رواية "الزّلزال" للطّاهر وطّار... وهمُ الفرق بين الواقع والخيال

الثلاثاء 16 مارس 202110:36 ص

كانت زوجتي أمّ علياء تُعدّ الكسكسيَّ من دقيق القمح، بمهارةٍ جعلتني أنسى كلَّ ما يحيط بي؛ وأختزل انتباهي في متابعة حبّات الكسكسيّ وهي تتبلور أكثرَ كلّما أضافت إليها رشّةً من الماء.

فجأةً وجدتُني مسحوبًا إلى ذكرى حدثت لي خلال صيف عام 1992، حيث رفضتُ أن أشاركَ أبي عمليّة الحصاد، فهربتُ إلى كوخٍ في الوادي كنتُ صنعته من أعواد الدّفلى، حاملاً معي كتبًا اشتريتُها من الرّصيف في مدينة قسنطينة؛ أثناء أوّل زيارةٍ لي إليها اصطحبني فيها جدّي.

بطل رواية "الزّلزال"

في لحظةٍ ما تهيّأ لي أبي في صورة عبد المجيد أبي الأرواح بطل رواية "الزّلزال" للطّاهر وطّار! لم يكن أبي ملتحياً مثله، لكنّه كان يشبهه في الاستعداد لأن يُضحّي بكلِّ شيءٍ من أجل التمسّك بالأرض؛ مع فارقٍ جوهريٍّ هو أنّ أبي اشترى الأرض بعرق جبينه، فقد كان بنّاءً، بينما حصل عليها أبو الأرواح من عرق الآخرين، لذلك عاد إلى قسنطينة، وقد بسط نظامُ الاستقلال الوطنيِّ هيمنتَه على الإنسان والمكان، لعلّه يستطيع إبطالَ قانون تأميم أراضي الملّاك الكبار الذّي يقضي بتجريده من أرضه وإلحاقها بالفلّاحين الصّغار.

أبدع الطّاهر وطّار في رصد حنق بطل قصّته على نظام الاستقلال الوطنيِّ في الجزائر الذي بسط هيمنتَه على الإنسان والمكان، وساوى بينه وبين الفلّاحين الصّغار

كنتُ أراه أمامي تماماً كما وصفتْه الرّواية التّي كنتُ قرأتها ثلاث مرّات من قبل. وكان الشّرر يتطاير من عينيه، ففكرّتُ في مغادرة كوخ الدّفلى والالتحاق بأبي في حقل القمح، فلا أمان يأتي من شيخ خسر أملاكَه.

نظام الاستقلال

أبدع الطّاهر وطّار في رصد حنق "أبي الأرواح" على نظام الاستقلال الذّي ساوى بينه وبين الفلّاحين الصّغار، لكن ليس إلى تلك الدّرجة التّي رأيتُه عليها في عزلتي بالوادي. وقد تأكّدتْ لي نواياه الخبيثة، حين رأيتُ يدَه تمتدّ نحوي لتخنقني.

- لماذا؟

- أنت ولدُ فلّاحٍ آلت إليه أرض كانت حكراً على أمثالي.

- لكنّي لستُ السّبب.

- سأحرق كبدَه عليك.

- من أين تعرف نارَ الفقد، وأنت عقيم لم يعرف طعمَ الأبوّة؟

نسيتُ نفسي المقبلةَ على الموت، وفكّرتُ في مشاعر أبي وهو يفقد ولدَه الوحيد، فتعزّز حماسي في مواجهة عبد المجيد أبي الأرواح الذّي راح لعابُ الموت يسيل على لحيته المغبرّة. ثمّ في لحظةٍ راحت فيها قبضتُه تمنعني من التنفّس، استعانت يدي بكومة الكتب التّي اصطحبتُها معي إلى كوخ الدّفلى، وتناولتْ أحدَها، في محاولةٍ لضرب وجه المعتدي، فأدهشني أنّه لم يكتفِ بترك عنقي فقط، بل راح أيضاً يتضاءلُ أمامي، ويترجّاني أن أبعِدَ الكتابَ عنه.

منحتُ بصري إلى الكتاب، فإذا هو رواية "الزّلزال".

لقد تواطأتْ أمّي معي في كثيرٍ من مغامرات القراءة التّي خضتُها مبكِّراً في القرية

- ما بك؟

- لم يحدث أن قرأتُ روايةً فضحت أمثالي، مثل هذه الرّواية. وإذا كان هناك شخص أبغضُه؛ بعد الفلّاحين الذّين ورثوا أراضيَّ، فهو الطّاهر وطّار.

مشهد مقتطع أوّل

التحقتُ بالجزائر العاصمة، بعد عشر سنواتٍ، فصارت لي جلسات مع العمّ وطّار، في بيته وفي خلوته على شاطئ شنوة وفي مقرّ جمعيته "الجاحظيّة". وفي معرض حديثنا عن "الزّلزال"، حكيتُ له ما وقع لي مع أبي الأرواح، فانتفض كمن تلقّى صفعةً غيرَ متوقّعَةٍ من جليسه.

- هل حدث لك هذا فعلاً.

- نعم يا عمّي الطّاهر.

- لم يحدث أن تجسّدَ لي أحدُ شخوص رواياتي في المنام إلّا عبد المجيد أبو الأرواح.

مشهد مقتطع ثانٍ

كنتُ أمكث في الكوخ سحابةَ نهاري، حتّى إذا أعلن عواءُ الذّئب عن قدوم اللّيل، تسلّلتُ إلى سدّةٍ أعلى البيت، فأجد أمّي قد أعدّت لي العشاءَ والفراشَ، فأكمل تواصلي مع شخوص تلك الكتب في خيالي تحت ضوء القمر. لقد تواطأتْ أمّي معي في كثيرٍ من مغامرات القراءة التّي خضتُها مبكِّرًا في القرية.

كيف تجيزُ لنفسِك الأكلَ من قمحٍ لم تُساهم في حصاده؟

انتهت عمليّة الحصاد، وأعدّت لنا أمّي أوّلَ كسكسيٍّ من قمح الموسم، فأمسك أبي يدي وهي تمتدُّ إلى صحن الطّين: كيف تجيزُ لنفسِك الأكلَ من قمحٍ لم تُساهم في حصاده؟ اذهبْ إلى كتبك لتُعَشِّيك.

انتصب أبو الأرواح أمامي، وراح يُزَيِّن لي أن أضرب أبي، فلم أتمالك نفسي من شدّة الاستنكار، وقذفتُه بصحن الكسكسيّ، فتطايرت شظاياه.

هل كنتُ سأنجو من وجبةٍ دسمةٍ من الضّرب، لو لم أقذف نفسي باكيًا في أحضان أبي؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard