النساء في السلطة في كتابات البروفيسورة الإيرانية الأمريكية شهلا حائري

الأربعاء 11 نوفمبر 202012:00 م
Read in English:

Shahla Haeri... The Unforgettable Queen of Anthropology

"يجب أن يكون للنساء دور مشارك في عملية صنع القرار؛ تلك القرارات التي تحمل تأثيراً عميقاً على حياتنا". بهذه الروح، ومن قناعة تامة بعبارتها هذه، طلبت البروفيسورة شهلا حائري من صفها من الطالبات، كما أخبرت رصيف 22 خلال مقابلة عبر الهاتف، الخوض في مغامرة تجريبية ، وهي القيام بدور ملكات أو حاكمات من التاريخ الإسلامي وتولي مهامها ومعرفة كل تفاصيل حياتها ومسؤلياتها.

كونها مديرة سابقة لبرنامج الدراسات النسوية في جامعة بوسطن، وواحدة من رواد الأنثروبولوجيا الإيرانية، كان لشهلا حائري الفضل في نشر أحدث الدراسات الإثنوغرافية لإيران وباكستان والعالم الإسلامي. تشمل كتبها التاريخية كتابها الكلاسيكي، "قانون المتعة: الزواج المؤقت عند الشيعة في إيران" (1989/2014)، الذي ترجم إلى العربية في عدة طبعات. يسلط الكتاب الضوء على عادة، برغم رسوخها في المجتمع الإيراني، إلا أنها لا تزال سرية وهي زواج المتعة؛ أما كتابها "لا عار للشمس: الحياة المهنية للنساء الباكستانيات" (2002/2004)، يقدم رؤية واسعة النطاق عن حياة النساء المسلمات المتعلمات والمهنيات في باكستان.

كما تشمل أعمال حائري الأكاديمية والإبداعية، إخراج وإنتاج فيلم وثائقي بعنوان "السيدة الرئيس: المرأة والقيادة السياسية في إيران" (2002، 46 د)، والذي تركز فيه على ست متنافسات على الرئاسة خلال الانتخابات الرئاسية الإيرانية لعام 2001.  

وقد حصلت شهلا حائري على العديد من الزمالات والمنح وزمالات ما بعد الدكتوراه.

يعتبر كتابها الصادر حديثاً، "ملكات الإسلام اللائي لا يُنسين: الخلافة، السلطة، الجندرة" (جامعة كامبريدج، 2020) بحثاً رائداً عن حياة وتراث بعض النساء المسلمات اللواتي تبوأن السلطة في مجتمعاتهن من مختلف الثقافات ومن العصور الوسطى حتى التاريخ المعاصر.

في هذا المقال، نقدم مقابلة رصيف22 مع شهلا حائري لمناقشة كتابها الأخير، وأعمالها السابقة، وتجربتها في الدراسات الأنثروبولوجية حول حياة ومكانة النساء المسلمات في جميع أنحاء العالم.

ملكات الإسلام وتفكيك القيادة البطريركية

يروي كتاب "ملكات الإسلام اللائي لا يُنسين" (2020) تاريخ حاكمات مسلمات، ونساء ذُكرن في القرآن مثل ملكة سبأ، وعرشها العظيم، ودبلوماسيتها الفذة، ومبادراتها الناجحة لصنع السلام مع ممالك الجوار؛ ونساء اتخذن دوراً قيادياً عسكرياً وسياسياً، مثل زوجة النبي محمد؛ ونساء ورثن الحكم من عوائلهن المالكة، كالملكة أروى في اليمن في العصور الوسطى راضية سلطان في الهند، والنساء اللائي ترشحن للانتخابات في العصر الحديث مثل بينظير بوتو في أفغانستان وميغاواتي سوكارنوبوتري في إندونيسيا.

شهلا حائري: على عكس ما يُعتقد، لا يتحكم الدين وحده بوصول المرأة إلى السلطات السياسية، بل لعل النظام السياسي البطريركي هو من يسعى بقوة لحرمان المرأة من حقها في المشاركة في المجال العام والنشاط السياسي

تقول حائري، "أريد أن يعرف القراء هذا التاريخ، من المسلمين وغير المسلمين، وأنه من المهم اليوم أن تشغل النساء، مقعداً في أماكن صنع القرارات السياسية والقانونية والدينية والاقتصادية. خاصةً وأن هذه السلطات تم احتكارها من قبل الرجال. ونظراً إلى وجود تاريخ حافل بالقيادة البطريركية التي تحكم مجتمعاتنا، آمل أن يتمكن عدد أكبر من النساء من المشاركة في صنع القرار وضمان الرعاية الاجتماعية والاهتمام بحياة رعاياهم."

"أتمنى بالدرجة الأولى ،" تضيف حائري، "أن يؤدي هذا الكتاب دوراً في رفع الوعي بتاريخنا وفهمه، وأن يكون لدينا، كنساء مسلمات، نماذج يُحتذى بها، مثل النساء اللواتي قمن بدور ريادي في بداية الدعوة الإسلامية، كخديجة وعائشة وفاطمة وزينب، اللواتي لم يترددن في المشاركة باتخاذ قرارات هامة في مجتمعهن.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تاريخ الملكات المسلمات في الكتاب يقدم قصصاً ملهمة للمسلمين وغير المسلمين في العالم. وبرأيي فإنه قد فتح بالفعل نوافذ، إن لم نقل أبواب، كما أخبرتني إحدى القياديات في عهد إدارة الرئيس خاتمي. وإذا ألقينا نظرة على الحركات النسائية في العالم العربي والإسلامي نرى بوضوح هذا الانفتاح. لكن بالطبع لا نتخيل سهولة إجراء التغيير وإحراز التقدم في هذا المجال."

وفي سؤال حول صدى الكتاب وتأثيره، تجيب حائري "أتوقع معارضة شديدة من قبل العديد من أنظمة الحكم البطريركية، أو بعض المشاركين فيها على الأقل. ولهذا يجب أن تتمتع النساء بالحكمة والذكاء لإشراك العديد من الرجال في قضيتهن- سواء من أسرهن أو من النخب السياسية والدينية- للتعاون معهم في خلق الخطط والبرامج التي تعود بالنفع على المجتمع بأسره: الرجال والنساء والأطفال."

كيف تصفين عملية الكتابة لبحث كهذا، خاصة أنها تغطي فترة زمنية طويلة وتتضمن شخصيات من مجتمعات مختلفة؟

كان البحث مُثرياً للغاية وتعليمياً وشيقاً- وبالطبع كان محيراً في بعض الأحيان. ولأنني لم أكن أركز على مجتمع أو منطقة معينة، كانت طبيعة البحث شاملةً ومكثفة. لكنني تعلمت الكثير وآمل أن أتمكن من مشاركة معرفتي مع طلابي ومع القراء.

استغرقت عملية الكتابة وقتاً طويلاً للغاية لأنها غطت مجتمعات مختلفة في فترات مختلفة من التاريخ وأنظمة سياسية مختلفة بكل ما تنطوي عليه من خلفيات تاريخية واجتماعية. لكن علاقة الأب والابنة كانت عاملاً مشتركاً في قصص كل الحاكمات في الكتاب، فقد قدمت رابطة الأسرة الحاكمة المنصة التي انطلقت منها تلك النساء إلى السلطة.

لقد بدأت التفكير في موضوع البحث في عام 2005 عندما كنت أجري بحث ما بعد الدكتوراة في برنامج دراسات المرأة في الدين في مدرسة هارفارد، Divinity School. لكن لم أوقع عقد الكتاب حتى أواخر عام 2014، وبدأت الكتابة بشكل جدي في أواخر عام 2016 واستمرت حتى عام 2019.

في محاضرتك حول موضوع سلطة المرأة في الإسلام (التي ألقيتها في جامعة جورجتاون - قطر عام 2012)، ذكرت أن المعارضة البطريركية لسلطة المرأة تأتي غالباً في السياقات الاجتماعية والسياسية وليس السياقات الدينية. كيف توضحين هذه الفكرة؟

فكرتي هي أنه على عكس ما يعتقده الكثيرون، لا يتحكم الدين وحده بوصول المرأة إلى السلطات السياسية، بل لعل النظام السياسي البطريركي هو من يسعى بقوة لحرمان المرأة من المشاركة في المجال العام والنشاط السياسي. أدرك أن الدين والسياسة عاملان أساسيان بالقدر نفسه، لكني أعتقد (بإلهام من بسوفوكليس)، أننا نحتاج إلى درجة من الفصل بين الدين والسياسة (الحكومات)، ما يسمح للناس بالجمع بين الحفاظ على عقيدتهم وخصوصية ممارستها، وفي الوقت نفسه أداء أدوارهم كمواطنين في المجال العام.

إن وظيفة النخب السياسية هو تأدية واجباتهم في الحكم مع السماح بدرجة من الاستقلال الشخصي/ الأسري والحرية الفردية. بعبارة أخرى، لا ينبغي أن تكون وظيفة الحكومة هي ممارسة السلطة على خيارات الناس وطريقة حياتهم في مساحاتهم الخاصة.

لقد استخدمت النص الديني في حجتك للدفاع عن حقوق المرأة في السلطة. ما هي أهمية هذا الخطاب؟

أعتقد أن أهمية ذلك تنبع من مكانة القرآن العليا كمصدر للحكم والشريعة عند المسلمين- وبالتالي من المهم العودة إلى ما ينص عليه عن المرأة والسيادة والقيادة، ولهذا السبب يبدأ الكتاب بالقصة الرائعة لملكة سبأ.

يمنح فيلمك الوثائقي النساء الإيرانيات، اللائي قررن الترشح للرئاسة عام 2001، فرصة للتعبير عن أنفسهن لإثبات أنهن بالفعل مؤهلات لهذا المنصب. كيف تم استقباله، خاصة بين جمهورك النسائي؟

لقد لاقى استحساناً بشكل عام، ولا سيما خارج إيران! لم تسنح لي الفرصة لعرضه في إيران إلا مرة واحدة وكان ذلك في ظل رئاسة السيد خاتمي وفي تجمع كبير بمناسبة مهرجان فروغ السينمائي. للأسف، وجدت رفضاً صريحاً عند بعض النساء الإيرانيات -وكذلك الرجال لجهود تلك النساء وتجاهلاً لثقتهن بأنفسهن، لكنهم رددوا عبارة "حين لا يستطيع الرجال فعل أي شيء، فما الذي يمكن أن تفعله المرأة".

لكن عرضه بالنسبة للجمهور الأمريكي وغيره من خارج إيران، بما في ذلك في لاهور، باكستان، دلهي، والهند، كان تعليمياً ومفيداً وجعلهم يدركون أن ارتداء النساء للحجاب لا يفقدهن قيمتهن أو استقلالهن أو سلطتهن على عقولهن.

شهلا حائري: لقد أوضح فيلم "السيدة الرئيس"، من خلال مقابلات مع المرشحات الرئاسيات في إيران، للجمهور الأمريكي والغربي أن ارتداء النساء للحجاب لا يفقدهن قيمتهن أو استقلالهن أو سلطتهن على عقولهن

لنترك الحديث عن الحجاب ونتحدث عن النساء المهنيات

يعرض كتاب "لا عار للشمس" ست مقابلات تعرّف القراء على فئة من النساء المسلمات نادراً ما يتم الحديث بها في الغرب.

يهدف الكتاب إلى تسليط الضوء على وضع المرأة المسلمة المتعلمة في باكستان من خلال الصراعات التي تعيشها والشروط الاجتماعية المحيطة بها، كمحاولة الوصول إلى حلول وسطية مع الأسرة والمجتمع بينما يواجهون العنف وقواعد الزواج القديمة ومدونات السلوك الراسخة محلياً. تتحدث تلك النساء عن كرامة الإنسان والمساواة بين الجنسين والعوامل الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وعن النسوية والتطرف الديني.

في كتابك "لا عار للشمس" حاولت تغيير الصورة النمطية للمرأة المسلمة المحجبة المظلومة والسلبية. من كان جمهورك؟ وهل حقق الكتاب مقاصدك؟

عندما قررت البدء بكتابي عن النساء الباكستانيات المهنيات، كنت قد سئمت من الخطاب الكولونيالي المسيطر الذي يصور "النساء المسلمات" بمكانة دنيا كعناصر غير فاعلة أو مستقلة. كان الأمر كما لو أنهم لا يمكنهم النظر لنا بشكل مستقل وغير نمطي، مع كل اختلافاتنا الثقافية والتاريخية برغم القواسم الدينية المشتركة.

لا يهم ما إذا كان الحديث عن نساء من مجتمع معين، إيران مثلاً، أو من حقبة تاريخية محددة، أو خلفيات تعليمية وطبقية معينة، في النهاية دائماً ما يتم تنميط جميع النساء المسلمات ضمن قالب واحد وثابت تنشره وسائل الإعلام وبعض الكتب "البحثية". وهذه الصورة النمطية عن المرأة المسلمة التي كانت شائعة -ولا تزال إلى حد ما- صعبة التغيير ولكنها تحتاج إلى المواجهة.

تحاول شهلا حائري في كتاب "لا عار للشمس" تحطيم الأطر النمطية الكولونيالية للمرأة المسلمة من خلال الإضاءة على الحياة المهنية للنساء الباكستانيات ومشاركتهن العملية الفاعلة في مجتمعاتهن 

أردت أن أسلط الضوء على أوجه التشابه والاختلاف بين النساء المهنيات في ما يسمى الشمال والجنوب العالمي، من خلال مثال باكستان. فأظهرت كيف تشارك النساء المسلمات المحترفات مع أسرهن ومجتمعاتهن والبنى السلطوية الأخرى لجعل حياتهن وحياة أسرهن ذات مغزى؛ وأنه حتى لو كانت النساء يرتدين الحجاب أو كن متدينات، فإن هذا لا يعني أنهن يفقدن عقولهن أو أنهن يتصرفن كتابعات وفقاً لبعض القواعد البطريركية.

عندما نُشر كتابي في باكستان عام 2002، بدأ عدد قليل جداً من الناس -أعني علماء العالم الإسلامي- يتحدثون عن النساء المهنيات. فبينما ركزت معظم المواضيع على "جرائم الشرف" و"تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية" والحجاب ومواضيع مشابهة، لم يتم الحديث عن أي ما يتعلق بالنساء المتعلمات والمهنيات والحرفيات والناشطات من العالم الإسلامي.

تم اختيار هذا المنظور وخط البحث في النهاية من قبل الآخرين، ونرى أنه بحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لم يعد من الممكن تجاهل أو نسيان النساء المسلمات المتعلمات والمهنيات -لا من قبل الغرب ولا داخل بلدانهم. ولكن بالطبع، لا زال هناك الكثير من العقبات التي يجب التغلب عليها.

زواج المتعة

في "قانون المتعة: الزواج المؤقت عند الشيعة في إيران"، أجري بحث ميداني حول زواج المتعة عند الشيعة الإثني عشرية الذين يعيشون في الغالب في إيران. يصف الكتاب مفهوم عقد الزواج المؤقت، حيث يقرر الرجل والمرأة غير المتزوجة (عذراء أو أرملة أو مطلقة) مدة الزواج (من ساعة واحدة إلى تسعة وتسعين عاماً) ومقدار المال الذي يعطى للزوجة المؤقتة.

شهلا حائري: المشكلة الأساسية مع زواج المتعة لا تكمن في صيغته المؤقتة، وإنما في  جواز تعدد الزوجات، الذي يعطي ترخيصاً غير مشروط للرجال ولكنه يقيد النساء

وبهذا يتيح الكتاب معرفة ببيانات غير مسجلة أو موثقة من قبل حول مؤسسة تتلاقى فيها الممارسات الجنسية والقواعد الأخلاقية والشرائع الدينية والقوانين العلمانية والممارسات الثقافية. بالاعتماد على عدد غير قليل من المقابلات، مع النساء والرجال والشخصيات الدينية، يتعرف القراء على آراء متناقضة حول زواج المتعة.

وبينما نجد أن غالبية الرجال دافعوا عن هذه المؤسسة، أدانت معظم النساء وضعها القانوني والاجتماعي الحالي في إيران ووجدنه مهيناً لهن. اعتبرت بعض النساء (معظمهن من الأرامل والمطلقات) أن هذه الزيجات مصدر دخل، في حين فضلت نساء أخريات زواج المتعة بغرض المتعة الجسدية فقط.

هل تعتقدين أنه إذا نظمت قوانين للزواج المؤقت من قبل الدولة تضمن حقوق المرأة كزوجة شرعية، فقد يكون شكلاً مقبولاً للزواج حتى لو كان زواجاً مؤقتاً وسرياً؟

أعتقد أن المشكلة تكمن في انعدم المساواة القانونية الجذرية بين الرجال والنساء. يسمح للرجال، سواء كانوا متزوجين أو غير متزوجين، قانوناً بأن يتزوجوا العديد من زوجات المتعة، مبررين ذلك على أساس "طبيعتهم" وحاجاتهم الجنسية التي لا يمكنهم التحكم بها. وبالمقابل، لا يمكن للنساء عقد زواج متعة إذا كن متزوجات.

  لذا، من الناحية الهيكلية والقانونية، تكمن المشكلة الأساسية في جواز تعدد الزوجات، الذي يعطي ترخيصاً غير مشروط للرجال ولكنه يقيد النساء. أما إذا تمتع كلاهما بنفس الحق، وإذا كان الزواج بين رجل وامرأة واحدة، فيمكنهما أن يقررا شكل عقد الزواج سواء كان "دائماً" أو "مؤقتاً".

تعقد الزيجات المؤقتة باعتبارها واجباً دينياً لكبح جماح الفرد عن الجنس المحظور أو لضبط الجنس باتفاق شفهي، كيف يمكن لدراستك الأنثروبولوجية أن تدق ناقوس الخطر بخصوص الأخطار الاجتماعية والمادية والطبية لمثل هذه المؤسسات؟

آمل أولاً أن تجعل هذه الدراسة الناس على دراية بتاريخ وقانون وممارسة هذا الزواج. هذا هو الترتيب الأول للعمل. ثانياً، أرجو أن تبرز التناقضات والصراعات بين ما ينص عليه قانون المتعة وما يفعله الناس. وبين نسب هذا الزواج إلى تشريع "إلهي"، والتقوى المنافِقة للرجال الذين نصبوا أنفسهم كمفسرين للقانون؛ والتلاعب المخزي بشروطه من قبل بعض الأفراد عديمي الضمير.

هل تجدين أن وضع المرأة قد تغير بشكل ملحوظ منذ صدور الكتاب؟

لقد تغير الكثير ولكن ليس بالضرورة إلى الأفضل. أصبحت النساء والعديد من الرجال أكثر وعياً بطبيعة الأنظمة الأيديولوجية التي يعيشون في ظلها؛ والعلاقة القاسية غير المتكافئة بين الرجل والمرأة في الزواج والقيود الهيكلية المفروضة على المرأة المتزوجة.

 ربما لهذا نرى ارتفاع معدل الطلاق في إيران وارتفاع سن الزواج الأول، وانخفاض معدلات الزواج بالعموم. وهذا ما يثير استياء الدول التي تواجه مثل هذه المواقف، فتضاعف من سياساتها القاسية لفرض أيديولوجية معينة وإلزام الناس بالانصياع لها. لكن الكثيرين لم يعودوا مستعدين لتحمل مثل هذه المظالم والإهانات. والبعض تمرد على مؤسسة الزواج أو العيش مع فرد من الجنس الآخر، ضد منظومة الدولة "الأخلاقية"، مما أدى إلى مزيد من العنف ضد المرأة.

تجارب شخصية مُثرية

بعد أن عشت فترة في إيران وباكستان أثناء بحثك، قلت إنك تفكرين في الشرق الأوسط كبيئة محتملة للبحث. ما الذي يجعل المنطقة مثاراً للاهتمام بالنسبة لباحثة الأنثروبولوجيا؟

في البداية، كانت هذه الأحياء بمثابة ساحة تجارب- لعلماء الأنثروبولوجيا الأوائل وعلماء الاجتماع والمؤرخين الذين "درسوا" هذه المجتمعات وادعوا "معرفة" بجميع جوانبها: الجنس والاقتصاد والسياسة، الدين، إلخ.

لذلك، نحن كأفراد متعلمين في هذه المجتمعات علينا مراجعة هذه الدراسات، والحفاظ على حس نقدي، وإضفاء روح جديدة تلقي نظرة أكثر قرباً لتصحيح الدراسات السابقة ووضع الأمور في نصابها وتقديم الجديد -الذي نأمل أن يكون أكثر دقة.

لقد عملت سابقاً كمديرة لبرنامج الدراسات النسوية في جامعة بوسطن. كيف تصفين هذه التجربة؟

كانت شيقة للغاية، وتعليمية، ومثمرة. كنت أول مديرة لبرنامج الدراسات النسوية الذي تم إنشاؤه رسمياً في جامعة بوسطن. كان عليّ أن أبدأ من الصفر. وبرفقة اثنين من المدرسين المتفرغين ومدرس بدوام جزئي، ومساعد مكتب، وباحث زائر، تمكنا من تحويل البرنامج إلى محط انتباه لهيئة التدريس والناشطين من الطلاب.

لقد ولدت ونشأت في إيران ويمكن القول إنك انتقلت من هذه الثقافة المحافظة إلى الولايات المتحدة وحدك في سن صغيرة للالتحاق بالجامعة. هل دعمت عائلتك قرارك بالدراسة في الخارج؟

عندما جئت إلى الولايات المتحدة، كانت إيران تمر بتغيرات سريعة وكان هناك الكثير من الانفتاح. تعتبر عائلتي -الأسرة الكبيرة- متحررة نسبياً وتقدمية فيما يتعلق بتعليم المرأة. فالعديد من النساء في عائلتي حاصلات على درجة الدكتوراه.

قدمت والدتي دعماً كبيراً، وكذلك كان والدي. بدا الجميع سعداء لأن الفرصة أتيحت لي للحصول على التعليم في الولايات المتحدة. لكنهم توقعوا أيضاً أن أعود إلى إيران، وأواصل حياتي المهنية فيها. وهذا ما لم يحدث!

بعد وصولك إلى بوسطن في الستينيات، قررت دراسة علم الاجتماع بدلاً من الطب، ثم تحولت إلى الأنثروبولوجيا الحضارية. ما هي أسباب قيامك بهذه الاختيارات؟

كانت مثيرةً للاهتمام. عندما أصبحت أكبر سناً، أصبح والدي يصحبني أحياناً إلى تجمعات الجبهة الوطنية التي كان عضواً فيها. انخرطت في السياسة في وقت مبكر من حياتي، وعند قدومي إلى الولايات المتحدة في عام 1968، كان من الطبيعي بالنسبة لي أن أهتم بالحركة النسائية والقضايا النسوية. أرادت والدتي أن أصبح طبيبة، ولكني أدركت مدى صعوبة الالتحاق بكلية الطب، خاصة وأنني بالكاد أتحدث اللغة.

اليوم، بعد أن أصبحت قصص النساء عن القمع وكذلك عن النجاحات تحت الضوء في الشرق الأوسط، ما الذي ترينه في الأفق لنساء الشرق الأوسط والنساء المسلمات في العالم؟

الوعد بمستقبل مشرق موجود -ليس فقط للنساء ولكن للمنطقة بكاملها، بشرط أن يفكر أصحاب السلطة -رجالاً ونساءً- في مصالح الناس بدلاً من تفكيرهم بتعزيز قوتهم في مناصبهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard