مروان البرغوثي... رقم صعب في الانتخابات الفلسطينية من داخل سجنه الإسرائيلي

الأحد 7 مارس 202112:22 م

من جديد، عادت شخصية عضو اللجنة المركزية لحركة فتح مروان البرغوثي إلى تصدّر المشهد السياسي الفلسطيني، لا سيما بعد بدء الخطوات الفعلية باتجاه إجراء الانتخابات الفلسطينية الداخلية، بعد تعطلها لأكثر من 15 عاماً، بسبب الانقسام الداخلي بين حركتي "فتح" و"حماس" منذ عام 2007.

البرغوثي الذي يقبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2002، يُعَدّ بحسب مراقبين من أكثر الشخصيات القيادية الفلسطينية شعبيةً، إذ يمتلك حضوراً جماهيرياً تراكمياً بدأ بالتنامي منذ تصدره قيادة الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 ودعمه للأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة، وزاد بفعل ابتعاده على الصدامات الداخلية الفلسطينية، واكتفائه بالدعوة إلى رأب الصدع والعودة للوحدة الوطنية.

حضور البرغوثي القوي أهّله ليكون شخصية محورية في الانتخابات المرتقبة، فقد أعلن كثيرون تأييده بحال ترشحه للانتخابات الرئاسية ويسعى بعض السياسيين البارزين للتحالف معه، لا سيما عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ناصر القدوة والقيادي المفصول من الحركة محمد دحلان.

رغم كل ذلك، صار موقف البرغوثي من أي قائمة يمكن أن يشكلها القدوة أو دحلان لخوض الانتخابات التشريعية واضحاً، وهو عدم دعم تلك القوائم، فيما لا يزال موقفه من دعم قائمة اللجنة المركزية لـ"فتح" غامضاً حتى الآن.

وستجري الانتخابات التشريعية في أيار/ مايو المقبل، والرئاسية في تموز/ يوليو.  كما ستجري انتخابات المجلس الوطني (برلمان منظمة التحرير) في آب/ أغسطس.

من ناحية ثانية، لم تتّضح كافة تفاصيل ترشح البرغوثي للرئاسة بعد، وذلك رغم تأكيد عدد من المقربين منه أنه سيترشح، كون ذلك يشكّل فرصته الأخيرة لمغادرة السجن، من وجهة نظره، والعودة إلى القيادة الميدانية.



محاولات استقطاب الدعم

يقول عضو المجلس الثوري في حركة "فتح"، والمقرّب من البرغوثي، حاتم عبد القادر، إن "القائد مروان اتخذ قراراً نهائياً بعدم الترشح للمجلس التشريعي على رأس أي قائمة، لكنّه في ذات الوقت مصمم على الترشح للرئاسة بكل قوة".

وأضاف لرصيف22 إن "مروان ممكن أن يدعم قائمة حركة فتح الرئيسية بحال كانت تعبّر عن الكل الفتحاوي وتضم كفاءات"، مشيراً إلى أن "المقصد من أنها تعبّر عن الكل الفتحاوي لا يشمل اشتراط أن تضم قيادات محسوبة على الأخ ناصر القدوة أو دحلان، فالشمولية لا يجب أن تحظى بتوافق كامل".

وأوضح أن "القائد مروان عبّر عن وجهة نظره تلك لعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، حسين الشيخ، خلال زيارته الأخيرة له في السجن، وطلب منه نقلها إلى المركزية والعودة بالرد خلال الفترة القادمة"، مستكملاً: "الآن نحن في انتظار عرض القائمة المشكلة من مركزية حركة فتح على القائد مروان، حتى يتخذ قرار دعمها من عدمه".

في الأثناء، قال قيادي فلسطيني بارز، رفض كشف اسمه، لرصيف22، "إن الرئيس محمود عباس كان غاضباً جداً، خلال اجتماع اللجنة المركزية لحركة فتح، الذي عُقد عقب زيارة الشيخ للبرغوثي، وذلك بسبب موقف الأخير من الانتخابات"، مضيفاً أن "عباس كان يعتقد أن البرغوثي لن يزيد من الشرخ داخل حركة فتح، وسيكون موقفه إلى جانب موقف إجماع المركزية".

وتوقّع القيادي "ألا يجري توافق بين اللجنة المركزية ومروان بخصوص قائمة الحركة للتشريعي، لأن معايير الكفاءة بالنسبة لمروان ستكون قاسية، وسيحرص على طلب استبعاد شخصيات، لمجرد الاعتقاد بإمكانية عدم قدرتها على تسيير أمور الناس وإدارة الأزمات"، مضيفاً: "سيفتح البرغوثي خلال عملية تقييمه للأسماء سجلات الإنجاز القديمة لكلّ منها، وسيقيّم على أساسها، وهذا أمرٌ لن يرضي عباس".



"تاريخ مروان البرغوثي النضالي، من مرافقة ياسر عرفات في الأرض الفلسطينية إلى قيادة انتفاضة الأقصى وتشكيل كتائب شهداء الأقصى واعتقاله والحكم عليه بالسجن مدى الحياة، ساهم في بناء شخصيته الشعبية بصورة مميزة"

وبخصوص ما صرّح به عضو اللجنة المركزية ناصر القدوة عن إمكانية دعم البرغوثي لقائمة يشكلها الأول من أجل الدخول للمجلس التشريعي، قال عبد القادر: "كان هناك خلال الأيام الماضية تواصل من قبل الأخ ناصر مع قيادات فتحاوية مقرّبة من مروان، وتم التباحث في إمكانية دعم البرغوثي لتلك القائمة".

ولفت إلى أنّ "الأمور لم تحسم لصالح خيار الدعم، وقرر القائد مروان عدم دعم قائمة الأخ ناصر لعدم وجود اتفاق بينهما على بعض النقاط".

ورداً على ما أشيع حول وجود مشاورات بين البرغوثي وتيار دحلان من أجل التوافق على دخول الانتخابات بقائمة مشتركة، شدّد عبد القادر على أن "دحلان من حقه الترشح وتشكيل قائمة بناءً على الأسس الديمقراطية التي ينادي الجميع بتحقيقها، لكنّ البرغوثي لن يدعم بأي شكل من الأشكال ترشح دحلان، ولا أي قائمة يتم تشكيلها من خلاله أو من أنصاره"، مضيفاً: "هذا قرار نهائي توافق القائد مروان معنا عليه مسبقاً".

وفي السياق نفسه، امتنع قسام البرغوثي، وهو النجل الأكبر لمروان، عن التصريح لرصيف22 حول تفاصيل موقف والده مما يجري، وعزا ذلك إلى أن "المشاورات لا تزال قائمة، ووالدي لم يحسم موقفه النهائي حتّى الآن، وهناك الكثير من المعطيات التي يمكن أن تؤثر في موقفه خلال الفترة القادمة".

شخصية محورية شعبية

حول الأسباب التي تجعل من البرغوثي شخصية محورية إلى هذا الحد، وتدفع الجميع للسعي خلف الحصول على دعمه وتأييده، يقول عبد القادر "إن مروان يُعتبر من القيادات الفريدة فلسطينياً، والتي تحظى بدعمٍ شعبي منقطع النظير من أبناء فتح والفصائل الأخرى".

واعتبر أن "ذلك يعود إلى تلقائيته وشخصيته الشعبية العفوية القادرة على أن تكون قريبة من الجميع دون خسارة أحد"، لافتاً إلى أن "موقفه الثابت من المقاومة والمفاوضات التي وصلت إلى طريق مسدود مع إسرائيل ساهم في زيادة شعبيته، لأن قلّة من القادة الفلسطينيين تمكنوا من التمسك بمواقفهم بصورةٍ تامة تحت ضغط الاحتلال والظروف".

"مروان البرغوثي الذي يقبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2002، يُعَدّ من أكثر الشخصيات القيادية الفلسطينية شعبيةً، إذ يمتلك حضوراً جماهيرياً تراكمياً بدأ بالتنامي منذ تصدره قيادة الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000"

وذكر عبد القادر أن "مروان رغم وجوده في السجن، هو على تواصل دائم مع عدد من القيادات الفتحاوية الشعبية، وعلى معرفة مباشرة بما يجري على أرض الواقع، ما يمكّنه من صياغة المواقف بناءً على رؤية ودراسة متأنية، وبمشاركة جماعية من أنصاره داخل فتح".

من جهته، يرى الباحث السياسي عزيز المصري أن "تاريخ مروان النضالي، من مرافقة ياسر عرفات في الأرض الفلسطينية إلى قيادة انتفاضة الأقصى وتشكيل كتائب شهداء الأقصى واعتقاله نتيجة ذلك والحكم عليه بالسجن مدى الحياة، ساهم في بناء شخصيته الشعبية بصورة مميزة".

وقال لرصيف22 إن "مروان لم يتورط في الصراع الفلسطيني الداخلي الدموي في فترة 2006-2007، كما أنه لم يدخل في أي موجة من موجات المناكفة السياسية، ولم يكن طرفاً محسوباً على أي جهة في أيّ وقت".

وفي ما يتعلق بامتناع الناطقين الرسميين في حركة فتح وبعض القيادات عن الحديث حول قضية البرغوثي وأمر علاقته باللجنة المركزية وقرار ترشحه، قال عبد القادر إن "ذلك قد يعود لأسباب شخصية عند تلك الشخصيات، تتعلق بخوفها على وضعها التنظيمي أو وظائفها الحكومية".

وكان عدد من القيادات الفتحاوية المحسوبة على اللجنة المركزية امتنعوا عن التصريح لرصيف22 بخصوص قضية مروان البرغوثي، واكتفوا بالتأكيد على التزامهم بما تقرره "الشرعية" والرئيس عباس بهذا الخصوص، دون تقديم أي معلومات إضافية.

الخذلان زاد من صلابته

يوضح الباحث المصري أن "خطورة مروان بالنسبة للرئيس عباس، وحرصه على إجراء المفاوضات معه، سببها أنه الأقدر على تجميع الأصوات الفتحاوية، وخاصة الشعبية منها"، لافتاً إلى أن كل المعطيات "تقول إن أي قائمة يكفيها لكي تفوز بالانتخابات التشريعية أن يكون البرغوثي على رأسها، وهذا ما يدركه الجميع جيداً".

وأشار إلى أن "الخذلان الذي تعرّض له مروان خلال السنوات الماضية، لا سيما وقت إضرابه عن الطعام قبل عامين، حين ترك وحيداً ولم يشهد مناصرةً من قبل اللجنة المركزية لفتح أو أي من الجهات الرسمية الأخرى التي حاولت تحويله إلى مجرد صورة أو ديكور، جعله يكون أكثر شدة في اتخاذ قراراته المتعلقة بالترشح أو دعم القوائم الانتخابية".

وعن الأسباب الخاصة التي تدفع شخصاً مثل ناصر القدوة للبحث عن التحالف مع البرغوثي، قال المصري إن "ناصر يمتلك كاريزما دبلوماسية ولكنه يفتقد للإطار الشعبي والجماهيري، وتحالفه مع مروان يوفّر له هذا الإطار ويدعمه بقوة للمنافسة".

وذكر أن إعلان التيار الإصلاحي الذي يتزعمه محمد دحلان عن دعمه لمروان البرغوثي بحال ترشح للرئاسة في مواجهة عباس "يندرج تحت إطار المعركة الخفية بين التيار والرئيس عباس"، لافتاً إلى أن هذا الدعم لو تمّ بصورةٍ صحيحة سيكون "قادراً على قلب كل الموازين داخل الحركة".

واسترسل قائلاً: "في حال ترشح مروان للرئاسة، وهذا أصبح شبه مؤكد حالياً، سيستفيد من الأصوات الفتحاوية الغاضبة من عباس، ومن أصوات حركة حماس وبعض القوى الوطنية التي ترى فيه امتداداً لخط النضال المسلح عوضاً عن المفاوضات".

وأشار المصري إلى أن "حركة فتح اليوم أمام منعرج خطير، فالحديث يدور عن قائمة لناصر القدوة وقائمة لنبيل عمرو وقد تكون هناك قائمة لمروان عدا عن قائمة التيار الإصلاحي، وهذا الأمر يمكن أن يؤثر كثيراً في مجريات العملية الانتخابية على صعيد حركة فتح وعلى صعيد العملية الانتخابات بشكلٍ عام".

وختم حديثه بالتنويه إلى أن ما رشح من معلومات خلال الأسابيع الماضية، والتي تتحدث عن العلاقة بين البرغوثي واللجنة المركزية لفتح، وتسرب الكثير من المعلومات إلى الإعلام "سيكون من أهم الأسباب التي ستؤثر على قائمة المركزية في الانتخابات".



سيناريوهات حول البرغوثي والرئاسة

يعتبر الكاتب الفلسطيني هاني المصري أن هنالك أربعة سيناريوهات قائمة في ما يخص البرغوثي والترشح للرئاسة الفلسطينية:

أول هذه السيناريوهات هو أن تتأجل الانتخابات بشكل كامل إذا ما أصرّ البرغوثي ترشحه، وهذا يتضح بعد معرفة نتائج "التشريعي"، مشيراً إلى أن الاستدلال على هذا السيناريو جاء "من الإصرار الغريب الذي أبداه مسبقاً الرئيس عباس على أن تكون الانتخابات متتابعة وليست متزامنة، كما ينص القانون الأساسي للسلطة، وكما هو طبيعي ومنطقي".

وأضاف المصري، في مقالٍ نشره، أن السيناريو الثاني، هو "عدم ترشح الرئيس عباس للرئاسة، ومساهمته في اختيار مرشح آخر من حركة فتح وقد يكون البرغوثي"، معتبراً أن "هذا أمر صعب في ظل توجّه الرئيس نحو الترشح، ومع تزاحم المتنافسين على الخلافة الذين لن يؤيدوا بسهولة ترشيح مروان البرغوثي".

أمّا السيناريو الثالث، بحسب المصري، فهو "عرض منصب نائب الرئيس، أو رئيس المجلس التشريعي، على مروان البرغوثي، ومن غير المرجح أن يحصل ذلك، وإذا حصل لن يجد هذا السيناريو الاستجابة".

وبخصوص السيناريو الرابع، أشار المصري إلى إمكانية "قيام حكومة الاحتلال بإطلاق سراح مروان البرغوثي، ضمن اتفاق ضمني على ألا يخوض الانتخابات الرئاسية القادمة، وذلك لكي تتجنب وجود رئيس فلسطين في الأسر، وهو الأمر الذي يمكن أن يسبب إحراجاً لحكومة الاحتلال، وممكن أيضاً أن يؤدي إلى ضغوط فلسطينية وعربية ودولية من أجل إطلاق سراحه"، مشدداً على أن "هذا السيناريو مستبعد، ولكن لا يجب إسقاطه كلياً من الحساب".

وبحسب استطلاع رأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ظهر أن الجمهور الفلسطيني يفضل البرغوثي كمرشح للرئاسة عن عباس، وبيّنت نتائج الاستطلاع أنه لو جرت انتخابات عامة قريباً، فإن النسبة الأكبر من مؤيدي حركة "فتح" أكثر استعداداً للتصويت لقائمة يرأسها البرغوثي مقارنة بالتصويت لقائمة رسمية يضعها عباس وقيادة حركة فتح.

ولفت الاستطلاع إلى أنه لو اختارت فتح محمود عباس، ليكون مرشحها الرئاسي، فإن نسبة 25% تقول إنه الأفضل، فيما تقول نسبة 42% إن مروان البرغوثي أفضل منه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard