من قال إن الإنسان يجب أن يبقى سعيداً؟... عن "الإيجابية السامة" ووهم السعادة

الثلاثاء 16 يونيو 202006:35 م

هل سبق وأن تظاهرتم بالسعادة وفي قلبكم ألف غصّة وغصّة؟ هل قارنتم أنفسكم بتلك الوجوه السعيدة وأنماط حياتهم المثالية التي ترونها على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل استوقفتكم صور صديق توحي بالسعادة المفرطة، في حين أنكم تدرون جيداً أنه يمرّ بأصعب فترة في حياته؟

في الواقع يشعر الكثير منّا بضغط كبير ملقى على كاهله، بهدف الظهور في العلن وكأنه يعيش أسعد لحظات حياته، في حين أن العناوين والأخبار التي تتصدر نشرات الأخبار والصحف اليومية لا تبشّر بالخير، بخاصة في الآونة الأخيرة، حيث تجتاحنا موجة عارمة من الكآبة والإحباط، كلما سمعنا الأخبار التي تذكّر دائماً بالخراب الاقتصادي والاجتماعي والصحي الذي يسببه فيروس كورونا، سواء كان ذلك على المستوى المحلي أو العالمي، كما أن المخاوف الصحية، الإحباط، الوحدة وعدم الاستقرار المالي، كلها أمور تؤثر سلباً على الصحة العقلية، فقد أعرب ثلثا الأشخاص الذين شملهم استطلاع رأي حول تأثير جائحة كورونا، أنهم شعروا بالتوتر، الاكتئاب، الوحدة أو اليأس، خلال يوم واحد على الأقل من آخر سبعة أيام.

وسط الضبابية التي تسيطر على المشهد العام، يبدو أن كل ما نحتاجه في الوقت الراهن هو جرعة ثابتة من الإيجابية، إلا أن هذه الأخيرة تأتي بأشكال مختلفة، وليست جميعها مفيدة، بل قد تكون سامة بكل معنى الكلمة.

الإيجابية السامة

فكروا في الوقت الذي عانيتم فيه من خيبة أمل أو صدمة عاطفية، تذكروا الإحباط، الأذى، الحزن، القلق أو الخوف الذي شعرتم به، هل تتذكرون وجود صديق أو شخص مقرب منكم حاول أن يساندكم من خلال عبارات تحمل في طياتها منحى إيجابياً مثل: "كل شيء يحدث لسبب ما"، "ما لا يقتلكم يجعلكم أقوى" أو "سيكون الأمر على ما يرام"...؟ كيف تلقيتم هذا "الكلام المعسول"؟ ماذا كانت ردة فعلكم؟ هل شعرتم بالخجل من التعبير عن حقيقة أحاسيسكم واكتفيتم بتصنّع الإيجابية ورسم ابتسامة باهتة على ثغركم؟

تقوم الإيجابية السامة على فكرة تشجيع الأشخاص على رؤية الجانب المشرق دائماً وعدم الانفتاح على أي شيء سلبي، أي رسم صورة إيجابية لأنفسنا وللعالم الخارجي، وهو المفهوم الذي يجتاح مؤخراً جميع وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك الميمز، بحيث أصبحت عبارة Positive vibes only (المشاعر الإيجابية فقط) شائعة بشكل ملحوظ.

تعليقاً على هذه النقطة، قالت الطبيبة النفسية غاياني دي سيلفا: "يمكن وصف الإيجابية السامة بأنها إيجابية غير صادقة، تؤدي إلى الأذى أو المعاناة التي لا داعي لها أو إلى سوء الفهم".

تقوم الإيجابية السامة على فكرة تشجيع الأشخاص على رؤية الجانب المشرق دائماً وعدم الانفتاح على أي شيء سلبي، أي رسم صورة إيجابية لأنفسنا وللعالم الخارجي

في الحقيقة، برز مصطلح "الإيجابية السامة" منذ فترة، ولكن يبدو أن الأمر قد استغرق مواجهة وباء عالمي بهدف التعرف على الآثار الخبيثة له، إذ إن هذه الظاهرة ظهرت بشكل مفرط، خلال فترة الإغلاق الشامل بسبب تفشي فيروس كورونا.

وعن هذه المرحلة المضطربة التي نعيشها اليوم، قالت الطبيبة النفسية، مارغريت سايدي، لموقع هيلث: "يتم قصفنا بالأفكار المتعلقة بكيفية استغلال هذا الوقت لكتابة رواية وتعلم لغة جديدة والعثور على جوهرنا من خلال التأمل، وأننا نفشل بطريقة ما إذا لم نفعل هذه الأشياء".

والواقع أنه إذا وجد الناس سلامهم الداخلي وسط فترة الإغلاق، فهذا أمر مدهش، لكن الترويج المستمر لهذا النهج، مهما كان حسن النية، قد يصبح ساماً، وفق ما قالته سايدي: "يمكن لهذا النهج أن يجعل أي شخص لا ينظر إلى هذه الفترة على أنها فترة مدتها ثمانية أسابيع مخصصة لممارسة اليوغا، يشعر بأنه مخطئ"، وأضافت: "هذه الرسائل تنزع الشرعية عن القلق وتحطم القلب اللذين يمزقان بلادنا والعالم في الوقت الحالي، ما يسلبنا الحق في قضاء أيام سيئة في خضم هذه الأزمة".

التأثير السلبي على الصحة الذهنية

في الواقع، إن الأشخاص الذين يحاولون التركيز دوماً على "المشاعر الإيجابية" قد يتسترون على مشاعرهم الحقيقية بطبقات من السعادة المزيّفة، وهو أمر مدمر لهم ولصحتهم الذهنية.

فعندما يتم استخدام الإيجابية للتغطية أو إسكات التجربة البشرية، فإنها تصبح سامة، إذ إنه، ومن خلال قمع بعض المشاعر، نقع في حالة من الإنكار والعواطف المكبوتة، ومن خلال التظاهر بأنه لدينا ردود أفعال إيجابية طوال اليوم، فإننا ننكر صحة خوض تجربة إنسانية حقيقية تتسم بالغيرة والغضب والاستياء، وكلها وجوه للحياة.

أما السبب الذي قد يدفع بعض الأفراد إلى تصنّع الإيجابية، فيعود إلى كونهم قد بنوا شخصيتهم بشكل أن يكونوا دوماً الشخص السعيد في المجموعة، ببساطة، هم يرغبون بأن يعتقد الجميع أن حياتهم رائعة، غير أن الإيجابية السامة هي مشكلة بحد ذاتها، وتجاهلها ليس بالشيء الجيد، فقد وجدت دراسة أن قبول مشاعرنا السلبية وعدم رفضها يساعدنا في الواقع على نزع فتيلها، ويؤدي إلى تقليل المشاعر السلبية مع مرور الوقت، وهذا بدوره يؤدي إلى صحة نفسية أفضل بشكل عام.

وفي سياق متصل، وجدت دراسة نشرت في مجلة Emotion أن البحث عن السعادة يمكن أن يجعلنا مهووسين بأي مشاعر غير سعيدة، ما يجعلنا أكثر حزناً بشكل عام.

وبالتالي، إذا لم نسمح لأنفسنا بالشعور بأي إحساس إلى جانب السعادة أو الامتنان، وقمنا بمنع ذاتنا من الشعور بالعاطفة السلبية، فهذا يعني بأننا لا نتعامل مع ما نشعر به حقاً.

فقد أوضحت الأخصائية الاجتماعية وصاحبة كتاب Forward in Heels، جيني ماينبا، أنه بإمكان المرء أن يخفي هذه المشاعر، ولكنها ستصبح مخيفة أكثر وستزداد قوة، لأنه لم يتعامل معها بشكل صحيح: "هناك عبارة تقول إن ضوء الشمس هو أفضل مطهر، وهذا يعني أنه عندما نسلّط الضوء على الأشياء المخيفة، سواء كانت ذكريات أو عواطف أو مخاوف بشأن المستقبل، يمكننا حقاً فحصها وإخراج جزء من القوة التي تمكنها من التأثير علينا".

هذا وشددت جيني على أنه من المهم الاعتراف بأن العواطف المتعددة والمعقدة يمكن أن تكون موجودة في داخلنا في وقت واحد: "بإمكانكم أن تنهاروا لفقدان شخص بسبب فيروس كورونا، وأن تستمتعوا بالاسترخاء الذي يوفره الإغلاق".

كيف نكون إيجابيين بالمعنى الصحيح؟

بهدف القبول وموازنة العواطف المتضاربة التي من المحتمل أن نشعر بها جميعاً خلال الوضع الحالي وفي أي وقت، يمكن اعتماد استراتيجية ارتجالية قديمة تسمى "نعم...و"، إذ يمكن القول مثلاً: "لقد سئمنا جداً من البقاء في الداخل مع عائلتنا، ونحن ممتنون لأننا نستمتع بقضاء وقت بصحبة عائلتنا في المنزل"، أو "نخشى ما يخبئه المستقبل، ونشعر ببعض الإثارة على أمل أن تتغير بعض الأشياء نحو الأفضل".

من الطبيعي أن تكون هناك أيام تشعرون فيها بالامتنان والإنتاجية والإيجابية، وأيام لا ترون فيها أي ضوء في نهاية النفق

بمعنى آخر، عندما نمنح أنفسنا الإذن بالسيطرة على العديد من الحقائق التي تبدو متضاربة في أذهاننا في الوقت نفسه، يمكننا القضاء على التوتر بينها وإفساح المجال لجميع مشاعرنا، الإيجابية والسلبية على حد سواء.

لذلك يكمن النهج البسيط والأفضل في قول الحقيقة.

وفي ظل غياب معيار للسلوكيات المناسبة خلال أوقات الحجر المنزلي، بمعزل عن غسل اليدين وارتداء قناع الوجه، فمن الطبيعي أن تكون هناك أيام تشعرون فيها بالامتنان والإنتاجية والإيجابية، وأيام لا ترون فيها أي ضوء في نهاية النفق.

وفي حين أنه قد يكون من الصعب عليكم التعبير عن أنفسكم على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال مشاركة لحظاتكم الأكثر قتامة، إلا أنها قد تكون مجرد خطوة إلى الأمام وطريقة للخروج من الإيجابية السامة، بحسب مارغريت سايدي: "آمل أن تفسح كل المشاعر التي نشعر بها خلال هذه الفترة والأسئلة الوجودية التي ستطرح، الطريق أمام حوار حقيقي حول الأيام السيئة ولحظات الضعف. كونوا إيجابيين عندما يمكنكم ذلك، ولكن خصصوا مساحة لأيام لا تستطيعون فيها أن تكونوا كذلك".

من خلال قمع بعض المشاعر، نقع في حالة من الإنكار والعواطف المكبوتة، ومن خلال التظاهر بأنه لدينا ردود أفعال إيجابية طوال اليوم، فإننا ننكر صحة خوض تجربة إنسانية حقيقية تتسم بالغيرة والغضب والاستياء، وكلها وجوه للحياة

في حديثه مع موقع رصيف22، اعتبر الأخصائي في علم النفس، محمد الطناوي، أن هناك أشخاص يعيشون تخيلات بعيدة عن الواقع، ويعمدون إلى قمع مشاعرهم وكبت أحاسيسهم، ما يسبب لهم الأذى النفسي: "في ناس بتعيش داخل أذهانها أكثر من الواقع وبتكبت مشاعرها داخل عقلها، والكبت هو سبب كل مرض نفسي، لأنو الشخص بحاجة إنو يعبّر ويفرّغ كل مشاعره السلبية".

واعتبر الطناوي أن مجتمعاتنا العربية المحافظة هي التي تقف، بشكل كبير، وراء ظاهرة كبت المشاعر وتصنّع الإيجابية، وذلك بسبب القيود والمحاذير التي تفرضها: "هذه المحاذير تمنعنا من التعبير عن مختلف المشاعر والتوجهات الفكرية"، مضيفاً بأنه في المجتمعات المحافظة هناك درجة أعلى من "الإيجابية السامة" وذلك لكونها تفرض نموذج "الشخص المثالي": "هذه المجتمعات الإنسانية تطرح نموذج المواطن/ة المثالي/ة، الرجل المثالي/ المرأة المثالية... فتصبح درجة التكلّف أعلى، بحيث يقوم المرء بإخفاء ذاته الحقيقية، لأن أي خروج عن النص سيتم مواجهته بعنف وقمع ودرجة تصنّع عالية".

من هنا شدد محمد الطناوي على ضرورة احتضان الاختلاف وتقبله لكونه سُنّة كونية، وختم حديثه بالقول: "عندما سُئل أمبرتو إيكو ما الذي يمكن أن نصنعه حتى نحمي أطفالنا من آفة كراهية الآخر؟ قال: علّموا الطفل أن كلمة أرنب ليست سوى كلمة من مئات كلمات تنتمي للغات أخرى وتحيل للشيء ذاته، وبما أننا لم نملك أبداً مثقفاً برهافة إيكو في إجابته، فطبيعي أن نحاصر اليوم بكل هذا القدر من الجلافة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard