آثار الشرق المنهوبة... من خزينة داعش إلى بيوت جنود أمريكيين

الاثنين 23 مارس 202003:48 م

بعد الانتهاء من العمل، وأخذ استراحة في أحد مقهيين أتناوب عليهما بشكل شبه يومي، أصل إلى البيت مساءً وبشكل تلقائي أقلّب قنوات التلفاز لأرسو كالعادة على قناة "فرنسا الثانية" التي أخصّصها لسماع الأخبار المسائيّة، وبعد الاستماع إليها حتى نهايتها، وقبل أن تشتعل فتيلة المسلسل التلفزيوني الفرنسي المملّ الذي يبدأ مباشرة بعد الأخبار، أهرب بسرعة إلى قناة "آرتي" التي أتابع عليها برامج ثقافيّة متنوّعة وأفلام وثائقيّة عن البشر والحيوانات وأمّهما الغاضبة الأرض، وأتابع عليها الأفلام أيضاً سواءً كانت فرنسيّة أم أجنبيّة.

مساء الخميس الفائت عدتُ إلى البيت بعد التاسعة مساءً، وحين أشعلتُ التلفاز باحثاً عن "فرنسا الثانية" كانت الأخبار قد ولّت، ووقعتُ بمحض الصدفة التي تكفلها العادة، على حلقة جديدة من البرنامج التلفزيوني envoyé spécial المعروف في فرنسا بتحقيقاته الصحفيّة الجادّة والشيّقة، والمثيرة للكآبة أيضاً على رأي زميلتي في العمل، لما يكشفه من حقائق صادمة ومفاجئة، وهي بالمناسبة مُحقّة بذلك.

فيتناول هذا البرنامج التلفزيوني، قضايا ومواضيع شائكة، مثل احتيالات لأفراد في مناصب رفيعة، أو تحقيق عن الآثار الصحيّة الخطيرة لاستخدام المواد الكيميائيّة في الزراعة، أو تحقيق عن استغلال عمّال مصانع النسيج في الدول الأسيويّة من قبل الماركات الأوروبيّة، ويطرق أيضاً أبواب الشركات الفرنسيّة والهاربين من الضرائب في الخارج، إلخ. حتى أنّ كاميراتهم وصلت غزة في أحد تحقيقاتهم للكشف عن ممارسات جنود الاحتلال الإسرائيليين، وقد أسعدني ذلك التحقيق لكنه لم يشفِ غليلي تماماً، فلم يذهب بعيداً، كما كنت أتوقع، في نقدهم ودحض روايتهم.

وتبقى إجمالاً برامج وثائقيّة وتحقيقات جديّة متأنيّة بهامش حرية مُلفت بل متقدّم كثيراً في بعض المواضيع. وقد انطلق هذا البرنامج التلفزيوني عام 1990 وتقدمّه الآن الصحافيّة إليز لوسيه.

وعادة ما تتبع هذا البرنامج المُتلفز مقابلةٌ مع مختصّين في الموضوع الذي يتمّ إثارته في تحقيقاتهم التلفزيونيّة، للتوسّع والتعمّق في مناقشة القضيّة المطروحة. ويخطر ببالي وأنا أشاهده أنّه من الصعب إيجاد برنامج على هذا المستوى من الشجاعة والعمق والقدرة على المواجهة في كشف قضايا المجتمع في إعلامنا العربي، وفي طريقة تناوله وقدرته على الوصول إلى المعلومات مهما استعصى الوصول إليها أحياناً.

أما موضوع البرنامج هذه المرّة فكان Les antiquités de sang، ويقابلها بالعربية "الآثار المنهوبة"، لكنّ الترجمة الحرفيّة للعنوان الفرنسيّ هي "آثار الدَّم". واستخدام مفردة "الدّم" هنا للتدليل على الآثار التي نهبتها داعش لتمويل حروبهم وجرائمهم في العراق وسوريا وليبيا، أي استغلال هذه الآثار لتمويل عمليات القتل والمجازر. وقد شكّلت أحد مصادر الدخل الرئيسيّة لعمليّاتهم، حتى أنهم عيّنوا مسؤولاً بما يعادل وزيراً لتولّي هذه المهمّة.

قُدّر الدّخل السنويّ لداعش من عمليّات النّهب للآثار في أماكن النّزاع في الشرق الأوسط، خاصة خلال السنوات السابقة قبل أن تنحسر مناطقهم، بين 100 إلى 150 مليون يورو سنويّاً

ويبدو أمراً سرياليّاً تخيّلُ أنّ مهمّة هذا الشخص ليس الحفاظ على الآثار بل سرقتها وتهريبها وبيعها! ويقول التحقيق أن الدّخل السنويّ لداعش من عمليّات النّهب للآثار في أماكن النّزاع في الشرق الأوسط، خاصة خلال السنوات السابقة قبل أن تنحسر مناطقهم، يُقدّر بين 100 إلى 150 مليون يورو سنويّاً.

أمام مستنقع واسع من الحقائق المرعبة عن عمليات التهريب وبيع الآثار التي لا تقدّر بثمن، يكشف لنا هذا البرنامج المُتلفز في تقرير من ساعة واحدة تقريباً، وجاء على شكل complètement d’enquête "تحقيق إضافي"، وقد استغرق إعداده سنة ونصف، أنّ داعش ليست الناهب الوحيد لهذه الآثار؛ فيشترك في قضيّة الآثار المهرّبة والسوق السوداء للتحف القديمة شركاء آخرون لهم دورهم في هذا القطاع الذي يعتبر ثالثَ قطاعات التجارة السّوداء على مستوى العالم بعد قطاعيْ المخدّرات والأسلحة، كما أكّد "المبعوث الخاص".

أحد الأسئلة الرئيسيّة الذي طرحته هذه الحلقة هو كيف وصلت هذه الآثار المنهوبة إلى فرنسا وأوروبا؟ وكيف تمّ تبييضها وتسويقها وعرضها في المعارض وحتى في المتاحف المعروفة؟ من أجل هذا الغرض التقى الصحفيان اللذان قاما بإعداد هذه الحلقة من البرنامج بطالب الدكتوراه، مورغان بيلزيك، المحقّق الأركيولوجيّ، حسب ما جاء تقديمه، والأركيولوجيّ الأكاديميّ المُشرف عليه فنسنان ميشيل. وهما يعملان وينسّقان بشكل دائم مع شرطة الفنّ وشرطة الديوان الفرنسيّة لمساعدتهم في الكشف عن الأعمال الفنيّة التي سُرقت من أماكن الصراع والحروب، وخاصة سوريا وليبيا والعراق. وهذا بفضل تجربتهما الغنيّة وقدرتهما أحياناً على تخمين المناطق التي جاءت منها الآثار.

وتطرّق البرنامج الوثائقيّ إلى وعل برونزي قديم، يقدّر عمره بأكثر من ألفين عام ماضيّة، وكان جزءاً من مجموعة الأعمال الأثريّة المشهورة باسم " Al Thani"، وعُرض هذا التمثال في أكثر من معرض ومتحف في فرنسا واليابان. ولا يُعرف كيف تمّ الحصول عليه. وفي حين يؤكّد قيّم مجموعة التحف والآثار هذه أنهم حصلوا عليه بشكل شرعيّ، يرى "المبعوث الخاص" أنّ هذا التمثال وصل بطريقة غير شرعيّة ونتيجة تنقيب غير قانوني من اليمن. لكنّ الصعوبة تكمن في كيفيّة إثبات أنّ هذا ناتج عن عملية تنقيب غير قانونيّة، فمن الصّعب إثبات ذلك، فعرض فاتورة بسيطة يمكن أن يثبت ملكيّة صاحب هذا المنحوت.

وقد ذهب الصحفيّان إلى شرق ليبيا، حيث كانت داعش متواجدة خلال احتلالها لتلك المنطقة، وذهبا إلى بنغازي، وإلى مدينة "شحات"، ويطلق عليها أحياناً "قورينا"، التي تسمى بأثينا أفريقيا، ليكتشفا خارطة تهريب الأعمال الأثريّة من خلال تعاونهما مع الشرطة المحليّة هناك. فاكتشفوا أنّ الآثار تُسرق من قورينا، وتُنقل إلى مصر، ثمّ إلى الأردن، وإلى إسرائيل. وهذه الآثار بعد تهريبها تُباع، ثمّ يُعاد بيعها. ثم تُخرج لها شهادات مزيّفة في سلسلة التبييض هذه لتباع في النهاية لمالكين أوروبيين. بينما تذهب هذه الأموال في المحصلة، وفي كثير من الحالات، إلى داعش.

 الآثار تُسرق من قورينا في ليبيا، وتُنقل إلى مصر، ثمّ إلى الأردن، وإلى إسرائيل. وهذه الآثار بعد تهريبها تُباع، ثمّ يُعاد بيعها. ثم تُخرج لها شهادات مزيّفة في سلسلة التبييض هذه لتباع في النهاية لمالكين أوروبيين

ولكي تبدو الصورة جليّة، لنا أن نتصوّر هذه اللوحة المتخيّلة: لعبة يمسك بطرف خيطها الدواعش، ويمسك بالطرف الآخر منها مالكو التحف الأوروبيون، أو لنقل بعضهم! فالدّماغ يحتاج أحياناً إلى صور بسيطة دامغة من هذا النوع، كي يفهم ويستوعب جيداً ما يجري بالضبط!

وهذا ليس البرنامج الوثائقيّ أو التحقيق الصحفيّ الوحيد الذي تناول قضيّة الآثار التي تباع بشكل غير شرعيّ لجامعي الآثار والتحف في فرنسا، ويظهر بعضها في المزادات، وبعضها الآخر لدى أصحاب معارض، أو حتى في متاحف كبيرة في فرنسا. رغم أنّ الحصول أو الاستحواذ على الآثار والمنحوتات القديمة التي تأتي من بلاد تحت الحرب ممنوع بحكم القانون في فرنسا منذ العام 2016. وقدّم مدير متحف اللوفر السابق، جان لوك مارتينيز، بطلب من فرانسوا هولاند عام 2015، جملة من الإجراءات كخطّة شاملة من "خمسين اقتراحاً فرنسيّاً لحماية الآثار الإنسانية"، لمواجهة هذه القضيّة التي يتقاطع فيها الفن والإرهاب والتجارة، إضافة بالطبع إلى الانحطاط الأخلاقي! ففي الخطّة الشاملة التي تطرّقت إليها صحيفة الليبيراسيون الشهيرة، وتناولتها في مقال مفصّل، اقترح خلق "ملاجئ للآثار المسروقة" في المتاحف الفرنسيّة، ومنح هذه التحف "لجوءاً فنيّاً" في المتاحف التي ترغب بذلك، وإقامة "الملاجئ الاحتياطيّة" و"متاحف الحجز" التي يتمّ فيها حجز الأعمال الفنيّة المسروقة. وأيضاً استغلال "الميناءات الحرّة" التي أصبحت أيضاً أماكن حجز لهذه الأعمال الفنيّة التي تكون معفاة من الضرائب.

وطرح إمكانية إقامة "معارض في المنفى" للآثار المهرّبة. رغم أنّ عرض الآثار المهرّبة يطرح إشكاليّة أخلاقيّة وفنيّة حول عمليّة عرضها، فهل يملك المتحف الحق بذلك؟ ولا سيّما في ظلّ غياب المعلومات الكافية عن هذه القطع لتقديمها للمشاهدين أو معرفة من أيّ بلد أتت بالضّبط، وتمّ التنقيب عنها أيضاً وإخراجها من البلد الأصلي بشكل غير شرعي!

فالآثار المهرّبة تصبح لاجئة كالبشر، لها قدر مشابه لمصير اللاجئين، وهي تأتي من نفس البلد وتقطع المسافة ذاتها، ويتمّ تهريبها ربما بنفس الطريقة ومن قبل نفس المستفيدين، لتجد نفسها في النهاية بأوراق إقامة مؤقّتة أو دائمة. وهذه مصيبة أكبر، وربما بأسماء مزوّرة، وتاريخ مزوّر، في غرف مظلمة، وأخرى مضيئة مجهّزة معدّة لكل وسائل الدهشة.

استدعى هذا البرنامج صوراً أليمة أخرى راكدة في الذاكرة عن عمليّات النهب التي حدثت في المتاحف العراقيّة بعد عام 2003، خلال الاجتياح الأمريكي للعراق، وقد قُدّرت عدد التحف الفنيّة المسروقة، حسب ما ذكرته الصحف العربيّة بمائة وثلاثين ألف قطعة. وقد شارك في عمليّات النهب الجنود الأمريكيون أنفسهم الذين سطوا على الآثار وقدّموها هدايا شخصيّة لذويهم ولزوجاتهم، وجمعوها كتذكارات يعودون بها إلى منازلهم، تمجّد فترة بطولاتهم في العراق.

وعادت بعض هذه الآثار لاحقاً، بينما ضاعت عشرات آلاف التحف التي لم تعد أبداً، بينها "بطاريّة بغداد" التي أدهشت العلماء والتي فسّروها على أنها كانت أوّل جرّة بدائيّة لإنتاج الكهرباء في التاريخ، حيث كانت تُستعمل كما يبدو لطلاء الفضّة بالذهب، ولم تعد هذه الجرّة العجيبة أبداً. بالإضافة إلى خاتم نبوخذ نصر الذي ربما يقبع الآن في واجهة لامعة في بيوت أحد الجنود الأمريكيين!

بطاريّة بغداد

هناك محاولات في الدول العربيّة من قبل متطوّعين وأفراد شرطة محليّة لاسترداد وإيقاف عمليّات التهريب. لكنّ عمليّات النّهب ما زالت مستمرة حتى اليوم، وما زال بيع الآثار متواصلاً حتى الآن في سوريا والعراق وليبيا. فتُباع الآثار عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهذا ما أكّده "المبعوث الخاص"، مستخدمين عابرات مفتاحيّة ومختصرة في عمليّات البيع والشّراء التي تسرق ماضياً ثقافيٍّاً ثميناً من خلال شبكات افتراضيّة "للبيع والتسليم في تركيا"، أو "للبيع والتسليم في برلين". كأنّ الشرق أضحى متحفاً مفتوح الأبواب ينهبه ويدمّره قطاع من أبنائه، ومقاولو الفنّ في أوروبا، وجامعو التّحف، والمتواطئون من قيّمي المعارض والعاملون في حقول الفن؛ يتمّ تفريغه من كنوزه، ويُسرق بلا متابعة فاعلة وشافية.

أطفأتُ التّلفاز وكان عليّ الآن مهمة أخرى أصبحت في غاية الصعوبة، هي الخلود إلى النوم، بعد كلّ هذه الحقائق التي تتجرّعها في أمسية واحدة، والصور الراكدة التي تطفو من الذاكرة. هذه آثار حُفظت في أمكنتها لقرون، ويتمّ التفريط بها في زمننا الحاضر. كنتُ أغمض عينيّ وأقول لنفسي: على هذا الجيل أن يتخيّل حجم الشتائم واللّعنات التي ستلقيها عليه الأجيال القادمة بكلّ سخاء!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard