شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
قبل عقد واحد... تجرأنا على الحلم

قبل عقد واحد... تجرأنا على الحلم

رأي

الخميس 18 مارس 202110:37 ص

قبل عقد واحدٍ، بعد رؤية محمد بوعزيزي يشعل النار في نفسه في تونس، بعد مشاهدة شاحنة تتراجع على المتظاهرين في ميدان التحرير في مصر، بعد رؤية الشعب الليبي يلوّح بأعلام ما قبل القذافي، للإطاحة بأقدم ديكتاتور في العالم العربي، تجرأ السوريون على تحدي واحدٍ من أكبر الأنظمة المخابراتية على وجه الأرض.

لقد تجرأوا على الحلم بالحرية والحياة المدنية والمساواة، على الحلم بالعيش تحت حكم يحترمهم ويحترم كرامتهم وأولادهم وآراءهم.

قبل عقد واحد، استخدم أطفال درعا الغرافيتي للمطالبة بالكرامة التي سلبها النظام السوري من ذويهم. قبل عقد واحد، نظّمت امرأة اعتصاماً أمام البرلمان السوري في دمشق، مرتدية شالاً أحمر لتدلَّ على دماء السوريين التي أراقها النظام. قبل عقد واحد، رمى رجال ونساء داريا الزهور وزجاجات المياه على جنود الأسد الذين لاقوهم بالرصاص.

قبل عقد واحد

قبل عقد واحد، شاهدت الأخبار مع أمي في منزلنا في حي القابون الدمشقي، غير مصدقين أن تلك البلاد هي ذاتها البلاد التي تشتهر بخوف أبدي. شاهدنا، جاهلين أنَّ حياة السوريين - حياتنا - سوف تتغير إلى الأبد. لم نكن نعلم أن الأولاد الذين رسموا الغرافيتي على جدران درعا سيُسلبون من طفولتهم، وأن السيدة ذات الشال الأحمر قد تتعرض للاعتداء، وأن أولئك الذين ظننا أنهم أبناء وطننا سيصبحون آلات لنظام لم ولن يحمينا. لم نكن نعلم أن الشبَّان الذين غادروا منازلهم للاحتجاج قد ودّعوا أمّهاتهم للمرة الأخيرة، أمهات أعلنوا الحداد بصمت من أجل الثورة.

عبر السوريون الحدود مرة، مرتين، ثلاث، بل مئة مرة

شاهدنا أنفسنا نجرّ حقائب سفر على أسفلت الشوارع العتيقة، حاملين عالمنا إلى أمكنة جديدة. عبر السوريون الحدود مرة، مرتين، ثلاث، بل مئة مرة، ليصلوا إلى أوطان معيوبة. وضعتهن السلطات في خيم بالكاد سمحت لهم بالوجود. مشى الأطفال السوريون وتسلَّقوا الجبال واجتازوا الأسوار. تحاصروا في شاحنات بلا نوافذ. عبروا البحار في قوارب مطاطية تفوح منها رائحة لحم البشر وقيئهم. بعض منهم لم يصل، والبعض الآخر وصل بصدمة ذكريات البحر المرعبة وصورة طفل نام إلى الأبد على شواطئ تركيا.

لم نكن نعلم أننا سنواجه أعزّ أصدقائنا وأسوأ أعدائنا عندما نصل إلى بلداننا المُضيفة. لم نكن نعرف أن السوريين سيغيرون سياسات العالم بأسره بمجرد وجودهم فيه، وأننا سنكون السبب وراء الشرخ السياسي بين أبناء الشعب الواحد، منقسمين بين أولئك المرحبين بنا وآخرين ينبذوننا.

لم نكن نعلم أننا سنواجه أعزّ أصدقائنا وأسوأ أعدائنا عندما نصل إلى بلداننا المُضيفة. لم نكن نعرف أن السوريين سيغيرون سياسات العالم بأسره بمجرد وجودهم فيه، وأننا سنكون السبب وراء الشرخ السياسي بين أبناء الشعب الواحد، منقسمين بين أولئك المرحبين بنا وآخرين ينبذوننا.

قبل عقد واحد، شاهدنا الثورة تبدأ، دون أن نعلم أننا سنبني أوطانا في أكثر من 130 دولة حول العالم. لم نكن نعلم أننا سنمثّل عبرة للعالم عما يحدث عند انهيار الحكومات والمؤسسات العامة والأنظمة القديمة. لم نكن نعلم أننا سنعلّم الناس عن حقوقنا وحقوقهم، وأننا سندافع عن أنفسنا وعن غيرنا في المحاكم. لم نكن نعلم أننا سنصبح أبطاًلا للحرية والعدالة والمساواة، وأننا سنتلو الأقسام لنصبح مواطنين جدداً في أوطان جديدة، وأننا سنصمّم ونبني مدناً في بلدان بعيدة عن بلادنا، وأننا سوف نُنتَخب لمناصب عامة، نؤسّس منظمات تقوّي المجتمع المدني، نكتب الروايات والمذكرات، نخرج الأفلام والوثائقيات ونطوّر البحث العلمي.

قبل عقد واحد، لم نكن نعلم أننا سنعيد تعريف معنى قدرة الإنسان على الحلم

 سندافع عن الضعيف منا

كل ما عرفه السوريون قبل عقد من الزمن هو أننا سندافع عن الضعيف منا، وقد قمنا بذلك.

أصبحنا بعيدين وقريبين من وطننا في ذات الوقت. لقد غادرنا وطننا، لكن ذكرياتنا فيه لن تتركنا، تلك ذكريات عن واقع سعينا لبنائه معاً منذ عقد، وما زلنا نسعى جاهدين لبنائه، باستخدام المواهب والمهن الجديدة التي اكتسبناها في أوطاننا الجديدة. بعد عقد واحد، أعاد السوريون تعريف الصبر والعزم والمثابرة، على الرغم من الصعوبات التي واجهوها وما زالوا يواجهونها في أوطانهم القديمة والجديدة.

قبل عقد واحد، لم نكن نعلم أننا سنعيد تعريف معنى قدرة الإنسان على الحلم، لذلك لن نندم أبداً على مطالبتنا بكرامتنا. سوف نستمر بالحلم وسوف نستمر بالفعل.

نشرت النسخة الإنكليزية من المقالة في 16 آذار 2021 (رابط). 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard