خيار الأمومة والتخلّي عنه... بين عقر الزوج وتجميد البويضات والإجهاض

الخميس 4 مارس 202112:47 م

عقر زوجي وأمومتي

"في العام 1974 خرجت من غرفتي نحو الدار حيث كانت تجلس والدتي على البلاط وتحضّر لنا الطعام، لأنزع القماشة البيضاء عن رأسها وأضعها داخل كنزتي، أردت أن أقلّدها كما تفعل أغلب الفتيات مع أمهاتهنّ وأريها أنني حامل مثلها. كنت أبلغ من العمر ثماني سنوات، أنتظر خروج شقيقتي الصغيرة من داخلها، وبدوري أقف أمام المرآة وأتخيّل أن القماشة التي وضعتها على بطني ستكون يومًا ما طفلًا حقيقيًا أحمله بين يدي، لم أعرف الكثير من الأشياء حينها، لكنّي على الرغم من صغري عرفت أنني سأصير يومًا ما أمًا، كما كانت أمّي".
صادفت هيفاء (اسم مستعار – ربّة منزل- 55 عامًا) زوجها حين كانت تبلغ من العمر 22 عامًا، وتحكي أنه كان حبًا من النظرة الأولى: "كان يقف بملابسه الرسمية أمام الدكّان في الحي الذي نقطن فيه ويتحدّث مع شقيقتي. في طريق عودتنا إلى المنزل أخبرتها أنني سأتزوّجه".
بعد زواجها منه بسنة اكتشفت هيفاء أنه يعاني مشاكل في الإنجاب، فحيواناته المنوية ضعيفة وغير قادرة على اختراق جدار البويضة. "حاولنا لسنوات طويلة، وفي النهاية لجأنا للطب من خلال التلقيح الصناعي، في كل مرة وضع فيها الأطباء احتمال حمل أطفالي بداخلي، كان عليّ أن ألزم الفراش لشهر كامل كي يثبت الحبل، وفي كل مرة كنت أخسر الجنين. أقبع في السرير، لا أتحرّك، أصلّي وأتخيل نفسي أحمل طفلنا كما تخيلت في الصغر، إلا أن هذه الأمنية لم تتحقّق".
حاولت هيفاء مرّات عدّة، لكن فُرض عليها التخلي عن حلمها بالأمومة لأن عائلة زوجها اتهمتها بتبذير أمواله، لكن في الواقع حاولت العائلة تحريف الحقيقة عبرإلقاء اللوم عليها كي لا تمس رجولة زوجها: "تحملّت اللوم، واستسلمت تحت الضغط، اليوم وبعد مرور  أكثر من 20 سنة على محاولتي الأخيرة للإنجاب، أدرك كيف أن العائلة والمجتمع جعلاني أشعر بالذنب الاقتصادي، وكسراني كامرأة كي يحميا زوجي من عدم قدرته على الإنجاب، ولا يمكنني سوى أن أغضب، لأن خسارتي كانت مضاعفة، خسرت الأمومة، وخسرت معركتي كامرأة".  
"العائلة والمجتمع جعلاني أشعر بالذنب الاقتصادي، وكسراني كامرأة كي يحميا زوجي من عدم قدرته على الإنجاب، ولا يمكنني سوى أن أغضب، لأن خسارتي كانت مضاعفة، خسرت الأمومة، وخسرت معركتي كامرأة". 
 قبل أكثر 20 عامًا خسرت هيفاء معركتها مع المجتمع ولم تستحصل على حقّها بالأمومة، وبقيت في زواج مليء بالحب لكن لم يكتمل، كما تصفه، لأنها ساومت على الأمومة كي تبقى مع من تحب إذ من المعيب أن تطلب الطلاق، وفي الواقع لم يكن في يدها خيارات، فطلاقها كان سيعيدها إلى منزل عائلتها حيث لا تملك أي سلطة اقتصادية، المجتمع كان سيجلدها كمطلّقة ويحوّلها إلى "المرأة الأنانية والناكرة للجميل"، لأن الزوجة من واجبها أن تسند شريكها حتى لو عنى ذلك تخلّيها عن رغباتها الخاصّة. اليوم تخوض النساء معاركهن الخاصّة بأجسادهنّ ويواجهن الأعراف والقوانين والدين، و"رواد" هي واحدة منهنّ.

انتشلت أمومتي من المجتمع

تحكي رواد الزّير (مديرة قسم التمويل في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الكنغو – 39 عامًا) عن الأمومة من منظور الخيارات وليس القلق، ويعود هذا الأسلوب إلى قرار اتخذته قبل عام بتجميد بويضاتها، تقول: "لم أفكر يومًا بتجميد بويضاتي، لكن صديقة كندية لي كانت على وشك إجراء العملية وحين رأيت حماسها بدأت جديًا بالتفكير بالأمر. بقيت لمدة عام كامل أراجع خياراتي، وأزور طبيبي النسائي لفحوص دورية إلى أن أعلمني أنه في حال أردت اتخاذ خطوة التجميد، فالآن هو الوقت المناسب، وهذا ما فعلته".

لرواد أربع صديقات اتخذن القرار نفسه، ولاقت منهنّ الدعم: "في الحقيقة، كان هذا القرار خاصاً بي، لم أستشِر محيطي أو العائلة، لكن حين بدأت التحدث بعلانية عن قراري لم ألقَ معارضة أو دعمًا، لكنّي كسرت حاجزًا معينًا، إذ إني كنت قد لمست خجلًا عند صديقاتي من البوح بقرارهن، هذا الخجل لم يمسّني ولو للحظة واحدة، في نهاية الأمر هذا قراري كامرأة، وبما أن هذه التكنولوجيا متوفّرة لمساعدتي، فسأستخدمها".

كان لرواد علاقة زوجية استمرت 11 عامًا، وانتهت بالطلاق وعدم إنجابها للأطفال: "لدي مشكلة مبدئية وواقعية مع الأمومة المفروضة اجتماعيًا، فخلال فترة زواجي نصّب الناس أنفسهم حكمًا على أمومتي، في الأفراح وفي المآتم كانوا يقتربون مني ويسألون: "موصيتيلنا على شي؟" وكأن الطفل غرض يتم طلبه والتوصية عليه، تعامل الناس مع هذه الأسئلة الموجّهة نحو حياتي الخاصة وجسدي على أنها حق لهم. هذا التسلط جعلني أعطي ردود فعل. وافترض كثيرون أنني لا أريد أن أكون أمًا، وهذه ليست الحقيقة، في مراحل عدّة من حياتي أردت أن أحبل، ورأيت أنني جاهزة وأحزنني عدم إنجابي في الكثير من الأيام. لكن كانت هنالك ظروف اقتصادية، ومهنية أو صحية. وفي لاوعيي لم أكن أريد أن أنجب طفلًا في هذه البلاد. لطالما كنت مثالية في التعاطي مع كل ما هو امتداد لي من عملي وصولًا للعائلة، وفكرة إنجاب طفل تعني الكثير من المسؤولية، مسؤولية التعرّف على نفسي أكثر كي لا أنقل مشاكلي له، مسؤولية إعطائه حياة مناسبة من كل النواحي، مسؤولية حضوري التام، ومسؤولية عدم التعاطي مع نفسي كأداة للإنجاب فقط، ولهذا السبب لم يُنتج طفل من زواجي السابق، جزء مني أراد التأكد أن هذا الطفل سيأتي لأنني أنا الأساس، وليس لأنه من المتوقّع بعد سنوات محدّدة من الزواج، وبحسب المعايير الاجتماعية أن أكوّن عائلة".

بالنسبة لرواد موضوع الأمومة مثله مثل كل أمر آخر، هو إحساس وإرادة يتم بلورتهما مع العمر، لكن المساءلة تقع دائمًا على عاتق المرأة، والذنب تحمله هي وحدها وليس الرجل. كما أن خيار الإنجاب يعني في مجتمعنا الحصول على طفل لكن التخلّي عن كل ما هو في حياة المرأة أو تلقائيًا إعادة ترتيب كل أولوياتها، إذ يتم وضع الأمومة بمواجهة المهنة: "كلّما كنت أتقدّم مهنيًا وأحظى بفرصة جديدة كان يُطرح سؤال: ما بدك تجيبي ولاد؟  لكن الواقع يجب أن لا يكون هكذا، وهو مختلف في الخارج حيث أن هذه المعايير ليست ثابتة، لكنها تُفرض على المرأة في بقعتنا الجغرافية".

أفضل أن ألتقي بالرجل المناسب ليكون أوّلا شريكي وثانيًا أبًا، لكن في حال لم ألتقه، وكانت رغبة الأمومة حاضرة، فلدي خياراتي، وفي حال لم أستخدم بويضاتي، سأتبرع بها لنساء بحاجة لها لتحقيق أمومتهنّ، بشرط أن لا أعرف هويتهنّ".

بثّ قرار رواد بتجميد بويضاتها الراحة النفسية فيها، فهي ليست بحاجة لأن تساوم بعد اليوم من خلال علاقاتها أو عبر بحثها عن رجل بهدف إنشاء عائلة، فقرار الأمومة صار ملكها وحدها، وتشرح: "الكثير من النساء في محيطي ساومن على رغباتهن الخاصّة ومعاييرهن، وارتبطن برجال بهدف الإنجاب فقط. في الجلسات يتم جلدهنّ من قبل رجال يُعتبرون "متحرّرين" من القواعد الاجتماعية، ومن نساء أخريات أيضًا، لكن ما الخيارات في مجتمعنا؟ أنا كأمرأة بإمكاني اتخاذ قرار الإنجاب بمفردي عبر الاستعانة بحيوانات منوية من أحد أصدقائي أو من غرباء، لأنني أملك القدرة المادية، والقوة الاجتماعية، وجواز سفر فرنسياً سيعطي هوية ومستقبلاً لطفلي أو لطفلتي في حال قررت الإنجاب. بالطبع أفضل أن ألتقي بالرجل المناسب ليكون أوّلًا شريكي وثانيًا أبًا، لكن في حال لم ألتقه، وكانت رغبة الأمومة حاضرة فلدي خياراتي، وفي حال لم أستخدم بويضاتي، سأتبرع بها لنساء بحاجة لها لتحقيق أمومتهنّ، بشرط أن لا أعرف هويتهنّ".

تختم رواد حديثها عن الخيارات، وتحديدًا خيار الإجهاض، وتقول: "لديّ صديقات نادمات على قرار إجهاض اتخذوه قبل سنوات، لأنهن اليوم يردن أن يكنّ أمهات، لكن لا يمكن خلط الماضي بالحاضر، خيار الإجهاض كان القرار المناسب وقتها، أما خيار الأمومة اليوم فمنفصل عنه". 

الأمومة المؤجلّة

فكرة رواد الأخيرة تمثّل بجزء ما تجربة جومانا (اسم مستعار – 33 عامًا) قبل 10 أشهر. بعد سبع سنوات من علاقة مليئة بالحب، انتقلت جومانا مع زوجها إلى منزلهما، لتكتشف بعد ثلاثة أشهر أنها حامل. بالنسبة لها العائلة والأطفال يشكلون جزءًا أساسيًا من صورتها للمستقبل، لكنّها بكل بساطة لم تكن جاهزة لتصير أمًا، فقرّرت أن تنهي حملها: "بدأ القلق من خلال أسئلة صغيرة، مثل: أين سأضع سريره، البيت لا يتّسع لطفل، صرت أتخيّله/ها في أرجاء المنزل، وانتابني شعور الخوف والنّفور وجلد النفس لأني أرفض طفلي الذي صُنع مع رجل أحبّه كثيرًا ويدعمني في كل قراراتي، وهو سهّل الأمور ووضع كل القرارات عندي: هذا جسدك. هذا قرارك، أنا أحبّك أنت كيفما أردت أن تكوني، بإمكانك أن تكون أمًّا أو بإمكاننا الذهاب غدًا إلى عيادة الطبيب ووضع حد للحمل".

لم أخبر أحدًا من أفراد عائلتي، شعرت بالخجل، وعلمت أنهم لن يتفهّموا، الخجل لم ينبع من قرار الإجهاض، بل من عدم رغبتي أو حبّي للطفل

في أسبوع حملها الرابع، وبعد أن كانت قد قرّرت إبقاء الجنين، استيقظت جومانا وهي مصابة بنوبة ذعر وأدركت أنها ستختار الإجهاض: "لم أخبر أحدًا من أفراد عائلتي، شعرت بالخجل، وعلمت أنهم لن يتفهّموا، الخجل لم ينبع من قرار الإجهاض، بل من عدم رغبتي أو حبّي للطفل. طوال حياتي تم تعليمي أن الأمومة غريزة طبيعية وحين تبدأ بالحدوث سأفرح، ما اختبرته كان مغايرًا كليًا، أريد أطفالًا في المستقبل، لكنّي لا أريد هذا الطفل الآن بعد ثلاثة أشهر فقط من الزواج وفي بلد ينهار اقتصاديًا. لم أستطع أن أتخيّل حياتي بوجود طفل فيها لأنني بكل بساطة لست جاهزة".

في عيادة الطبيب وبعد إجراء عملية الإجهاض، استيقظت جومانا وهي تصرخ، وتردّد: "شالوا، يعني أكيد شالوا، ما في شي؟". وتشرح: "الحبل صار مرادفًا للرعب، أردت التأكد من انتهائه، عانيت لمدة أشهر من التغييرات النفسية والجسدية التي تبعته، لكن الراحة التي عادت إلى حياتي تجعلني أتأكّد يوميًا من صحّة قراري، الأمومة خيار وليست واجبًا". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard