بأيّ امرأة سوريّة نحتفي؟

الثلاثاء 9 مارس 202111:30 ص

أعود بذاكرتي إلى الوراء، في محاولة للاسترجاع والربط بين الكثير من المشاهد التي عشتها كطفلة سورية، ومن ثم يافعة، ولاحقاً سيدة متزوجة عاشت أمومتها، والآن مصنّفة كـ"لاجئة سورية". ونحن في بداية ربيع جديد للعام 2021، ها هي المرأة في العالم تحتفي بيومها وبمكتسبات وإنجازات ثوراتها ونضالاتها، وما أحدثته من تغييرات ومكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية. وكان حصيلة نتاجها هو الاحتفاء بهذا اليوم الخاص الذي أصبح عطلة رسمية للنساء في الكثير من بلدان العالم؛ "يوم المرأة العالمي" الثامن من آذار.

أتذكر تلك الحكايا التي كانت الراويات فيها هنّ النساء؛ جدتي و أمي والجارات في الحي الشعبي، من خلال جلساتهن الخاصة وهنّ يحتسين الشاي والقهوة في بيوتهنّ الطينية وأجوائها حميمة، أو أمام عتبات منازلهن، التي كانت أقصى حدود مساحاتهن الخاصة التي لا يمكن مغادرتها بسهولة، ليجتمعن بعد عناء يوم يشبه الآخر بمهامه المنزلية الشاقة. كنّ يتحدثن عن بعض تلك الحكايا بطريقة أقرب للهمس منها للنقاش وإبداء الرأي فيها، باعتبارهن جزءاً من ذاك المجتمع بكل تشكيلاته، وعلى الرغم من كونهن تحت سطوة المعتقد الجمعي الذي يصف كلامهن بـ"حكي نسوان"؛ يعني لا بيقدم ولا بيأخر. وغالباً يُنظر إليهن كأنهن شريكات بطريقة أو بأخرى في تلك الحوادث وغيرها مما يجري حولهن. وفي نهاية كل جلسة، تعود النساء إلى بيوتهن ومتابعة حياتهن بتلك النمطية، ويستمر العنف ويستمر السكوت.

لم نحظ بمكتسبات قانونية حقيقية تخفف أو تحدّ من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وبقيت قوانين الأحوال الشخصية بمجملها؛ المجحفة بحق المرأة السورية، خير شاهد على سوء حالنا

أما لاحقاً، بعد أن كبرنا كفتيات منتميات لجنس الأنوثة، اختبرنا تلك التجارب بأنفسنا دون أن يكون لدينا خلفية  ثقافية كافية بما كان يُمارس علينا من العنف بكل أشكاله، وغالباً من أقرب الناس إلينا، لتمتد إلى أبعدهم صلة بنا، وأقصد هنا المنتمين لجنس الذكورة، الآباء والأخوة والأعمام والجيران والمدراء. وكنا نعتقد بأن العنف هو فقط تلك الممارسات المؤذية من الضرب والإيذاء الجسدي تحت بند الوصاية أو القوامة و القوة الذكورية. أما الأفعال والإيحاءات و الكلمات البذيئة، السلوكيات الخاطئة، التي كانت تسمى "العنف ضد النساء والأطفال"، فعرفناها لاحقاً.

انتهاك الخصوصية، الأذى النفسي، التحرش الجنسي، الاغتصاب، العنف الجنسي ضد الأطفال أوالنساء، زواج القاصرات، قتل النساء، وكم هائل من المصطلحات التي تلاحقنا بوقعها في كل مكان، نجدها في كل مشهد وقصة فتعكر صفو الحياة التي تخصنا.  وبعدها لم تعد المساحة الخاصة بالنساء محصورة فقط في منازلهن، بل تخطتها إلى المدارس والأسواق والشوارع وأماكن العمل المختلفة. وأصبحنا على علم بأن تلك الانتهاكات التي كانت تحدث ولا تزال تحدث في محيطنا القريب جداً،  كانت تحدث أيضاً مع أناس غيرنا وفي بلاد غير بلداننا. فالمتحرشون الجبناء والمعنفون موجودون في كل مكان من هذا العالم.

لم تعد الحكايات تروى في غرف مغلقة، ولم يعد الحديث همساً، ولا ثرثرة، فالأفلام والمسلسلات والصحف والروايات والمنابر الإعلامية كانت مصادر توعوية تحرك الركود والصمت القديم. لكنا، في الجانب الآخر، لم نحظ بمكتسبات قانونية حقيقية تخفف أو تحدّ من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وبقيت قوانين الأحوال الشخصية بمجملها؛ المجحفة بحق المرأة السورية، خير شاهد على سوء حالنا. منها حق المرأة في حضانة أطفالها، حقها في منح جنسيتها لأطفالها وغيرها، هذا عدا عن أعراف وثقافة المجتمع.

ماذا جنت السوريات بعد كل هذه التضحيات والنضال؟ ارتفاعاً في أعداد ضحايا العنف الأسري، فقد ازدادت جرائم قتل النساء على أيادي ذويهم

كامرأة سورية، شهدت عقوداً تمر على تلك القوانين، التي تستعبد المرأة وتقيد حريتها وتسيء لحياتها، إضافة للقمع العام في المجتمع السوري من السلطة المتمثلة بحزب البعث. في المقابل، شهدنا مكتسبات لنساء في بلدان حول العالم يحتفلون بما أنجزنه وما أحدثنه من تغيير لصالح النساء. لنبقى متحسرات وعيوننا ترنو لما هو بعيد وأفضل.

ما يهمنا الآن، وبعد مرور عشر سنوات على ربيع الثورات العربية، في تونس ومصر والعراق ولبنان والسودان، وسوريا التي عصفت بها رياح ربيعها منذ آذار 2011، أن يشهد الجميع بأن السوريات لم يلتزمن بيوتهن ولا الصمت، بل كان الصراخ مسموعاً، مطالبات بالحرية والكرامة. كان النحيب حاضراً طويلاً على خساراتنا لأرواح أعزائنا، ولكنه لم يكن مجدياً، ومنازلنا التي تركناها مدمرة أو خاوية، وظائفنا التي خسرناها، وتلك الكوارث التي حلت بنا، تعبنا وهرمنا من الحديث عنها في كل مناسبة، حتى ونحن نحتسي قهوتنا بعيداً عن طقوسها الخاصة، نجتر الذكريات في منافينا. ماذا جنينا بعد كل هذه الثورة؟ وهل هناك بصيص من الضوء ينفذ إلى عتمة قلوبنا لعلها تمنحنا خيطاً من الأمل نتمسك به؟

لم نترك منصة للتواصل الاجتماعي إلا وكانت لنا منبراً، ولا مبادرة نسوية ولا مشروعاً ولا حملة مناصرة إلا وكان لنا فيها صوتاً. في التظاهرات السلمية صدحنا طويلاً، في ساحات القتال مع المحاربين سُحقت الضفائر، في السجون والمعتقلات اغتصبت الأجساد بلا خجل أو رحمة. في المنتديات الدولية وهيئات الأمم المتحدة، كلها كانت شاهدة على حضور السوريات. حتى في الغناء والرقص والفن والأفلام، لم يتركن وسيلة للتعبير عن رفضهن للحرب والعنف ومناداتها بالسلام والحرية والمساواة. ماذا كانت جنت السوريات بعد كل هذه التضحيات والنضال؟ ارتفاعاً في أعداد ضحايا العنف الأسري، فقد ازدادت جرائم قتل النساء على أيادي ذويهم، الانتحار، الاستغلال الجنسي، الفقر، الاغتصاب، التحرش، التشرد، والمزيد المزيد من المشاريع والمؤتمرات والتدخلات الدولية.

لكن هل حصلت المرأة السورية على مكتسبات حقيقية لغاية هذه اللحظة؟ أي على تغيير في القوانين، أو الوصول بقوة وأمان لمراكز صنع القرار؟ على سبيل المثال لا الحصر، أعدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريراً بعنوان "نصف المجتمع المحطم" بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء، وثقت فيه بعض الانتهاكات بحق النساء من كافة أطراف النزاع منذ العام 2011، ورد فيه "اعتقال 8289 امرأة مازلن محتجزات لدى قوات الأمن السورية، من ضمنهن 599 فتاة تقل أعمارهن عن 18 عاماً، و107 سيدة اعتقلن مع أطفالهن، 57 امرأة لقين حتفهن أثناء التعذيب والاحتجاز.   

كوني واثقة بتلك القصص التي قرأنا عنها لنساء كن يوماً ما مثلنا، خرجن في مظاهرات ونادين بحقوقهن المهدورة بالخبز والورود في الولايات المتحدة

على الرغم من أن الوضع المزري في سوريا يتصدر الأخبار والصحف والتقارير على مستوى العالم. لكن لا تزال قضايا النساء تتداول محلياً وعربياً بمزيد من التهميش والمزيد من التقزيم من قيمة عمل النساء وخاصة العمل المنزلي. حتى التغطيات الإعلامية لعبت دوراً في تنميط صورة النساء، وعدم تسمية الممارسات بدقة ووضوح تماهياً مع الوضع المجتمعي، وتهميش اعتبارهن كمصادر حقيقية للأحداث، وإعطاء الأولوية للرجال في تغطية الأخبار السياسية والمهمة، والنظر للنساء المميزات كنماذج نادرة وكأن التميز شيء حصري بالرجال.

قرأت في وقت قريب تقريراً أعدته شبكة الصحفيات السوريات تحت عنوان "سقط سهواً، عبارة عن " تحليل نقدي نسوي لخطاب عينة من إنتاج وسائل الإعلام السورية الناشئة 2019-2020، يُظهر فيه حجم التهميش والإقصاء والنمطية في تغطية قضايا النساء.

إذن في يوم المرأة، أتساءل: أي امرأة تلك التي سنحتفي بها؟ هل الاحتفاء يخص المرأة السورية في مخيمات اللجوء التي انقلبت حياتها رأساً على عقب وتعيش في خيمة لا تتوفر فيها أدنى شروط الأمان والسلامة في عصر هذه التكنولوجيا المتطورة والرفاهية التي تتمتع بها ملايين النساء حول العالم؟

أم نحتفي بالسوريات المطلقات التي أصبحت سيرتهن على كل لسان، وكأن الحرية في الخيار الشخصي تُعدُّ جريمة سببت الأزمة السياسية. ولا أعتقد بأن هذا اليوم سيعني شيئاً  للمشردات والمهمشات والمحرومات مع أطفالهن من أبسط أساسيات الحياة الكريمة، ولا حتى الكورديات وأنا منهن، تلك اللواتي اخترن طريق السلاح خلاصاً، لعل مثيلاتهن يحظين بحياة أفضل، ولا للناشطات اللواتي لا يوفرن جهداً في المطالبة بحقوق السوريات، فيتعرضن لمئة مشكلة وكم هائل من الشتائم والتنمر.

أعتذر لكم عن هذا الكم الهائل من المشاعر السلبية، لأني على مسافة قريبة جداً من المشهد، وربما لم أكن مبالغة، ولكن لعلني مثل الجميع سأكتفي بالأمل بالمستقبل وبقدرات النساء، كوني واثقة بتلك القصص التي قرأنا عنها لنساء كن يوماً ما مثلنا، خرجن في مظاهرات ونادين بحقوقهن المهدورة بالخبز والورود في الولايات المتحدة في عام 1909. سأرنو ليوم جديد بربيع جديد لعله يحتفي بإنجازات المرأة السورية وهي تجني ثمار نضالها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard