التحليل النفسي أصابني بالهلع وجعلني أنبش القبور

السبت 9 يناير 202111:53 ص


في المقهى، كانت أول جلسة لي مع المحلل النفسي، منذ حوالي خمس سنوات، وذلك بدافع الفضول والاستكشاف. سألني عن اسمي وعملي وهواياتي... وأين أعيش وكيف أقضي وقتي وعن الأشياء التي أحبها وأكرهها... وما شابه.

رحت أستعرض مهاراتي في السرد، وكأنّي أكتب نصاً أدبياً ينتمي إلى أدب الواقعية السحرية. كان ينصت ويهتم لكلّ كلمة أقولها، ويبدي إعجابه بمفرداتي وطريقة مقاربتي وتحليلي للأمور، وبعد ساعة ختم حديثه بكلام محفّز، وأخبرني بأنه يتفق معي في الكثير من الآراء ووجهات النظر التي طرحتها.

بعد أسبوع، أحسست برغبة في الجلوس معه مرةً أخرى، وذلك لأنني شعرت بالراحة خلال وبعد حديثي معه. تخليت عن الاستعراض وبدأت أتحدث ببساطة، وتناولت في حديثي بعض القضايا الأخلاقية وأبديت رأيي فيها، وبالطبع أكّدت خلال حديثي أن مثل هذه القضايا لا يمكن أن أساوم عليها، ولا يمكن أن أغير رأيي فيها أو أستبدلها. في ما بعد، اكتشفت أنه لا يوجد شيء في الوجود لا يمكن أن أغير رأي فيه. "الأغبياء وحدهم لا يغيّرون آراءهم".

بدأت بشكل أسبوعي أجلس معه مرةً أو مرتين في المقهى، وأمام الجميع. لم يكن يحرجني أن يعلم الآخرون أنني أجلس مع محلّل نفسي.

لاحقاً، أصبح نصف رواد المقهى يجلسون معه، وحين سألته: "لماذا لا تستقبل الأشخاص في عيادتك الخاصة؟"، قال: "أريد أن أنقل التحليل النفسي من الغرفة المغلقة إلى الشارع والأرصفة والمقاهي".

في بدايات التحليل، كل ما كنت أفعله هو البوح والكلام عن نفسي، والأشياء التي أؤمن بها، وحالة الرضا عما فعلته في حياتي... بعدها أصبحت أتحدث عن طفولتي ومراهقتي وعلاقتي بالأم والأب والإخوة والأصدقاء والأنثى...

وكنت كلما تحدثت عن هذه الأمور أشعر براحة لمدة يوم أو يومين، ثم أعود إلى القلق والتوتر، وأشعر أن رأسي ممتلئٌ بالأفكار وبأحداث كنت نسيت سردها، فأجلس معه مرةً أخرى وأفرغ كل ما في داخلي.

في إحدى الجلسات، وبدل أن يقوم بالاستماع إلى ما سأقوله تحدّث هو طوال الوقت تقريباً. أعطى رأيه بخصوص بعض القضايا ووجهات النظر التي طرحتها في جلسات سابقة، ووجّه لي بعض الأسئلة حول مواضيع حساسة، وطلب منّي أن أفكر بالأجوبة وأخبره بها في الجلسة القادمة... ثم ترك لي القليل من الوقت لأتحدث، فأخبرته أنني لا أملك شيئاً لأقوله، لأن كلامه وأسئلته سببوا لي الإرباك.

وبعد انتهاء الجلسة، شعرت بتوتر وقلق شديدين، وكانت هذه البداية الحقيقية لرحلتي مع التحليل النفسي التي استمرت حوالي خمس سنوات.

"في كلّ مرة كان عليّ، رغم رعبي الهائل، أن أنبش قبراً لأرى ما هو مدفونٌ فيه. سألت المحلل النفسي: مَن دفن هذه الأشياء في داخلي؟ ومتى دفنها؟ وكيف لم أنتبه له؟!، فقال: ليس شخصاً واحداً من فعل ذلك"

في تلك المرحلة، بدأت نوعية أحلامي تتغير بشكل جذريّ ليصير أكثرها كوابيس، واكتشفت أن في داخلي مقبرةً كبيرةً، وفي كلّ مرة كان عليّ، رغم رعبي الهائل، أن أنبش قبراً لأرى ما هو مدفونٌ فيه. سألت المحلل: "مَن دفن هذه الأشياء في داخلي؟ ومتى دفنها؟ وكيف لم أنتبه له؟!"، قال: "ليس شخصاً واحداً من فعل ذلك، فالتربية الأسرية والدينية والاجتماعية والوصايات والقوانين والأعراف والتقاليد والاحتياجات العاطفية والنفسية... وغير ذلك كلهم ساهموا في صنع هذه المقبرة داخلك منذ طفولتك وحتى الآن، فلا تلم نفسك".

مضى عامٌ كاملٌ، وبدأت أشعر بالإنهاك والتعب، فأخبرته بأن هنالك كمّاً هائلاً من الأفكار والوساوس والمخاوف في رأسي تكاد تجعلني أجنّ، وبأنني لا أشعر بالراحة حتى أثناء النوم بسبب الكوابيس والمنامات المزعجة التي تجعلني أستيقظ مرعوباً، فإلى متى سأبقى هكذا؟

كنت أنتظر منه كلاماً يريحني ويشجعني لأستمر في عملية التحليل، ويبدو أنه انتبه إلى الأمر وراح يدعمني بالكلام ويثني على شجاعتي وجرأتي في البوح والمواجهة. وكي يجعلني أطمئن بأن ما يحدث لي من إنهاك وتعب دليلٌ على كوني في المسار الصحيح لعملية التحليل، قال لي وبشكل مبسّط: "علمياً هنالك ثلاث مراحل للتحليل النفسي بشكل عام، المرحلة الأولى ‘الهدم’ ويكون ذلك عن طريق التداعي الحر والتفريغ اللفظي، بحيث يطال الذاكرة العاطفية وما فيها من عقد، إضافةً إلى الآليات الدفاعية للأنا، والنقلتين السلبية والإيجابية، ويقصد بالنقلتين الشعور الإيجابي والسلبي تجاه المحلل بين الحين والآخر؛ المرحلة الثانية ‘البناء’ وفيها تتم إعادة بناء وترتيب ما تمّ هدمه في المرحلة الأولى، وتكوين بنية عقلية معرفية جديدة تطال كلّ نواحي الحياة يبنيها الشخص بمساعدة المحلل بعيداً عن الوصايات الأسرية والدينية والاجتماعية والأعراف والتقاليد التي كانت موجودة في مرحلة سابقة من حياته؛ المرحلة الثالثة ‘الإنتاج’ وفيها يتم إنتاج سلوكيات جديدة على كافة الأصعدة، مستندةً على المعارف التي بُنيت في المرحلة الثانية، وهنا يحدث انتقال من الذاكرة الطفلية المبالغ فيها والمسببة لحالات القلق والخوف إلى الذاكرة العقلية الخاضعة للمنطق والبعيدة عن الاضطرابات. وبالطبع هناك بعض الاستثناءات في هذه المراحل، فقد يقوم المحلل بتقديم وتأخير بعض المحاور بحسب نوعية تفكير وبيئة وتربية كل شخص".

"الآن، أستطيع القول بأنّي لم أختبر في حياتي ألماً وهلعاً نفسياً كالذي اختبرته أثناء التحليل النفسي، ومن جهة أخرى لم أختبر في حياتي متعةً ونشوةً وراحةً نفسيةً وشعوراً بالأمان والطمأنينة كالذي حصلت عليه بعد خمس سنوات من التحليل"

حين أخبرني بذلك، شعرت بالإنهاك والتعب أكثر وأكثر، فالطريق إذاً طويلٌ لأني ما زلت في المرحلة الأولى. الأمر كان يشبه العودة إلى منزلي القديم المهجور الممتلئ بالغبار والأثاث البالي والجدران الرطبة، وعليّ أن أقوم بتنظيفه وإصلاح كل ما هو معطوبٌ فيه ليصبح صالحاً للسكن والعيش المريح، أو أن أعيش فيه كما هو دون إصلاح متحملاً كل السلبيات والمنغصات.

وبعد التفكير، اتخذت قراراً بأن أنظف وأصلح كل شيء... استغرق الأمر حوالي خمس سنوات، وكانت آخر جلسة لي مع المحلل في نهاية الشهر الثاني من عام 2020.

الآن، أستطيع القول بأنّي لم أختبر في حياتي ألماً وهلعاً نفسياً كالذي اختبرته أثناء التحليل النفسي، ومن جهة أخرى لم أختبر في حياتي متعةً ونشوةً وراحةً نفسيةً وشعوراً بالأمان والطمأنينة كالذي حصلت عليه بعد خمس سنوات من التحليل.

ولكن هذا لا يعني أني لن أجلس مرةً أخرى مع المحلل في حال احتجت إلى ذلك في المستقبل، ولا يعني أيضاً أني لم أعد أقلق وأتوتر، ولكن بمعدل منخفض ولمدة قصيرة لا تتجاوز بضع ساعات، في حين كان القلق في السابق قوياً ومخيفاً ويدوم لأيام.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard