سائق تاكسي، بائع متجول أو بارتندر؟ اختر طبيبك النفسي في سوريا

الاثنين 15 فبراير 202102:30 م

بعد سنوات من الكوارث التي عشناها، فإن أبعد ما تفكر فيه هو أن تبقى وحيداً. لم يعد أمراً ملفتاً للنظر أن ترى شخصاً يتكلم مع نفسه في الشارع. كمية الأخبار السيئة التي تتلقاها كل يوم كفيلة بأن تجعلك تدخل أي نقاش تريده مع نفسك، قبل أن تبحث عن أي مكان تستطيع أن تلقي بهمومك فيه، ويصبح مكانك الآمن ولو لمرة واحدة.

في مجتمعاتنا، يطلق لقب "المجنون" على الشخص الذي يزور الطبيب النفسي. أرغب بشدة أن أكون ذلك "المجنون" ولو لمرة وحيدة في حياتي، وأن أتحدث وأرتاح بالفعل.

أن تكون صديقاً جيداً هي مهمة من المهمات الصعبة هذه الأيام، ألا تنقاد وراء مشاعرك وغرائزك عند لعبك لهذا الدور هو بمثابة شهادة أكاديمية يجب أن تُدرّس. لم يعد بإمكانك أن ترفع سقف الثقة التي تريدها عند الحديث لأي شخص، لأن هذا المعيار سيجعلك وحيداً لفترات طويلة.

ما هي القصص التي باتت تنتشر في هذه البلاد بعيداً عن الحرب؟ لماذا عندما تبدأ بالكتابة عن أي موضوع كان ستدخل الحرب فيه؟! من شدة التميز التي كنّا نرى أنفسنا فيها، حتى حربنا صنفناها كأكثر الحروب تميّزاً، تنسج فينا لحظات باهتة كلون هذه البلاد.

في مجتمعاتنا، يطلق لقب "المجنون" على الشخص الذي يزور الطبيب النفسي. أرغب بشدة أن أكون ذلك "المجنون" ولو لمرة وحيدة في حياتي، وأن أتحدث وأرتاح بالفعل

أصبحنا عبارة عن مجموعة من القصص والأحداث التي نستطيع الحديث بها لكل شخص، حتى لو كان معرفتنا به لا تتعدى اللقاء الأول، لم نعد ننتظر الأصدقاء المغتربين لكي نروي لهم أحداثنا العاطفية ومخططاتنا الصغيرة، لم نعد نحتمل عدم تواجد الإنترنت السريع لنفعلها. تلك النافذة التي جعلت العالم قرية صغيرة، جعلت قلبنا مثقلاً أكثر بالبكسلات المتزايدة.

في هذه الفترة، أصبح أغلب سائقي التكسي في هذه البلاد أصدقائي المقربين، هاتفي الشخصي يحمل أسماء العائلة الخاص بها هو " تاكسي" أكثر من جميع أرقام أصدقائي على مدار عمري. تصعد معهم، ويتولّد شعور لديك أنك أمام أقرب الأصدقاء لك، لربما قدرتهم على الحديث في تفاصيل حياتهم أمامك يعتبر نوعاً من "الماركتينغ " المستخدم من قبلهم، أو أن هذا الوضع السيئ بالفعل قد أرخى بظلاله، ليجعل أي شخص قادراً أن يتكلم عن حياته كلها عند أول "كيفك" يتلقاها.

فقداني للعديد من الأشخاص المقربين في حياتي جعلني فرداً ينضم إلى المجتمعات الكبيرة، لذلك، فإن في دائرة أصدقائي تجد عمال نظافة دمشق أصدقاء لي ومتشابهين بنفس المقدار من الحب مع صديقي الذي يشغل منصباً كبيراً في منظمة دولية تعنى بالشأن الإنساني في سوريا.

في الفترة الماضية تعرضت لمشكلة صحية، ونتيجة للجهل الذي أملكه تجاه الأدوية وكيفية التعامل معها، كان أحد الأدوية التي وصفت لي هي "قطرة في العين" ثلاث مرات في اليوم. أحد المواعيد التي يجب أن أتلقى القطرة فيها كان الثانية والنصف بعد منتصف الليل. تلك القطرة أكدت لي أهمية ذلك المجتمع الكبير الذي صنعته، بعد تفقدي شوارع دمشق الخالية للبحث عمن يعطيني تلك القطرة، وعندما لم أجد تفقّدت هاتفي واستوقفني اسم وهو "أبو ماهر أوكتان". لم يستغرق مني الوقت الكثير لأتذكر من هو، على الفور ربطت الاسم بحديث البحث عن بنزين مع أحد السائقين منذ فترة قصيرة. لم أتردد في الاتصال وشرح حالتي لأبي ماهر، الذي كان في ذلك الوقت ينتظر دوره في أحد طوابير البنزين القريبة. خلال خمس دقائق كنت أركب في سيارة أبو ماهر، أتلقى القطرة منه وكأنه طبيبي الخاص. هذا الموقف هو من جعلني في اليوم التالي أقوم بدفع سيارة أجرة في وسط العاصمة، والتي من المفترض أن أكون مستقلاً لتلك السيارة أنا وصديقتي، ولكن مجتمعي الكبير المنشود جعلني أفضّل دفعها، مع أن أخلاق "أبو ماهر" مختلفة عن أخلاق ذلك السائق، ولكن مثلما احتجت أبو ماهر سألبي احتياج زملائه في المهنة، حتى ولو اخترعوا قصصاً غير صحيحة عن أنفسهم وأثقلوني بها.

ولدت وقضيت معظم أوقات حياتي في محافظة طرطوس. يُعرف عن تلك المحافظة أنها من أصغر المحافظات السورية، وبالتالي فإن فكرة وجود مجتمع واحد ينتمي إليه أغلب سكّانها هو أمر طبيعي. وبالفعل، ما كان يميّز تلك المحافظة أنها قرية صغيرة، يعرف الجميع فيها بعضهم البعض، لذلك عندما كان أهالينا يحدثوننا عن العاصمة دمشق، بأنها المكان المليء بالجمال وأنها تلك المحافظة التي "تنام على ظلك بها واقفاً"، وعن كثرة الخيارات الموجودة فيها، عزّز أن دمشق كانت بالنسبة لنا هي الحلم، وهي بالفعل نهاية أي طريق تسلكه، لأن قمة الإنجاز في هذه البلاد موجودة فيها، تحوي كل شيء مثلها مثل أي عاصمة لأي بلد، مع تغيير بسيط أنها كانت تمارس دور الحنونة عليك. ومن هذا المبدأ، فإن أغلب سكّان سوريا لديهم مرحلة من حياتهم يجب أن تمر في دمشق. المفارقة أن دمشق هي عاصمة كبيرة تملك مجتمعات مختلفة، كان من الصعب أن تلتقي بثلاثة أشخاص يعرفون بعضهم البعض فيها. اليوم الجميع يعرف بعضهم في هذا المكان. لقد تحولت دمشق إلى طرطوس أخرى.

على الرغم من كون أغلب سائقي التاكسي في هذه البلاد تكون وظيفتهم الأولى "عناصر أمن"، إلّا أن الحاجة للحديث لم يعد يوقفها أي شيء، ولو كنّا على معرفة بأن أحد هؤلاء السائقين يسجّل حديثنا ليلتقط أي كلمة سلبية تصدر بحق الدولة، إلا أن الحاجة لوجود صديق جيد هي كل ما نريده

من الجميل أن تكون حياتنا في أغلب فتراتها عبارة عن "جلسات المرة الواحدة"، نتكلم عن مشاعرنا ونأخذ النصيحة لمرة واحدة، نعبّر عن حبّنا وكرهنا لمرة واحدة، كذلك ميولنا وأفكارنا، من المثير للاهتمام أن تتكلم وأنت مدرك أن "كلام الليل بالفعل سيمحوه النهار".

وصلنا إلى المرحلة التي نستطيع خلالها أن تختار طبيبنا النفسي بحسب المكان الذي نتواجد فيه، مرة سيكون "البارتندر" في مكان السهر، ومرّة أخرى سيكون "عامل النظافة"، مرة سيكون "صاحب بسطة" موجودة في الشارع، على الرغم من كون أغلب سائقي التاكسي في هذه البلاد تكون وظيفتهم الأولى "عناصر أمن"، إلّا أن الحاجة للحديث لم يعد يوقفها أي شيء، ولو كنّا على معرفة بأن أحد هؤلاء السائقين يسجّل حديثنا ليلتقط أي كلمة سلبية تصدر بحق الدولة، إلا أن الحاجة لوجود صديق جيد هي كل ما نريده، أن تجد المساحة التي تتحدث فيها بدون أن تلقي عليك بهمومها هو أحد الأحلام. 

شخص جيد، لحديث جيد مرة واحدة، هو ما نريده.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard