قرار محكمة يشعل جدل "العودة"... متشددو إسرائيل يرفضون تجنيس من تهوّد خارجها

الثلاثاء 2 مارس 202104:31 م

في صفعة للتيارات الأرثوذكسية والمتشددة، أصدرت المحكمة الإسرائيلية العليا، في 1 آذار/ مارس، حكماً غير مسبوق بـ"الاعتراف" بالأشخاص الذين تحولوا إلى الديانة اليهودية عبر حركات التيارين الإصلاحي والمحافظ في إسرائيل، كـ"يهود يحق لهم أن يصبحوا مواطنين".

 

أشعل الحكم - الذي أعقب 15 عاماً من التقاضي- النقاش مجدداً حول "من هو اليهودي؟"، مانحاً انتصاراً مهماً للحركات الإصلاحية التي طالما هُمِّشت - كتيارات ليبرالية تمثل الغالبية العظمى من اليهود الأمريكيين - في "دولة اليهود".

 

وصدر الحكم في التماسين قُدما عامي 2005 و2006 من 12 شخصاً تحولوا إلى اليهودية عبر تيارات غير أرثوذكسية في إسرائيل، ورفضت الداخلية الإسرائيلية طلباتهم للحصول على الجنسية.

 

وبينما حكم ثمانية من أصل تسعة قضاة بالمحكمة الإسرائيلية العليا لمصلحة الملتمسين، قال الحاخام جلعاد كاريف، رئيس حركة الإصلاح اليهودية في إسرائيل: "إذا كانت إسرائيل تدّعي أنها دولة قومية للعالم اليهودي، فيجب عليها الاعتراف بجميع طوائف (الديانة) اليهودية وإضفاء المساواة والاحترام عليها".

 

الجنسية للمتشددين حصراً

حتى صدور الحكم غير النهائي بعد، احتكرت المؤسسة الأرثوذكسية المتطرفة، القوية، في إسرائيل المسائل الدينية لليهود الإسرائيليين، وأشرفت على طقوس دورة الحياة مثل مراسم الزفاف والدفن، واستخدمت نفوذها السياسي لكسب التأثير في مسائل عدة، من بينها الهجرة.

 

واليهود المتشددون هم حلفاء رئيسيون لرئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، ويتمتعون بقوة سياسية كبيرة. في حين أن التيارات اليهودية الإصلاحية والمحافظة، علاقتها متوترة بشكل متزايد معه منذ عام 2017 تحديداً.

 "يوحد العالم اليهودي" Vs يُحدث "انقسامات عميقة" في المجتمع الإسرائيلي… لماذا يرفض قادة سياسيون ودينيون في إسرائيل حكماً بـ"المساواة" بين الطوائف اليهودية؟

من شأن الحكم الأخير أن يقلل تلك السطوة بالقول إن الحكومة يجب أن تسمح للمتهودين عبر الحركات الليبرالية في إسرائيل بالحصول على الجنسية.

 

وورد في نص الحكم أن "اليهود الذين تحولوا أثناء إقامتهم في إسرائيل بشكل قانوني إلى مجتمع إصلاحي أو محافظ، يجب الاعتراف بهم على أنهم يهود"، مع إشارة إلى أن الحكم يتعلق فقط بمسألة الجنسية ولا يتعمق في الشؤون الدينية.

 

وفي حيثيات الحكم، تذرّع القضاة بأن "المجتمعات غير الأرثوذكسية التي اعتنق بها الملتمسون الديانة اليهودية هي مجتمعات قائمة في إسرائيل، وذات هوية يهودية مشتركة ومعروفة، وفي أطر محددة لإدارة اجتماعية. عملية اعتناق اليهودية في داخلها تتم من قبل هيئة دينية مخولة بذلك في المجتمع الذي تخدمه، وفقاً لمعايير ثابتة. هذه المجتمعات، كما حكمنا بالفعل، هي جزء من تيارات رئيسية لليهودية في العالم".

 

وفي السابق، اعترفت إسرائيل بتحولات التيارات الليبرالية التي جرت في الخارج. لكن هذا الحكم ينطبق على التحولات التي تجري داخل إسرائيل.

 

وبرغم أهميته، فإنه لا يحل المشكلات التي يواجهها الأشخاص المؤهلون للحصول على الجنسية بموجب ما يسمى "قانون العودة" الصادر عام 1950 والذي يُمكّن كل يهودي في العالم من الحصول على الجنسية الإسرائيلية لدى هجرته إليها. يظل هؤلاء الأشخاص لا يُعتبرون يهوداً بموجب القانون الديني.

 

بينما "قانون العودة" يقضي بمنح الجنسية لأي شخص لديه جد يهودي واحد على الأقل. يشترط القانون الديني أن تكون أم الشخص يهودية ليعتبر يهودياً. تبعاً لذلك، عانى عشرات الآلاف من الذين هاجروا إلى إسرائيل من التمييز عند السعي للحصول على خدمات دينية رسمية.

 

ومن نحو 300 شخص يتحولون إلى اليهودية سنوياً تقريباً عبر المحاكم الدينية الإصلاحية والمحافظة، هنالك قرابة الـ90% مؤهلين للحصول على جنسية إسرائيل مباشرةً بموجب "قانون العودة" لوجود جد يهودي في شجرة عائلتهم.

 

يخص الحكم النسبة القليلة الباقية من هؤلاء الذين يمنحون الإقامة المؤقتة ويحرمون من المزايا المالية والحوافز الممنوحة لجميع المهاجرين الجدد في إسرائيل.

 

اختلاف القادة حوله

أعقب صدور القرار جدل حاد واختلف بشأنه القادة الدينيون والسياسيون في إسرائيل. ففيما يقول المدافعون إن القرار يؤثر بشكل مباشر على نحو 30 شخصاً في السنة فقط، بينهم أزواج مواطنون إسرائيليون، أشار مؤيدون ومعارضون على السواء إلى أن له "رمزية أعمق بكثير".

 الحكم القضائي يضع التيارات الليبرالية على خارطة "التهويد". لكنه لا يُنهي التمييز ضد من لا يعترف القانون الديني بـ"يهوديتهم" 

صرحت نيكول ماور، المحامية التي مثلت حركة الإصلاح في الالتماسين، لوكالة أسوشيتد برس، بأن الحكم "يوحد العالم اليهودي". أما ديفيد لاو، أحد حاخامين رئيسيين في إسرائيل فقال: "من يصبح يهودياً في تحول إصلاحي أو شيء مشابه ليس يهودياً؛ لن يغير أي حكم من المحكمة العليا هذه الحقيقة".

 

وانتقد يتسحاق يوسف، الحاخام الأكبر لليهود الشرقيين في إسرائيل، القرار، واصفاً عملية التحول في المحاكم الإصلاحية والمحافظة بأنها "تزوير" يجلب "آلافاً من غير اليهود" إلى الشعب اليهودي.

ودان وزير الداخلية الإسرائيلي، أرييه درعي، وهو زعيم حزب شاس المتشدد، الحكم قائلاً إنه سيؤدي إلى "انقسامات عميقة" في المجتمع الإسرائيلي. ووعد الوزير المسؤول عن سياسات الهجرة بـ"إصلاح القانون لضمان عدم الاعتراف في إسرائيل إلا بالتحولات التي تتم بموجب القانون الديني الأرثوذكسي".

 

فيما اكتفى نتنياهو، المرشح لولاية جديدة في رئاسة الوزراء في السباق الانتخابي المزمع في 23 آذار/ مارس الجاري، بإعادة مشاركة تغريدة لحزبه، الليكود، يرى فيها أن القرار ينبغي أن يترك لـ "الشعب والكنيست".

 

واتفق معه نفتالي بينيت، زعيم حزب يمينا، ومنافسه على منصب رئيس الوزراء، قائلاً إن المحكمة العليا تجاوزت صلاحياتها وإن هذا شأن برلماني. وكتب عبر تويتر: "الاعتراف بطريق التحول في إسرائيل سيحدده ممثلو الشعب المنتخبون ديمقراطياً، وليس رجال القانون"، مبيّناً أن "إجراءات التحول" يجب أن تكون "مؤسسية في القانون".

 

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة الإسرائيلية طلبت تأجيل إصدار الحكم في القضية مراراً بداعي حل المسألة عبر التشريع. وخلصت المحكمة العليا إلى أنه "أصبح من الواضح أنه لا توجد فرصة لتسوية متفق عليها، ولا يوجد مسار تشريعي في الأفق. لذلك ليس لدينا خيار سوى إصدار حكم"، مشددةً على أن الحكم لا يمنع الكنيست من تشريع أحكام إضافية بشأن التحول بموجب قانون العودة في المستقبل.

 

على النقيض، رحب أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب يسرائيل بيتينو (إسرائيل بيتنا) صاحب الشعبية بين المهاجرين السوفيات السابقين، مغرداً عبر تويتر: "سيواصل حزبنا محاربة الإكراه الديني وسيحافظ على شخصية إسرائيل كدولة يهودية صهيونية ليبرالية".

 

كما أشاد يائير لبيد، زعيم حزب يش عتيد (هناك مستقبل)، بالحكم، داعياً إلى "الاحترام المتبادل" بين مختلف الطوائف اليهودية، وآملاً أن تسفر الانتخابات المرتقبة عن "حكومة عاقلة تنهي الوضع الذي تكون فيه إسرائيل هي ‘الديمقراطية‘ الوحيدة في العالم حيث لا توجد حرية دينية لليهود".

 

مع العلم أن عجز "الدولة اليهودية" عن تحقيق المساواة بين مواطنيها اليهود، يترافق مع تقارير حقوقية متجددة تنظر إلى التمييز الذي يحيا فيه الفلسطينيون سواء ممن بقوا على أراضيهم فأكرهوا على حمل الجنسية الإسرائيلية أو ممن يعيشون في مناطق الحكم الذاتي أو في الشتات. إذ يعاني فلسطينيو الداخل من التمييز بينما لا يسري "قانون العودة" الإسرائيلي على أصحاب الأرض الذين أجبروا على تركها منذ بدء "حرب التحرير" الإسرائيلية في أربعينيات القرن الماضي، إلى الآن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard