ما الذي أرغب بقوله لذاتي الصغيرة؟

الخميس 11 مارس 202104:04 م

قد تبدو رغبتي في مخاطبة ذاتي الأصغر بخمسة عشر عاماً، أي في عمر الثالثة والعشرين، أمراً مبتذلاً. لكن ومع اقترابي من سن الأربعين، تراودني هذه الفكرة بشكل ملح. لماذا قد أحتاج للعودة إلى الوراء وأنا التي عوّدت نفسي على عدم النظر إلى الخلف وعلى تجنب الندم، ليس لوجود قوة خاصة بل لشعوري بأن التيار يستمر بدفعي رغماً عني. ربما مع تقدمي بالعمر وامتلاكي قدراً لا بأس به من التجربة، أرغب في معاكسة التيار. وفي استعادتي هذه، استشهد بأقوال وفكر فاطمة المرنيسي لما منحته لنا من حكمة تسمح بمراجعة علاقتنا بالزمن والآخر بتمعن. ترى المرنيسي أننا ندرك نضوجنا عندما نشعر بأثر الزمن علينا كمداعبة حسية. 

مع التقدم في العمر، تصبح مخاوف الماضي وتجاربه المضنية أقل وطأة إن حاولنا التحصن بقليل من أمل. جاء الأمل في حالتي على شكل جرعة من معرفة، منحتني إياها قراءتي في مجال الدراسات الثقافية والنسوية بحكم دراستي ورغبتي في البحث عن السلوان فيها. كنت في أوقات المحاضرات، ونحن نقرأ في النسوية وفكرها، أشعر أني في جلسة علاج نفسي، لإدراكي أن ألمي ليس فردي وأن هناك من يدافع عني ويمدني بالفكر ليحميني. تقول المرنيسي: "أثمن هدية منحها الله للبشر هي العقل. وأفضل استثمار فيها هو البحث عن المعرفة. معرفة البيئة البشرية، معرفة الأرض والمجرات، معرفة الله. المعرفة (العلم) هي أفضل شكل من أشكال الصلاة". زاد الأمل مع تكثف الحراك النسوي وخاصة مع سماح وسائل التواصل الاجتماعي لنا بمساحة أكبر لمشاركة تجاربنا وتكثيف تعاضدنا، والنظر إلى تجاربنا الماضية، أنا وسيدات من جيلي، ليس بهدف جلد الذات بل بهدف الحصول على المعرفة التي تساهم بالانعتاق.

كبرت مع نظرة ذكورية تشيء ذاتي. هذه النظرة تجعلنا حبيسات دورنا ككائنات تمنح اللذة وتسعى لرضا الأخر

لم تحمني سني الصغيرة، التي راكمت الخوف، من كثير من المعايير المجتمعية السامة بحق النساء. كبرت مع قلق مرتبط بجدول زمني يحدد واجباتي ويتجاهل احتياجاتي. هذا الجدول يفرض عليّ الدراسة والعمل والزواج والأمومة ضمن خطة معدة سلفاً، ويقرر متى يصفني بالهرم ومتى ينعتني بالعنوسة. حاولت التمرد في لحظات وخضعت في معظم الأوقات. لكن يمكن لي أن أقول لتلك الصبية أن تتجاهل هذا الجدول العنيف وأن تختار المسير بحسب ساعة روحها وجسدها وأحلامها.

تستعرض فاطمة المرنيسي في كتابتها آليات التطبيع في التعامل مع المرأة وجنسانيتها وجسدها في الفضاء العام والخاص. وتقارن بين المجتمعات الشرقية والغربية والخطاب الذي يفرض القيود على جسدها. قراءة المرنيسي لديناميكية العلاقات الجنسانية بين الرجال والنساء وكيف يتم التطبيع لجسد نسوي مستلب الإرادة ومحتكر في فضاء خاص، تكشف الحاجة لتحدي هذه المنظومة. كبرت مع نظرة ذكورية تشيء ذاتي. هذه النظرة تجعلنا حبيسات دورنا ككائنات تمنح اللذة وتسعى لرضا الأخر. قد يستفز البعض ممن يجادل بأن النساء يخترن البعد عن النشاط السياسي ويفضلن ظل أرض الدار العامرة، عندما نوضح أن ما سبق هو دور مفروض بفعل خطاب أبوي يقصي المرأة ويجعلها أسيرة لهذا الدور. تبين المرنيسي أنه في حين يتراءى لنا أن المجال مفتوح أمام المرأة للمشاركة السياسية في الغرب، يساهم دورها ككائن مسؤول عن المتعة والرغبة في حرمانها وتأخرها عن ممارسة هذا الدور. ضمن خطاب إعلامي تحدد إطاره نظرة الرجل، تجد المرأة نفسها مجبرة على التماهي مع تلك العارضة الخاضعة لمعايير الجسد المثالي بسلبيتها ولامبالاتها.

أرغب أن أقول لذاتي الشابة أن صمتها عن التحرش والإساءات الجنسية، لم تكن إلا في خدمة المعتدين وتعميقاً لسلطتهم

تقول المرنيسي: "من خلال تسليط الضوء على الطفلة وتأطيرها على أنها المثل الأعلى للجمال، فإنه يحكم على المرأة الناضجة بالاختفاء. في الواقع، يفرض الرجل الغربي الحديث نظريات إيمانويل كانط في القرن التاسع عشر: لكي تكون جميلة، يجب أن تبدو المرأة طفولية وبلا عقل. عندما تبدو المرأة ناضجة وحازمة على نفسها، أو تسمح لتوسيع الوركين، يتم إدانتها بشكل قبيح. وهكذا، فإن جدران الحريم الأوروبية تفصل جمال الشباب عن النضج القبيح". وتتابع: "إن بقاء المرأة في وضعها السلبي الخاضع وجوده لعين ناظره، يحول المرأة الغربية العصرية المتعلمة إلى عبودية الحريم".

لذا، أرغب أن أقول لذاتي الشابة، ليتها تخفف من قلقها خوفاً من مجتمع يعتبر سمرة بشرتها كعلامة تدل على الدونية. أدرك مع الوقت أن كثيراً من لحظات الجوع المتطرف التي فرضتها على جسدي لأحافظ على قياس 36، والتي جعلت رأسي تدور من التعب، لم تكن سوى جزء من خطاب كاره للمرأة، جزء من إعلام يمقتني ويغرر بي.

أرغب أن أقول لذاتي الشابة أن صمتها عن التحرش والإساءات الجنسية، لم تكن إلا في خدمة المعتدين وتعميقاً لسلطتهم. ليس الجينز الذي ارتديته على عجل سبب في عنف المعتدي، وليس سيري في سوق الحميدية على مهل دعوة للتحرش بي. 

أتمنى لو استطعت أن أقول لتلك الصبية أن تترك لجسدها حرية اختيار اللحظة، أن تنسى إصرار الأمهات وإلحاح الجدات وعقارب الساعات ولتترك لرحمها حرية الاختيار

في أحاديثنا في حمامات الجامعة، حرصنا على أن نقص لصديقاتنا قصصاً عن الراغبين والمحبين والورود التي تكلل أعياد حبنا، خشيةً من أن نصنف كنساء لا يرغب الآخر بهن. ورغم أن الحب، كما غيره، يقع في تعقيدات العلاقات الاجتماعية بين عرض وطلب وراغب ومتمنع، إلا أني أقول لتلك الشابة أن تبحث عن الحب لذاته. الحب كقيمة صافية إن وجد هو صنيعة صبية تدرك قيمة قلبها الحر.

ومع رغبتي بالأمومة كحاجة نفسية وجسدية وكقيمة أقدرها، أدرك أنها حاجة لا ترتبط بالمقياس المجتمعي الذي يضعها كشرط للاعتراف بأنوثتنا وبقيمتنا. لذا أتمنى لو استطعت أن أقول لتلك الصبية أن تترك لجسدها حرية اختيار اللحظة، أن تنسى إصرار الأمهات وإلحاح الجدات وعقارب الساعات ولتترك لرحمها حرية الاختيار.  

تقول المرنيسي: "كثيراً ما قالت [ياسمينة]: "الطبيعة هي أفضل صديق للمرأة". إذا كنت تواجهين مشكلة، فاسبحي في الماء، استلقي في حقل، أو انظري إلى النجوم. هذه هي الطريقة التي تداوي بها المرأة مخاوفها". قد تبدو هذه الرؤية حلماً رعوياً ساذجاً. لكن في حقيقة الأمر إن أفضل ذكرياتي هي تلك التي عشتها وبرودة البحر تلامسني، وحرارة الشمس تغمرني. لتلك الصبية التي كنتها أشكرها على لحظات الفرح التي عاشتها حرة مستقلة في تناغم مع الطبيعة في المرات القليلة التي سنحت لها الفرصة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard