تعب في بلد نحاول ألا نرحل عنه

الأربعاء 16 أكتوبر 201908:12 م

انتهيتُ قبل حوالي ثلاثة أعوام، وبعد سهرة تشبه كل سهرات بيروت، أنا ومجموعة من الأصدقاء، على شاطئ الرملة البيضاء بدلاً من كورنيش" عين المريسة" الذي كثيراً ما يختم الساهرون سهراتهم عليه. ركضنا فور وصولنا، وبحركة لا إرادية، نحو المياه. قرّرت وقتها، وبسبب انبهاري بموقعي المعكوس، ترسيخ اللحظة في ذاكرتي لأسترجعها لاحقاً.

بعد حوالي ساعتين من رشوة الرجل الذي حاول إخراجنا من المياه، رحلنا. ترقّبتْ صديقتي لأيام عدة الأمراض التي ستحل علينا، ولحسن حظنا، التبعات الوحيدة التي حملناها كانت رائحة "المجارير" ورؤية بيروت للمرة الأولى من البحر، المشهد الذي اعتبرناه تحدّياً للحصار المفروض علينا، كتحدّينا للأضواء المطفأة على الأوتوستراد، للجامعة اللبنانية، لفرص العمل، لقروض الإسكان، لانقطاع المياه، لمنعنا عمن نحب، وفعلاً لأي تفصيل في واقع عيشنا في هذا البلد.

لم أتابع يوماً الشؤون السياسية في لبنان. حاولت خلال العام الجامعي الأوّل أن أقرأ الجرائد وأستمع لأفواه السلطة، وفي كلّ مرة كنت أشعر بخسارة وقتي في دوّامة سخيفة لا تنتهي. وحتى اللحظة، لا يزل هذا الاعتراف محرجاً بالنسبة إلي، ولذلك بأسلوبي المعتاد تبنّيت جملة زياد سحاب في أغنية "الوضع الإقليمي" كتبرير مثالي: "بحضر نتفة أخبار... بستنتج منّي حمار"، وفعلاً "نتفة" (القليل) هو المقدار الأمثل.

تأتي نشرات الأخبار يومياً لتقرع أجراس الرعب داخلنا، عبر جمل: وضع الليرة مستقر، العهد القوي، 16 مليون دولار لعارضة أزياء، لبنان يحترق. شاهدت في يوم الحرائق أغلب ما مرّ على الشاشة، بكيت وتذكّرت كيف أننا محكومون من مخلوقات تتسم بالغباء، العنصرية والذكورية.

في بلدنا، قرّر نائب أن النار بطبعها انتقائية وبالتالي تستهدف طائفة محددة، وعزّ على وزير طرد مجموعة متطوعين له حين قرر زيارتهم ليقول لهم: "يعطيكم العافية"، فطلب مباشرة على الهواء أن نرى الأمور كما هي في الواقع، وكأنه هو يرى وهم لا يرون. ما هو الواقع في لبنان؟ لا تحترق الأشجار فقط، بل هناك أشخاص يحرقون أنفسهم كما فعل الأب الذي لم يتمكن من دفع أقساط مدرسة أولاده، أو سائق السرفيس على جسر سليم سلام.

في بلد طبيعي، الشعب هو مَن يشكر أفراد السلطة على جهودهم وأدائهم لواجباتهم في يوم كارثي وليس العكس. الوزير نفسه،  قرّر أثناء مداخلة تلفزيونية مهاجمة النائبة بولا يعقوبيان بالحديث عن "عفّتها" وتاريخها الشخصي. في بلدنا، يستخدم رجال السلطة أقدم سلاح في التاريخ. يواجهون المرأة، إذا خالفتهم، بحياتها الشخصية بقصد إذلالها. وصراحة هذا الفعل ليس غريباً في بلد يضم قانون عقوباته في ما يخص شؤون المرأة مصطلح "شرف العائلة"، ويحتفل رئيسه وسط الحرائق بوصول ملكة السويد إلى قصره.

أترون؟ نحن لسنا "ملكات". نحن نساء عاديات، نبكي على الهواء كوسيلة وحيدة لنقل المشهد أثناء نوم المسؤولين، نوحّد متطوعين من كافة المناطق فنُسمّى "بنات شارع"، نصل إلى مراكز في السلطة فنتهم بـ"أخلاقنا"، نصنع بأجسادنا أطفالاً فيُسلبون منّا، نتعرّض للإجهاض، للتحرّش، للتعنيف، ولا ترحّب بنا لا أبواب القصور ولا أبواب المحاكم، فنخترع وسائلنا.

"نحن نساء عاديات... نوحّد متطوعين من كافة المناطق فنُسمّى "بنات شارع"، نصل إلى مراكز في السلطة فنتهم بـ"أخلاقنا"، نصنع بأجسادنا أطفالاً فيُسلبون منّا، نتعرّض للإجهاض، للتحرّش، للتعنيف، ولا ترحّب بنا لا أبواب القصور ولا أبواب المحاكم، فنخترع وسائلنا"
"يكفي أن نمارس تفاصيل حياتنا اليومية، كشراء حاجاتنا من الدكان، النظر إلى رصيد هاتفنا، استقلال المواصلات العامّة، أو إصابتنا بمرض، لنفهم مأساوية الحياة التي نعيشها" 

لا أملك الوسائل الكافية للتعبير عن حجم التعب الذي نعيشه، في بلد نحاول قدر الإمكان عدم الرحيل عنه، أفكّر بالسنوات التسع التي أعطيتها من عمري لبيروت، بالرجال الذين فقدوا أشجاراً أعطوها أيضاً سنوات من عمرهم، بالمرات التي غنّينا "قوم نحرق هالمدينة"، آملين أن تسقط الواجهة البحرية القبيحة فجأة، فيرى هؤلاء الذين يسكنون المباني القديمة البحر مجدداً، ببائع العصير العجوز وهو يجر عربته خلال شهر رمضان، بمَن يموتون على أبواب المستشفيات، بطائرات لا تستطيع إخماد الحرائق، بالشاب الذي اختنق وفقد حياته، وبطاقم سياسي يوجّه أصابع الاتهام مثل أطفال يلعبون في الشارع، ويعود ويتجرّأ على تحميل الشعب مسؤولية الدواء، الخبز والنفايات، ويردّ عليه بـ"اخرسوا".

يكفي أن نمارس تفاصيل حياتنا اليومية، كشراء حاجاتنا من الدكان، النظر إلى رصيد هاتفنا، استقلال المواصلات العامّة، أو إصابتنا بمرض، لنفهم مأساوية الحياة التي نعيشها. لكن كارثة بهذا الحجم، كارثة استطاع الناس الشعور بها بأجسادهم وبيوتهم، جعلتنا ندرك مدى حجم الفساد على الأرض، وكشفت للجميع عن وجه تحاول السلطة إخفاءه وتخويفنا به تحت شعارات: "الآخر يعتدي على أرضنا، الآخر يستأجر في أحيائنا، الآخر يسلبنا عملنا". يوم أمس، الكل فتح منزله وقدّم ملابسه وطعامه، وللمرة الأولى، منذ لا أذكر متى، وبعد أكثر من 100 حريق، توحّد الناس في القذارة التي نعيش فيها، على كره ونبذ سلطة ترفع سلاحها في وجه المتطوعين بهدف حماية نفسها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard