في حين أن تقارير عديدة سابقة تناولت التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان في مراكز احتجاز وسجون المملكة؛ يركز هذا التقرير على "اتجاهات جديدة مقلقة" في هذه الممارسة منذ صعود الأمير محمد بن سلمان إلى ولاية العهد عام 2017.

 

التقرير المعنون: "التعذيب في المملكة العربية السعودية وثقافة الإفلات من العقاب"، أُعد في الشهر الماضي، ونُشر في 17 آذار/ مارس، ويرد في 33 صفحة.

 

تشمل التطورات الجديدة التي جرت خلال السنوات الثلاث الماضية، ويحللها التقرير: "إعادة الأمير محمد هيكلة الأجهزة الأمنية ووضعها بين يديه"، و"قيام مجموعة من المقربين منه بتعذيب مدافعات عن حقوق الإنسان في مواقع احتجاز غير رسمية". فيما عدّه التقرير "سابقةً لم تكن تحصل في السابق".

 

التعذيب في عهد MBS

في تموز/ يوليو عام 2017، أصدر العاهل السعودي الملك سلمان مرسوماً ملكياً بإنشاء "رئاسة أمن الدولة" كجهاز أمني يتبعه مباشرةً. عقب ذلك، شن الملك وولي عهده حملة قمع عنيفة ضد المجتمع المدني، وانتُهِجت أساليب جديدة لإسكات المعارضة.

 وفيات غير مفهومة لشباب مكتملي الصحة وتحرشات جنسية -غير مسبوقة- في معتقلات… تقرير حقوقي مدعوم من الاتحاد الأوروبي يرصد الجديد في نهج التعذيب في عهد بن سلمان

شملت هذه الأساليب احتجاز مدافعات عن حقوق الإنسان والمرأة في مقار غير رسمية، و"تعذيبهن بوحشية والتحرش ببعضهن جنسياً" في تطور "مثير للقلق" - وفق التقرير- حيث أن تعذيب المحتجزات في المملكة لم يكن قد سُمع به قبل ذلك.

 

حديثاً، وثقت "القسط" احتجاز أشخاص في قبو أحد القصور الملكية بعدما تحول إلى سجن مقسم إلى زنازين خشبية ومكاتب مؤقتة وعيادة، تحت قيادة المستشار السابق الأثير لدى بن سلمان، سعود القحطاني، ومسؤول الاستخبارات المتهم بقتل الصحافي جمال خاشقجي، ماهر المطرب.

 

قالت المنظمة الحقوقية إن أحد سجناء هذا القبو هو سليمان الدويش، الرجل المقرب لولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف، الذي اعتقل في وضح النهار بسبب تغريدة تنتقد MBS، واقتيد إلى المقر حيث تعرض للضرب أثناء الاستجواب تحت إشراف مسؤول سعودي رفيع.

 

وتكررت الاعتقالات التعسفية التي لا تستند إلى أي أساس قانوني، والاحتجاز السري بمعزل عن العالم الخارجي، واستخدم الحبس الانفرادي وسيلة تنكيل بالمعتقلين، وحُرم معتقلون من حق التواصل مع أسرهم أو الوصول إلى ممثلهم القانوني والرعاية الطبية الضرورية حسبما يكفل لهم القانون.

 

في ظل حكم الأمير محمد استخدم النظام الجزائي السعودي لجرائم الإرهاب وتمويله لعام 2017 بكثرة، لاستهداف الأشخاص لمجرد التعبير عن الرأي. يسمح القانون بالاحتجاز لأجل غير مسمى بمعزل عن العالم الخارجي، ولا يحدد مفهوماً واضحاً للإرهاب. كما يمنح السلطة القضائية سلطة تقديرية للمعاقبة على أي فعل سلمي بذريعة مكافحة الإرهاب.

 

بينما تُلزم اتفاقية مناهضة التعذيب الدولية التي وقعت عليها السعودية بإجراء تحقيق سريع ونزيه كلما ظهرت مزاعم تعذيب، ومن ثم محاسبة المجرمين؛ لا تقوم هيئة حقوق الإنسان والجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بواجباتهما في التحقيق في ادعاءات التعذيب. ولم يُسجل التقرير أي حالة أظهرت فيها السلطات السعودية إنصافاً لضحايا التعذيب.

 

حالات موثقة

قدّم التقرير سبعة نماذج على التعرض للتعذيب أثناء الاحتجاز في المملكة، شملت ما تعرضت له الناشطة النسوية والحقوقية لُجين الهذلول، ولاعب كمال الأجسام ورجل الأعمال حسين آل ربح، وعامل الإغاثة عبد الرحمن السدحان، والمدافعة الرائدة عن حقوق الإنسان سمر بدوي، والملازم في قوات خفر السواحل اليمنية إبراهيم الشمساني، والأكاديمي والمصلح السياسي الراحل عبد الله الحامد، وعدد من العمال المهاجرين.

21 توصية من شأن تطبيقها أن يضمن امتثال المملكة للاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، ومحاسبة المسؤولين عنه، ونصرة ضحاياه ومنع حصوله مستقبلاً… فهل تفعلها؟

تناول التقرير ما تعرضت له بدوي (39 عاماً) من "ضرب واعتداء جنسي وحبس انفرادي لفترات طويلة، وتعذيب نفسي شديد على أيدي المحققين". وكذلك لجين (31 عاماً) التي أُفرج عنها أخيراً بينما مُنعت من السفر، وهي كانت قد تعرضت خلال الاحتجاز لـ"التعذيب الجسدي والتحرش الجنسي والإيهام بالغرق والصعق بالكهرباء والتهديد بالاعتقال والاغتصاب" مع التعذيب النفسي.

 

وقال التقرير إن الشمساني (35 عاماً) الذي شارك في العملية السعودية ضد الحوثيين قبل أن يتولى مهمة دورية لحماية ميناء الحديدة اليمني اعتُقل وأُخفي قسرياً دون علم أسرته التي تلقت عقب أسابيع رسالة عن انتحاره في أحد سجون المملكة.

 

وفيما رجّح زملاء للشمساني أن تكون المملكة اشتبهت في تسريبه معلومات للحوثيين، لم يعَد جثمانه إلى أسرته إلا عقب طلبات ومفاوضات، وتدخل من أقارب له وقادة في الجيش اليمني. الفحص الشرعي للجثة بيّن أن الوفاة نجمت عن اختناق جراء الضغط على الرقبة باستخدام آلة حادة، مع آثار تعذيب وكدمات على الأظافر وباطن القدم نتيجة الضرب.

 

لم تحقق السعودية في القضية رغم إحالتها إلى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالات الإعدام خارج القضاء.

 

أما آل ربح (38 عاماً)، ففوجئت أسرته بوفاته في سجن الدمام في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2019، عقب الإبلاغ عن تعرضه للتعذيب الوحشي مرات منذ اعتقاله في آب/ أغسطس عام 2017. كان آل ربح قد أُبقي قيد الاحتجاز السري ثلاثة أشهر عقب اعتقاله ووضع قيد الحبس الانفرادي طويلاً، حيث تعرض للتعذيب النفسي والجسدي بما في ذلك "الصعق بالكهرباء والحرمان من النوم والوقوف لفترات طويلة".

 

ووُضع الحامد في سجون غير مناسبة، وحُرم من التواصل مع أسرته عبر الزيارات أو المكالمات، وتجاهلت السلطات التوصية الطبية بحاجته إلى جراحة في القلب، بل تُرك ملقى على الأرض أربع ساعات بعدما فقد وعيه في نيسان/ أبريل من العام الماضي قبل نقله إلى مستشفى مدينة الملك سعود الطبية حيث لزم العناية المركزة في حالة غيبوبة حتى توفي عقب أيام.

 

وانتقد التقرير احتجاز آلاف العمال المهاجرين خلال محاولتهم دخول المملكة عبر اليمن في مقار غير صحية، جنباً إلى جنب مع التعذيب بالضرب والصعق بالكهرباء ومعاناتهم سوء التغذية.

 في عهد بن سلمان… تحولت أقبية قصور ملكية إلى زنازين ومقار للتعذيب تحت إشراف مقربين منه. وتعرضت محتجزات للتحرش الجنسي والتعذيب الجسدي والنفسي ولم يُبلّغ عن هذا كله من قبل

21 توصية

قدم التقرير الحقوقي في الختام 21 توصية إلى السلطات السعودية يكفل تطبيقها امتثال المملكة لاتفاقية مناهضة التعذيب وإنهاء ممارسته، ومحاسبة المسؤولين عنه، ونصرة ضحاياه ومنع حصوله مستقبلاً.

 

ومن أبرز التوصيات "تعريف الجرائم الجنائية في قانون العقوبات"، و"تعريف التعذيب في التشريعات المحلية"، و"تجريم التعذيب" و"تشديد العقوبات بحق مرتكبيه"، و"ضمان الحق في اختيار محامٍ منذ لحظة الاعتقال ودون قيود"، وكذا حق التواصل مع المحامي والعائلة أثناء الاحتجاز.

 

وشددت المنظمتان الحقوقيتان في توصياتهما على ضرورة أن تنص التشريعات على عدم الأخذ بالاعترافات المنتزعة قسراً، واعتماد نظام مراقبة وتسجيل صوتي ومرئي لجميع الاستجوابات. علاوةً على ذلك، طالبت بتعديل تعريف الإرهاب بما يتماشى مع المعايير الدولية وإلغاء المحكمة الجزائية المتخصصة، ووقف كافة أشكال تعريض النشطاء السلميين والمدافعين عن حقوق الإنسان لأعمال انتقامية بذريعة مكافحة الإرهاب.

 

وأخيراً، حثت المنظمتان الحكومة السعودية على توفير الفحوص الطبية والشرعية لضحايا التعذيب من خلال أطباء مستقلين، وضمان فتح تحقيقات "شاملة وعاجلة ونزيهة" في جميع مزاعم التعذيب وضمان إنصاف الضحايا وعدم تفلت الجناة من العقاب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard