"الحاقدون موجودون في كلّ مكان"... صورة اليهودي في اللهجة التونسية

الثلاثاء 7 يوليو 202003:59 م
"لم أختر أن أُولد يهودياً، ومع ذلك أنا فخور بأنني يهودي ترعرع في دولة سُنّ في الفصل الأول من دستورها "تونس دولة عربية، الإسلام دينها"، وتعايش مع مسلميها.. يجمعنا وطن واحد، ننشد نشيده الوطني جنباً إلى جنب، ونرفع الراية ذاتها اليد في اليد، لا نختلف سوى في الدين"، هكذا بدأ "جاكوب"، اسم مستعار (24 سنة)، وهو من منطقة الحارة الكبيرة بجزيرة جربة من محافظة مدنين (جنوب شرق تونس)، حديثه لرصيف22.

"دفعت شحم اليهود"

يتساءل "جاكوب"، الذي يشتغل في تجارة الذهب مع أقربائه في سوق "البِركة"، في المدينة العتيقة في تونس العاصمة: "هل تلاحظين أي فرق بيني وبين أي تونسي مسلم؟" ويضيف، بعد أن أجبته بالنفي، وهو يريني قبعة صغيرة أخرجها من جيبه: "أنا في العاصمة أتحاشى وضع الكيبا "طاقية يعتمرها اليهود المتدينون" على رأسي، لأنها ترمز إلى يهوديتي، ونحن هنا قلّة قليلة، من الوارد جداً أن نتعرض، ولو بشكل غير مباشر، للعنصرية، بينما في جربة أضعها بكل فخر، مرفوع الرأس، دون أن أخشى شيئاً، لأننا هناك نتعايش مع المسلمين منذ آلاف السنين كالإخوة".

ويتحدّث الشاب العشريني لرصيف22 عن مواقف حصلت معه تنمّ عن العنصرية، وصفها بـ"العادية"، لكنّ صوته المرتعش وتنهداته المتواترة بين الكلمة والأخرى عبرت عن عمق الأثر الذي خلّفته فيه، يقول: "مرة سألت صديقاً مسلماً عن سعر هاتف ذكي من آخر صيحة قد اقتناه، فقال لي دون تفكير "دفعت فيه شحم اليهود"، صُعقت من هول الصدمة، وارتبك صديقي، واعتذر مني بكونه لم يقصد إهانتي، وبأنها مجرّد عبارة اعتاد الشارع التونسي على تداولها وليس المقصود منها أي إهانة، وما إلى ذلك من التبريرات، تفهّمته وحاولت تجاوز الموقف بتغيير الموضوع، لكنّ الحادثة ظلّت عالقة ببالي".

"مرة سألت صديقاً عن سعر هاتف ذكي من آخر صيحة قد اقتناه، فقال لي دون تفكير: دفعت فيه شحم اليهود"

ويقال في تونس "كلّفني شحم اليهود" أي كلفني غالياً، وتختلف الروايات بشأن المعنى الحقيقي لهذه العبارة، لكن أكثرها انتشاراً أن الشحم باعتباره محرماً عند اليهود، فقد تحايل بعضهم على ذلك، بتذويبه، وبيعه لغير اليهود "الأغيار" بأثمان باهظة، ومن هنا جاءت العبارة.

"اللطف ملا يهودي"

عديدة هي العبارات التي تنمّ عن العنصرية في اللهجة التونسية، فنجد عبارات من قبيل: "حاشاك، يهودي"، ويُستَعمل مصطلح "حاشاك" في تونس للتبرّؤ من فعل سيئ ومشين، وتقال عبارة "حاشاك، يهودي" لكلّ شخص يقدم على فعل مُخزٍ.

كما تقال عبارة "اللطف ملّا يهودي"، والمقصود بها "هذا الشخص لا يخاف الله في خلقه"، إلى غير ذلك من العبارات الشائنة التي تقوم على التمييز على أساس الدين.

ديفيد أوزان (66 سنة)، متقاعد، يسكن في مدينة المكنين في محافظة المنستير، في الساحل الشرقي، ومقيم في محافظة سوسة منذ 40 سنة، يقول: "لم يسبق لي أن تعرضت لممارسات عنصرية طيلة الستين عاماً التي عشتها".

ويروي ديفيد لرصيف22 عن التعايش السلمي بينه وبين جيرانه المسلمين، دون أن يعكّر معكّر صفو علاقته بهم: "كنت سابقاً أمتلك مغازتين في سوسة "المغازة محل لبيع المواد الغذائية ومختلف المواد للاستعمالات اليومية" كان أغلب زبائني من المسلمين، وها أنا اليوم أقتني حاجياتي من عند إخوتي المسلمين. كما أن أغلب أصدقائي وخلّاني من المسلمين، أهنّئهم في أعيادهم ويهنئوني في أعيادي، ولا يحمل أحدنا ضغينة تجاه الآخر".

"تضاءل عدد اليهود في سوسة وأصبح لا يتجاوز العشرين شخصاً، ومع ذلك نحن نحظى باحترام كبير من جيراننا المسلمين، ولم يسبق أن حدث بيننا أي صنف من أصناف التمييز، نتعامل على أساس كوننا جميعاً مواطنين تونسيين سواسية، لا فرق بين مسلم ويهودي"، يؤكد ديفيد.

يصمت ديفيد قليلا ثم يضيف: "لا أنكر حقيقة وجود بعض الممارسات العنصرية العرضية ضد اليهود، ولعل خير دليل على ذلك ما بدر عن بعض الحاقدين الذين سبق أن خربوا ودنّسوا مقابرنا ومعالمنا، لكن كما يقول المثل "الشاذ يُحفظ ولا يقاس عليه"، لا يعقل أن نحكم على إخوتنا المسلمين من خلال ممارسات هجينة لأفراد يُعَدّون على أصابع اليد... إن صادف حدوث ممارسات تمييزية عرضية، لا نقيم عليها القيامة ولا نلقي لها بالاً أساساً، لأنّ الحاقدين موجودون في كلّ مكان، ولا يجب أن نحكم على مجموعة بناء على تصرّف فرد طائش عديم الحياء".

وتتعرض مقابر اليهود بتونس، أحياناً، إلى عمليات تخريب، وتحطيم، على غرار ما حدث في مقبرة اليهود في سوسة في شهر مارس/آذار الماضي، إذ نشر المحامي التونسي اليهودي ايف الياهو قمحي، وهو حارس الكنيس اليهودي في منطقة بوجعفر من ولاية سوسة، صوراً لقبور مخربة في المقبرة اليهودية في سوسة.

مع كل وفاة نتذوق مرارة الفقد ومرارة ما يفعل بقبور اباءنا من تحطيم وتهشيم وتشويه ونخر للذكرى...

ماذا فعل هؤلاء حتى تقع المتاجرة بسباتهم الابدي؟

#تجارة_الرخام

#ممارسة_الشعوذة

Posted by ‎إيف إيلياهو قمحي‎ on Sunday, 1 March 2020

وحاول ديفيد أوزان، طيلة حديثه، انتقاء الكلمات المناسبة لإظهار مدى الاحترام وقيم التسامح التي تميّز علاقة اليهود والمسلمين في تونس، بَيْدَ أنه لم ينفِ استمرار تداول عبارات عنصرية في العامية التونسية: "هذه المصطلحات ترسّخت منذ القديم، وظلت تُستخدم إلى يومنا هذا، تداولها القدامى وتوارثتها الأجيال الجديدة دون إدراك ربما، أنها تنمّ عن العنصرية".

ويعزو ديفيد استمرار اعتماد مثل هذه العبارات عمداً إلى كون "بعض الناس غير الواعين، في نظرهم اليهودي إنسان مجرم ويجب تحاشيه".

يصمت ديفيد قليلاً، يتنهّد ثم يتابع: "الله يهدي خلقه... هذا قولي لمَن لا يزالون يمارسون الفرقة والتمييز تجاه غيرهم ممن يختلفون عنهم".

"يهود حاشاكم"

"أكبر صدمة تعرّضت لها كانت سنة 2017 لمّا عمدت النائبة في البرلمان التونسي، أسماء أبو الهناء، إلى استخدام عبارة "يهود حاشاكم" في مداخلة لها في مجلس النواب، الذي يمثّل السلطة الأولى بالبلاد". هكذا بدأ الممثل القانوني للجالية التونسية اليهودية في الخارج، أفيشاي حطّاب، وهو من تونس العاصمة، ومقيم حالياً في فرنسا، حديثه لرصيف22، مستدركاً: "رغم أن النائبة اعتذرت في ما بعد عمّا بدر منها، معلّلة ذلك بأنها قالتها عن غير قصد، إلا أن ذلك عرّى حقيقة العنصرية المبطَّنة لدى التونسيين عامة".

ويتساءل أفيشاي: "كيف يمكن أن نستنكر أمراً موجوداً ومطبوعاً في التنشئة التربوية منذ القدم؟"، مشيراً إلى أن ذلك يتجاوز المجتمع والأفراد، وأن تغييره يستوجب تغييراً جذرياً في التربية".

ويتحدث المسؤول اليهودي عن أسلوب عيش اليهود عامة، بأنهم ترعرعوا على العيش وفق نظام المجموعة وليس الفرد، الأمر الذي جعلهم منذ القديم متوحّدين ومتآزرين، ما مثّل عاملاً أساسياً في نجاحهم في أعمالهم وتجارتهم.

"إذا ما سقط أحدنا نقيمه، وإذا ما فشل ندعمه حتى ينجح"، يقول أفيشاي متابعاً: "نجاحنا في الماضي كأقلية في تونس، لم يرق للأغلبية التي رأتنا نمثّل تهديداً لتجارتهم وأعمالهم، الأمر الذي خلق حساسيات ونوعاً من الغيرة، ما ألقى بظلاله على التنشئة التربوية المبنيّة على الرفض، وأضحت هذه التربية متوارثة عبر الأجيال، حتى أصبح جيل اليوم، على الرغم من التعايش السلمي، يتداول عبارات أساسها عنصري دون قصد منه".

ولفت الممثل القانوني للجالية التونسية اليهودية في الخارج، إلى أن عدد اليهود التونسيين بلغ في السابق 150 ألف شخص، فيما تضاءل عددهم شيئاً فشيئاً ليصبح عددهم اليوم لا يتجاوز 1500 شخص، يوجد 1300 في جربة، والبقية موزعون بين الساحل الشرقي والعاصمة.

"تاريخياً، في ظل الضغط الذي تعرض له عدد من اليهود التونسيين، ارتأى البعض منهم الهجرة إلى دول أجنبية، على غرار الولايات المتحدة، كندا، إيطاليا فرنسا... ومنهم من ذهب إلى "إسرائيل"، الأمر الذي زاد الطين بلة ودفع التونسيين المسلمين إلى وصفهم بـ"الخونة" وضاعف التمييز تجاه اليهود الذين لا يزالون مقيمين في تونس"، وفق أفيشاي حطّاب.

"أكبر صدمة تعرّضت إليها كانت سنة 2017 لمّا عمدت النائبة في البرلمان التونسي، أسماء أبو الهناء، إلى استخدام عبارة 'يهود حاشاكم' في مداخلة لها في مجلس النواب، الذي يمثّل السلطة الأولى بالبلاد"

يفسر الباحث في علم الاجتماع سامي نصر، في حديث لـرصيف22، التمييز في تونس قائلا: "التمييز بصفة عامة ما زال موجوداً في المجتمع التونسي بشكل كبير، حتى وإنْ كنّا لا نعترف به صراحة، سواء على مستوى الدين أو اللون أو اللغة..".

ويشير نصر إلى أنه "بالعودة إلى المشكلة في عمقها، تتمثل الدوافع الرئيسية للعنصرية في عدم تقبّل الآخر المختلف، ومن هنا تأتي مسألة قبول التونسيين المسلمين للأقلية التونسية اليهودية من عدمه".

"التنشئة الاجتماعية في تونس ليست قائمة على أساس تقبل الآخر المختلف".

"للأسف، التنشئة الاجتماعية في تونس ليست قائمة على أساس تقبل الآخر المختلف، وهي التي خلقت الأرضية المناسبة لزرع ثقافة وعقلية التمييز العنصري وجعلت من الآخر المختلف عدواً"، يستطرد نصر.

ويوضّح الباحث السوسيولوجي: "في السابق كان المجتمع التونسي يتعايش وفق الاختلاف، فنجد كلّ منطقة لديها لباسها ولهجتها ونمط عيشها الخاص، بينما اليوم أصبح المجتمع التونسي يتعايش وفق ما نسمّيه سوسيولوجياً، بظاهرة التنميط الاجتماعي، أي أن يكون الجميع متطابقين وفق معيار موحّد"، معتبراً أن "على هذا الأساس، يقع اليوم رفض اليهود والتصرّف على نحو عنصري تجاههم، والنظر إليهم على أساس كونهم "آخر مختلفاً" و"عدواً"، وبمجرّد النظر إليهم كأعداء، يصبح التعامل معهم على نحو من الاحتقار والتمييز العنصري من الحجم الثقيل"، وفق تقدير نصر.

لم ينفِ بيريز الطرابلسي، رئيس الطائفة اليهودية في تونس، استعمال تونسيين لعبارات عنصرية حيال اليهود إلى يومنا هذا، ولكنه من جهة أخرى أكّد لرصيف22 أنّ "اليهود التونسيين عامّة لا يولون المسألة اهتماماً كبيراً".

وشدّد الطرابلسي على أن العلاقة التي تربط بين التونسيين اليهود والمسلمين، تتسم بالودّ، والتسامح، وأنّهم يتعايشون بشكل سلميّ، دون أن تنغّص مثل هذه العبارات صفوها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard