ما تبقى من فلسطين يُسلب بالبقر والكرافانات... عن رعاة البقر اليهود

الثلاثاء 20 أبريل 202102:44 م

يعتبر الاستيطان جوهر الحركة الصهيونية التي تتغذى على الإرهاب لنزع الفلسطينيين من أرضهم؛ لإقامة دولة إسرائيل بعد أكثر من 100 مذبحة أسفرت عنها نكبة 1948 ونكسة 1967. ولا زالت تطمح إلى نهب ما تبقى من أراضي فلسطين من خلال سياسات عديدة من ضمنها نشر المستوطنات وتنظيم المستوطنين في وحدات عسكرية خاصة بهم تخضع لتدريبات من الجيش الإسرائيلي.

وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مجموعة من الاعتداءات عام 2020، والتي تضمنت نصب خيام وكرفانات للمستوطنين في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، مثل شمال رام الله، علماً بأن الأراضي التي نُصبت عليها البيوت تعود لمواطنين يملكون أوراقاً رسمية تثبت ملكيتهم عليها. وفي نابلس، تُعاني كل من "بيتا" و "بورين" ومنطقة "عصيرة الشمالية" من وجود الكرفانات والبؤر الاستيطانية التي أُخليت أكثر من مرة ولا زال المستوطنون يعودون إليها.

تشير التقديرات إلى أن عدد المستعمرين في الضفة الغربية قد بلغ 688,262 مستعمراً، وذلك حتى نهاية عام 2019. ويتضح من البيانات أن معظم المستعمرين يسكنون في محافظة القدس بواقع 316,176 مستعمراً، يليها محافظة رام الله والبيرة بواقع 136,954 مستعمراً، و89,244 مستعمراً في محافظة بيت لحم، و47,233 مستعمراً في محافظة سلفيت، أما أقل المحافظات من حيث عدد المستعمرين فهي طوباس والأغوار الشمالية، بواقع 2,465 مستعمراً، وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.  

ما هي حكاية أول مستوطنة يهودية، ولماذا يعتبر وجود "رعاة الأغنام والبقر" اليهود في الأراضي الفلسطينية خطراً على الأرض والشعب والثروتين النباتية والحيوانية في آن؟ وكيف ساهمت استعادة مفهوم "العبري" في عودة المستوطنين إلى حياة البداوة وإنشائهم البيوت المتنقلة "الكرفانات" للسيطرة على ما تبقى من فلسطين؟

وضعوا الكرفانات في بعض المناطق ليطوقوا القرى والمدن الفلسطينية ويعزلوها. من جهتها، تمدهم إسرائيل بالمياه والكهرباء ويصير للكرفانات المتنقلة أعمدة وحجارة تتحول فيما بعد إلى مستوطنة 

حكاية أول مستوطنة يهودية

عام 1880، أي قبل فترة قصيرة من إنشاء أول مستوطنة يهودية في فلسطين، قُدر عدد اليهود في فلسطين التاريخية بـ22 ألف نسمة. وكانوا يشكلون وقتذاك نحو 0,8 بالمئة من سكان فلسطين. رغم التغيرات الكبرى التي شهدتها الحركة الصهيونية، إلا أن هذه النسبة لم تزد على مدار الأربعين سنة الماضية. 

تأسست أول مستوطنة يهودية عام 1878، على أراضي قرية الملبس شرق تل أبيب، وسُميت "بتاح تكفا" أو "أم الموشافات" بمعنى أم المستوطنات اليهودية. وبداية نشأتها كانت مجمعاً زراعياً على أرض اشتراها يهود هم أصلاً من سكان القرية. ورغم مواجهتهم بعض العراقيل إثر محاصرة مستنقعات الملاريا للمنطقة، إلا أن دعماً مالياً جاء من البارون الفرنسي اليهودي إدموند دي روتشيلا عام 1883، أنقذها وساعدهم على استصلاح الأرض.

أما طريقة شراء اليهود للأرض فتعود إلى حكاية وردت في كتب التاريخ: "عندما جاء إبراهيم باشا من مصر عام 1831م إلى قرية ملبس، جاء معه حمد المصري وأربعين من عبيده معه. فأعجبته أراضي القرية الخصبة المليئة بموارد المياه. فدفع تعويضات للسكان الباقين في المكان واستقر فيها مع من أتوا معه إلى القرية، إلا أن مصيره لم يختلف عن سابقيه، فقد مات معظم رجاله وعبيده، وانتقل البقية إلى قرية باجا القريبة. وعندما رأى المصري أن لا مستقبل في القرية التي تقلصت أراضيها إلى 41000 دونم، توجه إلى تاجر من يافا يدعى تيان وعرض عليه المنطقة. إلا أن التاجر خدعه واستخلص منه وثيقة بيع لنصف المنطقة، فقرر مقاضاته وباع 2000 دونم لتاجر آخر يدعى سليم كسار ليدفع بها نفقات القضية. إلا أن قضاة يافا حكموا لصالح تيان وتبقى لحمد المصري 2600 دونم. وعندما مات استولى الجيران على هذه الأراضي، ثم أصبحت مستوطنة “بتاح تكفا” بعد أن اشتراها اليهود من سليم كسار".

إذن، بداية أول مستوطنة كانت على يد شخص أو شخصين من اليهود لا أكثر. وبعد اعتراف الانتداب بهذه الأرض كمجلس محلي عام 1921 ثم كمدينة عام 1937، تبعها إقامة عدد من البلدات اليهودية الزراعية على السهل الساحلي الفلسطيني، مثل "ريشون لتسيون" و"زخرون يعقوب". من أبرز التفاصيل التي ساعدت اليهود على سرقة الأراضي الفلسطينية في ذلك العهد هو هدايا ومنح الولاة الأتراك والبريطانيين والشراء من العائلات اللبنانية والسورية.


رعاة لصوص ومسلّحون

كان سرد حكاية أول مستوطنة في فلسطين من الضرورة بمكان، فاليهود جاؤوا إلى فلسطين كمزارعين وقبائل بدوية قديماً، وعادوا لانتهاج هذه الطريقة فوضعوا الكرفانات في بعض المناطق ليطوقوا القرى والمدن الفلسطينية ويعزلوها. من جهتها، تمدهم إسرائيل بالمياه والكهرباء ويصير للكرفانات المتنقلة أعمدةٌ وحجارة تتحول فيما بعد إلى مستوطنة. 

تتعرض القرى القريبة من مدينة رام الله، مثل قرية النبي صالح ودير نظام، إلى اعتداءات مستمرة من رعاة البقر اليهود الذين يسكنون في مستوطنة "حلميش" التي تقع على بعد عدة كيلومترات من القرى المذكورة. فمنهم من سُرقت آلاته الزراعية، ومنهم من كُسرت الأشجار المزروعة في أرضه، ومنهم من تعرض لاعتداء جسدي مباشر حرمه من الذهاب إلى أرضه لعدة أيام.

يُعرب إبراهيم التميمي عن غضبه إزاء هجمات أحد رعاة البقر على أرض والده في النبي صالح، فيقول لرصيف22 إن هذه الاعتداءات مستمرة منذ ثلاث سنوات تقريباً. الحديث عن راع يهودي واحد يمتلك كميةً كبيرةً من المواشي، أغنام وأبقار يتراوح عددها من 70 إلى 90 رأس تقريباً. ويتجول الراعي بين الأراضي الزراعية ويعيث فيها الفساد. أما محمد يحي، وهو رجلٌ من ذوي الهمم، يتردد إلى أرضه كل يوم رغم مرضه، يتسلق بكرسيه المتحرك الصخور الوعرة ويحاول زراعة أرضه والبقاء فيها خوفاً من مجيء الراعي إليها، فهي مصدر رزقه الوحيد وإذا غاب عنها يوماً أو يومين تأكل الأبقار ما فيها من مزروعات.

من اللافت أن سكان القرية، دون استثناء، يشيدون أرضهم ويزرعونها ويزودونها بالأسمدة والآلات من قوت أطفالهم وعائلاتهم. فوزارة الزراعة لم تقدم أي دعم لهم بحسب محمد، الذي يقول لرصيف22: "نحن لا نطالب الوزير بحمل العصا وملاحقة راعي البقر، نطالبه بتوفير الأسمدة والآلات الزراعية، لنصمد".

جاء الراعي وطالبني بإزالة السياج لأنه يعرقل وجوده ومواشيه في المنطقة. وحين رفضت غاب لفترة ثم عاد محصناً بمجموعة من جنود الاحتلال

تظل قضية الأراضي المأهولة بالسكان أقل خطورة من الأراضي الواقعة على طرق رئيسية أو حواجز إسرائيلية بين المدن الخالية من السكان، مثل المستوطنة القريبة من حاجز زعترة "تفوح"، والتي تُعتبر منطقةً عسكرية لا وجود للعرب فيها. ويروي السائق عبد الجواد حكاية هذه المنطقة التي اعتاد المرور منها يومياً عشرات المرات أثناء نقله المواطنين من نابلس إلى سلفيت، فيقول: "في البداية كانت منطقة خالية من السكان، باستثناء المستوطنة ونقطة الجيش. قبل حوالي ست سنوات بدأنا نلاحظ تردد راع يهودي إلى المنطقة، يرتدي ملابس فضفاضة، يربي ذقناً طويلاً ويحمل سلاحاً على كتفه. يرعى المواشي في الأرض المحاذية للطريق الرئيسي، ويتنقل بين الأراضي، فتارة نجده على يسار الطريق وتارة على يمينه. وقبل سنة ونصف إلى سنتين تقريباً وضع بيتاً متنقلاً، حوّله فيما بعد إلى "كنتينا" أو مقصف صغير يشتري منه العابرون. ولم تعد الأغنام معه، لعله أعادها إلى المستوطنة أو باعها ليهودي آخر يطمح إلى تسلق جبال أخرى ليضيفها إلى مستوطنته".

بحماية جيش الاحتلال

أما المزارع فضل التميمي من قرية دير نظام، فيقول لرصيف22: "الراعي اليهودي مسلح وهجماته لا تقتصر على إفساد الأرض، وإنما تصل حد سرقة ثرواتنا النباتية والحيوانية كالأغنام ومنها مصادر رزقنا، فتطال اقتصادنا وقوت يومنا. كما أن بعض الأراضي تعرضت للحرق. آخر شيء حدث معي كان في بداية شهر آذار، سيجت الأرض فجاء الراعي وطالبني بإزالة السياج لأنه يعرقل وجوده ومواشيه في المنطقة. وحين رفضت غاب لفترة ثم عاد محصناً بمجموعة من جنود الاحتلال، مع أنه لا يأتي إلى منطقتنا دون سلاحه وهو من نوع M16".

يتواجد الراعي في المنطقة للسنة الثالثة على التوالي. ويعتقد أن تضييقه على الفلسطينيين سيدفعهم إلى ترك الأرض بعد فقدانهم الأمل من استصلاحها أو رحيله. فبحسب قوانين الاحتلال، الأرض التي تُترك لمدة عشر سنوات تصير ملكاً لدولة الاحتلال، ويحق لهم التصرف فيها. وهذا الراعي، بحسب فضل، لا يقطن في المستوطنة بل في كرافان بين المستوطنة والقرى القريبة. يعيش حياة البداوة ولا يكتفي بسرقة المواشي وإفساد الأرض، بل يدعي أحقيته في المجيء إليها متى شاء. وفي نهاية شهر شباط كان ابن عم فضل يحرث الأرض فشكا الراعي إلى جيش الاحتلال وصادروا آلاته الزراعية، والحجة أنها أراضي دولة يُمنع على الفلسطيني مسها. ورغم عرضه للأوراق الثبوتية إلا أن الجيش أصر على موقفه، ويتساءل فضل: "من سجلها كأراضي دولة، وأين هي الدولة؟ لا أحد يعرف".

طرد سكان قرية دير نظام هذا الراعي قبل سنتين حين وضع الكرافان بين أراضيهم، فانتقل إلى مفترق الطرق ولا زالت معاناتهم معه مستمرة حتى اللحظة. وكذلك حال المزارعة أم عماد من بلدة قريوت التي لم تسلم أرضها من اعتداءات المستوطنين، فقد وضعوا عدة كرفانات وخيام قرب أرضها ويحاولون التضييق عليها وطردها من الأرض. ورغم الاعتداءات وقرب أرضها من مستوطنة "شفوت راحيل"، إلا أنها تتردد يومياً إليها وتزرعها وتحمي أشجارها من التكسير والاقتلاع.

يعتقد الراعي أن تضييقه على الفلسطينيين سيدفعهم إلى ترك الأرض بعد فقدانهم الأمل من استصلاحها أو رحيله. فبحسب قوانين الاحتلال، الأرض التي تُترك لمدة عشر سنوات تصير ملكاً لدولة الاحتلال

استعادة مفهوم "العبري" وعودة حياة البداوة 

طرأت تغيرات على مفهوم "العبري"، فصارت له أبعاد إثنية وقومية أكثر مما يحمل مفهوم اليهودي، الذي اكتسب البعد القومي حديثاً إلى جانب الديني. فمفهوم العبري يقسم إلى قسمين في التوراة: الأول نسبة إلى "عابر" أحد أبناء سام، أي عابر النهر. والحقيقة أن هذا المفهوم، كما كشفته الدراسات المصرية والكنعانية القديمة، لا يدل على الانتماء الإثني لشعب معين، بل يتعلق بالمكانة الاجتماعية لشخص أو فئة من الناس. فهو مفهوم طبقي، يُحال إلى معنى المكانة الاجتماعية المتدنية. والشعوب التي تحمل صفة العبري هي تلك المتنقلة من سكان البادية، أي القبائل البدوية. ووصمت قبائل بني إسرائيل بهذه الصفة قديماً.

بعد استقرار القبائل الإسرائيلية في أرض كنعان، واكتسابهم حضارة الكنعانيين وعاداتهم، صاروا ينفرون من صفة "العبري" أو "البدوي" لأنها تذكرهم بحياتهم الأولى؛ حياة البداوة والخشونة. لكن تقول الدراسات الحديثة بإعادة توطين اليهود لهذا المصطلح؛ إذ أصبحوا يرون فيه بُعداً قومياً وجامعاً لرموز وأحاسيس مشتركة تدعم مشروعهم الاستيطاني الاحتلالي.

هجمات المستوطنين عامة، ورعاة البقر خاصة، هدفها القضاء على الحيز المكاني للفلسطيني، فسياسة "الاسمنت المتنقل" بين المدن لم تكن كافية بالنسبة إليهم لتشويه مفهوم المكان في ذاكرة الفلسطيني وتسييجه باللافتات العبرية وإضاءات المستعمرات برتقالية اللون، بل أضافوا مشهد البداوة ورعاة البقر والأغنام الذي يتشبه بمشهد الفلاحة الفلسطيني، ببساطته وارتحاله، مع فارق بسيط يكمن في تعريف كل منهم للآخر. فالأول صاحب أرض بوثائق وتاريخ، والآخر نزيل لا يعرف من التاريخ إلا النهب والسرقة. فكيف سيقاوم الفلسطيني تغير تعريف الحيز المكاني لدى الاحتلال، وهجماتهم لا على الأرض والتاريخ فحسب، وإنما على العقلية والمبادئ والمفاهيم؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard