بؤرة جديدة للحرب الباردة… مياه السودان الإقليمية ساحة للمنافسة الدولية

الأربعاء 3 مارس 202105:08 م

بفاصل زمني مدته 24 ساعة تقريباً، استقبلت موانئ السودان المطلة على البحر الأحمر، سفناً حربية روسية وأمريكية، في ظل أحاديث متبادلة عن تعاون عسكري بين الخرطوم وموسكو من جهة، والخرطوم وواشنطن من جهة أخرى.

المربك في هذه الزيارات ليس الفاصل الزمني القصير بينها وحسب، إنما تساؤلات مستحقة في الشارع السوداني عن أهداف القوى العظمى من القدوم لبلادهم.

أهمية إستراتيجية

الحضور الأمريكي والروسي للبحر الأحمر ينبع من الأهمية الإستراتيجية لذلك الممر الملاحي الحيوي، لكونه الطريق الرئيسي الذي يمر من خلاله النفط الخليجي والإيراني إلى أوروبا وأمريكا.
فضلاً عن كونه حلقة وصل بين ثلاث مناطق إقليمية هامة وهي: الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والمحيط الهندي ومنطقة الخليج.
وللساحل السوداني على البحر الأحمر الممتد بطول 750 كم، أهمية خاصة، كونه يتوسط المسافة بين قناة السويس ومضيق باب المندب، ويطل على السعودية أكبر دول الخليج العربي.
لذا لا غرو أن تشهد سواحله صراعاً في محاولة لفرض النفوذ العسكري من قبل أطراف عدة مثل (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، إسرائيل، بريطانيا) على إقامة قواعد الحماية والردع والإمداد السريع.

الاتفاق الروسي

إرهاصات الحضور الروسي للشواطئ السودانية على البحر الأحمر بدأت في عهد الرئيس السابق عمر البشير، الذي توجه إلى روسيا طالباً الحماية من التصرفات العدوانية للولايات المتحدة. وذلك أثناء اللقاء الذي جمعه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بمنتجع سوتشي في العام 2017 والذي صرح فيه: "أن الوضع بالبحر الأحمر يثير قلقنا، ونعتقد أن التدخل الأميركي في تلك المنطقة يمثل مشكلة أيضاً، ونريد التباحث في موضوع إقامة قاعدة روسية هنا".

الخطوة الأكبر في توطئة الأقدام الروسية في مياه السودان أتت في نهاية العام 2020 حين وافق رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان على الطلب الروسي بإقامة قاعدة عسكرية على شواطئ مدينة بورتسودان بالبحر الأحمر وصفت بأنها "قاعدة دعم لوجستي عسكري" تكون قادرة على استيعاب أربع سفن دفعة واحدة، بما فيها سفن نووية، لأغراض الصيانة والإصلاح وإعادة التموين. وفي المقابل يحصل السودان على أسلحة وذخائر ومعدات عسكرية لفترة تمتد 25 عاماً.
الحضور الأمريكي والروسي للبحر الأحمر ينبع من الأهمية الإستراتيجية لذلك الممر الملاحي الحيوي، لكونه الطريق الرئيسي الذي يمر من خلاله النفط الخليجي والإيراني إلى أوروبا وأمريكا
"هذا الاتفاق الذي أبرمته السودان مع روسيا هو الذي أثار شهية الأمريكيين للقدوم الى المنطقة"، هكذا يستهل حديثه العقيد الصورامي خالد سعد مع رصيف22 ويضيف: "نحن نتحدث هنا عن قاعدة دعم لوجيستي وليس قاعدة عسكرية بالمعنى الحربي ولن يسمح بوجود أكثر من 350 فرداً ما بين ضباط وجنود. إلا أنها تظل بالأخير قاعدة روسية".
موسكوفسكي كومسوموليتس الخبير العسكري الروسي أوضح في حوار مع قناة روسيا اليوم أنه من الوارد طبعاً إنشاء القاعدة استعداداً لإنشاء قاعدة كبيرة مستقبلاً للبحرية الروسية في المنطقة الإفريقية. لكن حتى الآن سوف تستخدم في تجديد الاحتياطات وإصلاح السفن الروسية عوضاً عن الذهاب الى قاعدة طرطوس العسكرية في سورية.  
هذا وقد كشف مصدر دبلوماسي فضل حجب إسمه عن وجود تباين في وجهات النظر بين الجانب السوداني والروسي في ما يتعلق بتحديد مكان إنشاء القاعدة الروسية على ساحل البحر الأحمر حيث ترغب روسيا في إنشاء قاعدتها جنوباً بالقرب من بورتسودان، فيما ترى القوات المسلحة أن أفضل منطقة هي شمال بورتسودان، أبعد من منطقة عروس (المنطقة التي شهدت ترحيل اليهود الفلاشا إلى إسرائيل في حقبة الجنرال جعفر النميري). لافتاً إلى أن وجود قواعد عسكرية على البحر الأحمر يعني رقابة عالمية على أي حركة في البحر الأحمر .

وصول القوى العظمى إلى مياه السودان

الصورة نقلا عن الصفحة الرسمية للقوات المسلحة السودانية

في 28 شباط/فبراير الماضي وصلت الفرقاطة الروسية أدميرال جريجوروفيتش الي قاعدة بورتسودان بالسودان، وكان في استقبالها قائد الأسطول البحري بحضور الملحق العسكري والقنصل بالسفارة الروسية. وهو ما أثار تساؤلات عدة، وتصاعدت بعد وصول المدمرة الأمريكية في اليوم التالي مباشرة.
وقد اكتفت القوات المسلحة السودانية بتصريح مقتضب عبر صفحتها الرسمية بفيسبوك واصفة فيه دخول الفرقاطة الروسية الى المياه الإقليمية السودانية، بأنه واحد من النشاطات المعتادة في العلاقات الدبلوماسية بين القوى البحرية العالمية وتقليد متبع بين الجيوش.
وفي الأول من أذار/مارس 2021 - أي بعد يوم واحد من وصول الفرقاطة الروسية - دخلت المدمرة الأمريكية ( يو اس اس ونستون) ميناء بورتسودان في زيارة تعد الأولى من نوعها لسفينة امريكية للموانئ السودانية منذ عام 1996 عقب انقطاع العلاقات العسكرية بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية مع بداية فرض العقوبات الأمريكية على السودان .
وقال القائم بالأعمال الأمريكي براين شوكان لدى الخرطوم: "تظهر هذه الزيارة التاريخية دعم الولايات المتحدة للانتقال الديمقراطي في السودان ورغبتنا في عهد جديد من التعاون والشراكة مع السودان".
تبين المعركة على ساحل البحر الأحمر حجم الصراع الأمريكي الروسي حول النفوذ، ولكنها في نفس الوقت تعكس الصراع الخفي بين المدنيين والعسكريين في السودان
وقال الباحث في شؤون منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، أحمد عبد الحليم، لرصيف22 إن مساعي الروس لبناء منشأة بحرية بالبلاد أمر كان من المتوقع أن يثير حفيظة الولايات المتحدة للتحرك السريع لقطع هذا الطريق أو الحد من أخطاره من خلال الوجود اللصيق في بورتسودان وضواحيها، وذلك بتجسير العلاقات العسكرية مع السودان واستغلال سواحله من قبل البحرية الأميركية، إلى جانب لعب كروت إدماج الخرطوم في المجتمع الدولي بعد عقود العزلة الطويلة، مع تقديم حزم دعم مالي للاقتصاد المحلي المتهالك.
ويرى عبد الحليم أن الساحل السوداني يوفر للولايات المتحدة سانحة تجارية لتعزيز النفوذ الاقتصادي الأمريكي على حساب الصين والاقتصاديات الناهضة في آسيا، وومنصة إستراتيجية لتأمين القواعد الأمريكية وضمانة لرعاية الجنود والرعايا الأمريكيين في المنطقة، وعيناً لمراقبة أنشطة إيران وحلفائها في اليمن ولبنان وقطاع غزة، ومحلاً مهماً لحماية مصالح الحلفاء الخليجيين.
لكن الملازم أول عمر عبد العزيز، له رأي آخر. فهو يعتقد أن الوجود الأمريكي ضار بالمصالح العسكرية السودانية بمنطقة البحر الأحمر. يقول لرصيف22 إن مساعي الولايات المتحدة لقطع الطريق أمام روسيا في بورتسودان محاولة بائنة لنقل الحرب الباردة للأراضي السودانية، وبالتالي سيكون على السودان اتخاذ مواقف واضحة حيال هذه المسألة، ما يشي بخسارة أحد الطرفين، أسوة بما جرى لتركيا، التي تدفع ثمن لعبها على كل الحبال حالياً.
وأضاف: "فرص تطوير الجيش السوداني مع الروس، أكبر مما هي عليه مع نظرائهم الأمريكيين، خصوصاً بعد التعهد الروسي بنشر مظلة دفاع جوية لصالح البحرية السودانية ببورتسودان"، ويختم الجل حديث: "معظم العسكريين وأصحاب الخلفيات العسكرية تجدهم ميالين للتحالف مع روسيا".

مخاوف الشارع السوداني 

الظهور المفاجئ والقوي للاساطيل الامريكية والروسية في السودان أثار مخاوف شعبية كبيرة عبّر عنها المغردون على صفحات التواصل، قلقين من إمكانية تحول مياههم الدولية إلى منطقة ملتهبة، جراء حروب النفوذ القائمة حالياً.

أحمد عبد الحليم المحلل السياسي يحذر من استضافة القاعدة الروسية، كونها تضع السودان في محل استهداف من قبل المناوئين للتدخلات الروسية بالمنطقة، وقد يتم هذا الأمر إبان رسو سفن قادرة على حمل رؤوس نووية، ولك أن تتخيل حجم الكارثة ساعتئذٍ (بحسب تعبيره).
في المقابل، يقول الملازم أول عمر عبد العزيز إن فرضية ضرب السواحل السودانية في حال استقبال السفن والقواعد الأمريكية تعد أكبر، ويذكّر بحادثة الاعتداء على المدمرة الأمريكية كول في ميناء عدن العام 1998.
بيد أن الخبير الإستراتيجي طارق محمد عمر حاول أن يقلل من تلك المخاوف بالقول إنه لم يرصد حتى الآن احتكاكاً عنيفاً ومباشراً بين الولايات المتحدة وروسيا برغم منافستهما على زعامة العالم، وهو ما يطمئن نسبياً. لكنه يعود ويرهن ذلك الاطمئنان بأن يصيغ الجانب السوداني عقوداً عالمية وليس تعاقدات محلية تضع فيها شروطها.

ختاماً

تبين المعركة على ساحل البحر الأحمر حجم الصراع الأمريكي الروسي حول النفوذ، ولكنها في نفس الوقت تعكس الصراع الخفي بين المدنيين والعسكريين في السودان. ففي وقتٍ تسعى الإدارة الأمريكية لدعم القادة المدنيين، يميل العسكريون إلى تأمين ظهورهم بالروس طمعاً في حق النقض (الفيتو) في حال قررت إدارة بايدن ملاحقتهم في المحاكم الجنائية بتهمة التورط في فض اعتصام القيادة العامة.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard