"ابن عمك أو أطلق والدتك"... حالات زواج عشائرية تهدد حياة النساء في سوريا

الأحد 7 مارس 202101:20 م

استيقظت قرية "حوايج بومصعة" الواقعة غرب مدينة دير الزور السورية، على خبر انتحار فتاة تلقب "المهندسة" في عام 1997.

من المؤسف أنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي تتجرأ فيها فتاة تعيش في مجتمع عشائري على الانتحار. على الرغم من أنني كنتُ طفلة، إلا أن قصتها ما زالت في ذاكرتي، لذلك لجأت الى أختي لسرد الحكاية.

تقول أختي: "كانت 'المهندسة' تبلغ من العمر 20 عاماً، وهي لقبت كذلك لإدارتها أملاك أبيها وقيامها بعمليات البيع والشراء في المواسم الزراعية. وقعت بحب أحد شباب القرية وسارع بطلبها للزواج، لكن عائلتها قابلته بالرفض القاطع بحجة أن مستواه أقل منهم، وعليها أن تتزوج أحد أبناء عمومتها. ارتبط الشاب بفتاة أخرى، وبسبب الضغوط النفسية التي مورست على المهندسة قرّرت إنهاء حياتها. ذهبت إلى المدينة لشراء مادة الزرنيخ من إحدى الصيدليات، وفي الليل جمعت كل ما كانت تملك من الذهب والحلي، وضعته تحت وسادتها وشربت السم وخلدت بسلام".

بعد موتها حصل أعمامها على ورقة من الطب الشرعي، كُتب فيها "سبب الوفاة قضاء وقدر"، خوفاً من المساءلة القانونية.


زواج النهوة أو التحيير

يعتبر أحد الأعراف والتقاليد القديمة لدى العديد من العشائر في شرق سوريا امتداداً إلى جنوب العراق. ويقضي بمنع الفتاة من الزواج برجل غريب عن العشيرة، بعد أن يقوم العم أو ابن العم "بالتحيير" على الفتاة، ومنعها من الزواج من شخص آخر.

زواج النهوة يمنع الفتاة من الزواج برجل غريب عن العشيرة، بعد أن يقوم العم أو ابن العم "بالتحيير" على الفتاة.

تقول الناشطة النسوية منى فريج، لرصيف22: "في سنوات ما قبل الحرب بسوريا، أصبح زواج النهوة أو التحيير في المناطق الشرقية قليلاً جداً، والسبب الأساسي انتشار التعليم وتغيير المفاهيم المجتمعية. لكن مع سيطرة تنظيم داعش على المنطقة عادت الظاهرة من جديد"، وتذكر فريج قصة فتاة من مدينتها الرقة، وكانت طالبة في كلية الآداب، عندما أصرّ ابن عمها على الزواج منها، وهو كان ينتمي لصفوف تنظيم داعش، وبعد موافقة عائلتها على زواجهما، أقدمت على الانتحار.

وتابعت الناشطة الأربعينية، المقيمة في مدينة غازي عينتاب التركية: "بالنسبة للأثر الاجتماعي والعنف الممارس على النساء بسبب زواج النهوة، فمن الممكن أن تبقى المرأة مرتبطة باسم ابن عمها ولا تتزوج أحداً غيره، حتى إذا رفضت ذلك وإن وافقتها عائلتها الرأي، فلا أحد من القرية يتجرّأ على التقدم لها، وتبقى محرومة من الزواج طوال حياتها".

وتضيف الناشطة، وهي تعمل مديرة لمنظمة "فيمينيست" في الرقة، بأن النساء في هذه الحالة لا يملكن الحرية في اختيار الشريك، وحتى بعد الزواج من ابن العم أو القريب، من الممكن أن تكون معاملتها سيئة، كأن يضربها الزوج أو يتزوج مرة ثانية، وفي المقابل هي مجبرة على تقبّل كل هذا ولا تستطيع طلب الطلاق.

ويعلق محمد، وهو ناشط مدني مقيم في الريف الغربي لدير الزور، لرصيف22: "لا توجد إحصائية دقيقة حول حالات زواج النهوة اليوم لعدة أسباب، منها أن النشطاء لم يركزوا على هذه المشكلة كثيراً، بالإضافة أنه لم تكن هناك منظمات تعمل على إحصاء حالات الزواج هذه، لذلك من الصعب الوصول إلى أعداد حتى لو تقريبية".

يضيف الشاب الثلاثيني، الذي فضّل الحديث باسمه الأول فقط: "على سبيل المثال، في ريف دير الزور الغربي توجد أكبر عشيرتين هما البقارة والبوسرايا. أكثر من نصف أفرادهما لا يجبرون النساء على الزواج من أبناء عمومتهم، لكن مع مراقبة المجتمع العشائري نجد أن حالات زواج كثيرة تتم بهذه الطريقة: إما أن تُغصب الفتاة، أو يتمّ الزواج بالتراضي".

يكمل محمد: "بسبب تقدم العلم وانتشار المدارس والتعليم، أصبح هذا العرف أقل تداولاً، لكن أثناء الحرب في سوريا، وتأثر المنطقة بحكم الفصائل العسكرية المختلفة، وغياب القانون والتعليم لفترة طويلة، عاد العرف بشكل لافت إلى المجتمع العشائري".


بين التهديد والإقناع

كانت نور تعيش في شرق مدينة دير الزور، وكانت إحدى ضحايا زواج النهوة، ففقدت حياتها عندما كان عمرها 18 عاماً، مدافعة عن قراراتها وحق اختيارها لشريك حياتها. تحدثنا مع أحد أقربائها عبر واتساب، وقد رفض ذكر اسمه.

لا توجد إحصائية دقيقة حول حالات زواج النهوة اليوم لعدة أسباب، منها أن النشطاء لم يركزوا على هذه المشكلة كثيراً، بالإضافة أنه لم تكن هناك منظمات تعمل على إحصاء حالات الزواج هذه، لذلك من الصعب الوصول إلى أعداد حتى لو تقريبية

قال الرجل لرصيف22: "في أيلول الماضي ماتت نور، بسبب المعاملة السيئة التي تلقتها من والدها بعد رفضها الزواج من ابن عمها. بدأ والدها يمارس عليها العنف النفسي والتهديدات، وقال لها: إما تتزوجي ابن عمك، أو أطلق والدتك".

يضيف: "تدهورت صحتها، ولم تعد تخرج من البيت مثل قبل، وظهرت في حلقها عقد وأورام، ولعدم عرضها على الطبيب ساء وضعها الصحي جداً حتى وصل إلى الموت".

تسرد حنان السالم لرصيف22 قصتها: "مررتُ بتجربة زواج النهوة عندما أنهيت المرحلة الثانوية. تفاجأت أن أبي أعطى كلمة لابن عمي، وأنه قد حيّر عليّ منذ 3 سنوات، لكنني رفضت لأني أريد أن أكمل دراستي، وأنا لا أحب ابن عمي".

تكمل الناشطة الثلاثينية المقيمة في مدينة القامشلي: "لقد أقنعت أبي بأن زواجي من ابن عمي سيؤدي للمشاكل، عدا عن أنني لا أكنّ له أي مشاعر، وبعد أن أقنعت والدي بالرجوع عن قراره، استطعت إكمال دراستي بكلية الحقوق والزواج من زميلي من عشيرة أخرى".

تضيف حنان: "هناك العديد من الفتيات اللواتي أجبرن على الزواج بهذه الطريقة، ولم يحصلن على أي دعم من عائلاتهن أو محيطهن، لذلك لجأن إلى الانتحار، وهذا ما أخاف أبي".

من جهة أخرى، لم ينفع تهديد هند بالانتحار.

تقول الفتاة ذات الأعوام الستة عشرة لرصيف22: "قبل ثلاث سنوات، حيّر عليّ ابن عمي وأنا في سنّ مبكر، على الرغم من رفضي وتهديدي المستمر لعائلتي بالانتحار، لكن لم أجد أذناً صاغية. أنا الآن أعيش مع رجل لا أحبه. أجهضت جنيني مرة، وحاولت الانتحار مرة أخرى، لكني أدركتُ أنه لا مهرب من القدر، لذلك أنا حامل الآن بطفلتي الأولى".

من الممكن أن تبقى المرأة مرتبطة باسم ابن عمها ولا تتزوج أحداً غيره، حتى إذا رفضت ذلك وإن وافقتها عائلتها الرأي، فلا أحد من القرية يتجرّأ على التقدم لها، وتبقى محرومة من الزواج طوال حياتها

أما إسراء (20 عاماً) فشفع لها أنها وحيدة أبيها. تقول لرصيف22: "حيّر عليّ ابن عمي، ومنع من تقدم أي شخص لخطبتي. كان يحاول بشتى الطرق أن يكسب حبي له، لكنني كنتُ أرفضه في كل مرة. أما والدي فقد ترك لي حرية الاختيار لأنني وحيدته، لكن هذا التحيير خلق مشاكل عديدة بين عائلتي وعائلة عمي، عندما بدأ ابن عمي ووالده باختلاق المشاكل دون سبب، لذلك لجأتُ لتهديدهم بأني سوف أقتل نفسي مثل جميع الفتيات اللواتي فعلنها قبلي".


لم أقتل أحداً، هذا خطأ أخي

على الرغم من اندثار زواج "الفصلية" ضمن المجتمعات العشائرية في سوريا واستمراره بشكل محدود في بعض المناطق العراقية، تستمر بعض النساء بحمل أثره من الماضي. يُشبّه زواج "الفصلية" بسوق النخاسة، إذ يقضي بتزويج الفتاة من عشيرة إلى أخرى، بغية حقن الدماء بعد الاقتتال.

في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وبعد انتهاء الانتداب الفرنسي في سوريا، كانت أغلب العشائر السورية تسكن في الشمال الشرقي من سوريا، ضمن محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، وكان للحروب أثر كبير على عاداتها وتقاليدها، حيث تقوم إحدى العشائر بالسطو المسلح على عشيرة أخرى لاغتنام المواشي وبعض الحيوانات، بالإضافة إلى الصراعات على الأراضي وفرض النفوذ الأقوى بين العشائر، وأكبرها آنذاك كانت العقيدات والشمّر والبقارة.

أم راكان، سيدة ثمانينية، هي إحدى ضحايا زواج الفصلية، نتيجة اقتتال بين عشيرتي الشمر والبقارة، حيث أقدم أخوها على قتل أحد رجال العشيرة الأخيرة، وحسب العادات من أجل وقف الاقتتال بين العشيرتين، اتفق الوسطاء والوجهاء على حل النزاع بكبش فداء، ينتهي بتزويج أخوات القاتل لإخوان المقتول.

يُشبّه زواج "الفصلية" بسوق النخاسة، إذ يقضي بتزويج الفتاة من عشيرة إلى أخرى، بغية حقن الدماء بعد الاقتتال.

أجريت حديثاً مع أم راكان عبر واتساب، وهي مقيمة الآن بقرية الكسرة بريف دير الزور الغربي. تقول لرصيف22: "كانوا يعاملوننا كأننا خادمات، يضربوننا ويوجهون الإهانات لنا. كنا نقوم بالعمل المتواصل داخل البيت لتلبية متطلبات العائلة، وإذا مرضنا لا نذهب إلى الطبيب".

تكمل السيدة: "بعد مضي عام على زواجي أصيبت أختي باليرقان، وماتت بسبب سوء المعاملة والظلم. عندما أرسلوا خبر مرضها لعائلتي، قالوا لهم بأنه يجب علينا التذكر جيداً أننا 'فصليات' وليس بيدنا حيلة".

تتابع أم راكان: "توفيت والدتي ولم أستطيع رؤيتها. بقيت سنوات عديدة محرومة من كل شيء في الحياة. لم ارتكب أنا الخطأ، لم أقتل أحداً، هذا خطأ أخي. وعلى الرغم من سوء المعاملة التي تلقيتها خلال السنوات الماضية والمعاناة والظلم، أنجبت أربعة أطفال".

تكمل: "لقد تزوج والد أبنائي من أحد بنات عمه، مما جعلني أفكر أنا وأولادي بالانتقال لبيت مستقل، لأنني أريد أن أعيش ما تبقى من عمري بسلام، رغم قساوة الحياة في ظل الحرب. وعلى الرغم من كبر سني إلا أن المجتمع لا يرحم. ما زالت وصمة العار تلاحقني، عندما أسمع البعض يقولون لأولادي 'أبناء الفصلية'".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard