نبيل دجاني ومحطّات مع صادق جلال العظم

الأحد 28 مارس 202111:21 ص

جمعت الدكتور نبيل دجاني بصادق العظم علاقة صداقة طويلة دامت حوالي الستين عامًا، فعرفه تلميذًا وأستاذًا في الجامعة الأميركية في بيروت، والتقى مشوارهما في محطات عديدة.

الدكتور نبيل دجاني الحاصل على شهادة الدكتوراه في الاتصال الجماهيري من جامعة أيوا في الولايات الأمريكية المتحدة، شغل العديد من المناصب الرفيعة في المجالين الأكاديمي والإعلامي. فقد كان أستاذ الدراسات الإعلامية في قسم العلوم الاجتماعية والسلوكية في الجامعة الأميركية في بيروت، وشغل أيضًا منصب مساعد عميد كلية الآداب والعلوم، وكان أحد أعضاء مجلس الشيوخ.

استرجعنا في المقابلة التالية مع الدكتور دجاني أهمّ ذكرياته مع صادق جلال العظم، فأخبرنا عن: بدايات الصداقة والنشاط الحزبي وقصص الحب وحتمية الفراق.

تعرّفت على صادق جلال العظم عام 1953 حين دخلتما إلى الجامعة معاً. ماذا تذكر عن اللقاء الأوّل؟ وكيف دامت صداقتكما حوالي الستين عاماً؟

تعرّفت على صادق في الاجتماعات الدوريّة التي كان يعقدها الحزب السوري القومي الاجتماعي. ففي تلك الفترة، كنّا عضوين نشطين في الحزب. وبالإضافة إلى العلاقة الحزبية، جمعني بصادق انسجام وتقارب فكريّ كبير، وهو ما أظنّه كان سببًا أساسيًّا في عمق الصداقة ودوامها كلّ هذه المدّة.

"وكنّا تنيناتنا نسونجيّة كمان!" (يضيف د.دجاني ضاحكًا)

نبيل دجاني: بدأت صداقتنا، أنا وصادق، بنقاشات في فكر أنطون سعادة وفي الفكر السوري القومي. كنّا مقتنعين جدًّا بمبادئ الحزب ولكنّنا لم نكن مقتنعين بمسؤوليه، وهو ما جعلنا نفترق عنه في فترة لاحقة.

ماذا تخبرنا عن تجربتكما الحزبيّة؟

كنّا مقتنعيْن جدًا بمبادئ الحزب وكنّا نشيطيْن في العمل الحزبي، وكانت أغلب لقاءاتنا تتم في "بيت الطلبة" وهو بيت، استأجره الحزب السوري القومي الاجتماعي، في شارع عبد العزيز للطلاب القوميّين في الجامعة الأميركية.

بدأت صداقتنا، أنا وصادق، بنقاشات في فكر أنطون سعادة وفي الفكر السوري القومي. وبعد فترة، ازاداد إيماننا بمبادئ الحزب لكننا في الوقت نفسه صُدمنا بممارسات بعض المسؤولين الحزبيّين.

كنّا مقتنعين جدًّا بمبادئ الحزب ولكن لم نكن مقتنعين بمسؤوليه. وهو ما جعلنا نفترق عنه في فترة لاحقة.

عرفت صادق تلميذاً وأستاذاً في الجامعة الأمريكية في بيروت. ماذا تخبرنا عن تجربته في هذه المؤسسة؟

كان صادق يحبّ الجامعة الأميركية ولكنّه في الوقت نفسه كان يرى أخطاء مسؤوليها. وبرأيي، فكره الحرّ هو الذي وضعه في صدام  مباشر مع شارل مالك ومع كبار مسؤولي الجامعة، وهو ما كان، في الحقيقة، وراء عدم تجديد عقده. فمثلما رفض صادق هيمنة مسؤولي الحزب السوري القومي الاجتماعي رفض أيضًا هيمنة مسؤولي الجامعة الأميركية.

وفي هذا الصدد، استذكر طرد صادق لأحد عمداء الجامعة الأميركية من منزله بعدما زاره ليطلب منه عدم إحالة طالبة عنده إلى مجلس الجامعة التأديبي بعد أن اكتشف صادق قيامها بـ"سرقة أدبية" أو plagiarism في الأطروحة التي كانت تعمل عليها بإشرافه. وهو ما كان أحد أسباب عدم تجديد عقده في الجامعة.

 أحبّ صادق "فوز طوقان" ولم يستسلم لرفض والدها لعلاقته بابنته. ما الذي لفت صادق بفوز؟ وكيف تصف العلاقة التي جمعتهما؟

إنّ ما لفت صادق بفوز، في رأيي، هي شخصيّتها القوية. فصادق كما أعرفه، يجذبه الأشخاص الأقوياء. كما أنّ عقل فوز وسعة فكرها كانت بالتأكيد من العوامل التي زادته حبًا وإعجابًا بها. وبالإضافة إلى ذلك، أعتقد أنّ رفض والد فوز لعلاقتها بصادق هو ما زاده إصرارًا وتمسّكًا بالعلاقة.

لا أنسى يوم كنّا نتمشّى في شارع الحمرا، وفجأة توقّف صادق وأشار إلى بيت مقابل لنا وقال: "هذا بيت فوز. اشتقت إليها! أريد أن أراها." وفجأة دخل المبنى وقرّر الصعود لرؤية فوز. لم أستطع أن أمنعه وخفت عليه لأنّي كنت أعرف أنّ والدها كان من بيئة محافظة جدًا، فخشيت أن يصطدم معه.

وبعد وقت قصير، خرج صادق من المبنى وأخبرني أنّه طلب يد فوز من والدها. وعرفت من فوز لاحقًا أنّ والدها أعجب جدًا بشجاعته وجرأته.

نبيل دجاني: "كان صادق يحبّ الجامعة الأميركية ولكنّه في الوقت نفسه كان يرى أخطاء مسؤوليها. وبرأيي، فكره الحرّ هو الذي وضعه في صدام  مباشر مع شارل مالك ومع كبار مسؤولي الجامعة، وهو ما كان، في الحقيقة، وراء عدم تجديد عقده"

من خلال معرفتك الشخصيّة بصادق وقربك منه، ما سرّ شجاعته الكبيرة في عرض أفكاره؟

أعتقد أن شجاعة صادق الكبيرة تعود إلى تربيته المنزليّة. فقد نشأ في بيئة منزلية تميّزت بسقف عالِ من

الحريّات. وكان لهذا الجوّ العائليّ دورًا أساسيًّا، برأيي، في نموه الفكري وفي جرأته الكبيرة في عرض أفكاره.

ذكرت في كلمة وداع صادق أنّه زارك ذات يوم مرتدياً قبّعة غريبة، وعرفت منه لاحقاً أنه كان يتنكّر لأن مجموعة سياسيّة كانت تحاول استهدافه. من كانت تلك المجموعة؟ ولماذا استفزّتها أفكاره؟

المثير للعجب في شأن هذه القبعة أنّها كانت، برأيي، تلفت النظر إلى مرتديها أكثر مما تحجبه، ومع ذلك كان يصرّ صادق على ارتدائها للتخفّي.

كانت مشكلته وقتها، بشكل أساسي، مع الإسلاميين الذين كانوا يعتبرونه ملحداً يحارب الدين. وهو ما كان أيضًا أساس مشكلته مع شارل ملك، ومع المرجعيات الدينية خصوصًا بعد إصداره كتاب "نقد الفكر الديني".

هل كنت تنصح صادق بالتروّي وتوخّي الحيطة والحذر؟ هل كنت تخاف عليه من تداعيات ثورته على الموروثات الثقافية والدينية؟ وهل كان يسمع النصيحة؟

كنت دايمًا أنصحه بالتروّي وكنت أخاف عليه كثيرًا من جرأته،  لكنّه كان مقدامًا لا يردعه شيء. كنت ألجأ إلى فوز، عندما كنت أريد تحذيره من شيء، لأنّها كانت تؤثّر عليه أكثر مني. لكن مع مرور الوقت، وربما بتأثيرٍ من فوز، تعلّم صادق أن يكون أكثر ديبلوماسيّة، بعد أن كانت الديبلوماسية بعيدة كلّ البعد عن صادق.

وازداد خوفي عليه في الفترة التي كان يعلّم فيها في جامعة دمشق. فسألته ذات يوم كيف تمكّن من تفادي الصدام مع النظام السوري. فروى لي، ضاحكًا، قصّة مع أحد طلابه.

"باسل الأسد أهم من رسالة ماجستير، فقط رسالة دكتوراه ممكن أن تفيه حقّه!"

أخبرني أنّه بعد أن توفيّ باسل الأسد في حادث سيارة، زاره في مكتبه طالب كان ينوي كتابة أطروحة ماجستير عن الفقيد، وطلب منه أن يكون مشرفًا على أطروحته. كان صادق يعرف أنّه لا يستطيع الرفض؛ فردّ على الطالب بحزم، قائلًا: باسل الأسد يا عزيزي أهم من رسالة ماجستير، فقط رسالة دكتوراه ممكن أن تفيه حقّه!

 أحدث كتاب صادق جلال العظم "نقد الفكر الديني" ضجة كبيرة في الأوساط الثقافية والدينية، وأثار عاصفة من ردود الفعل. وحُكم عليه بالسجن بسبب الأفكار التي عرضها في هذا الكتاب. كيف تعاطى صادق جلال العظم خلال هذه الفترة مع ردّات الفعل حول هذا الكتاب؟

أعتقد أنّ ردات الفعل الصاخبة على الكتاب، كان لها مفعولًا عكسيًّا فبدل أن تردع صادق وتخيفه، زادته قوة وتصميماً، وخدَمَتْه في مكان ما.

هل تعتبر أن الجامعة الأميركية في بيروت خذلت صادق في محنته عام 1970؟ وهل تعتبر أن اعتذار الجامعة على لسان رئيسها في اليوم التكريمي الذي أقامه لصادق عام 2017 جاء متأخراً جداً؟

الاعتذار جاء متأخرًّا طبعًا والجامعة لم تكن بوارد الاعتذار. إذْ كانت تَشْغَلها، برأيي، أمور أخرى في تلك الفترة.

كنتُ أنا أحد من ساهم في اقناع رئيس الجامعة فضلو خوري بإقامة إحتفال لصادق العظم؛ وكان لي دور في اعتذار الجامعة منه. وهو اعتذار، وإن جاء متأخرًا، يستحقه صادق بالتأكيد.

هل تعتبر كتاب "نقد الفكر الديني" أهمّ كتاب تركه صادق جلال العظم؟

نعم لأنه أول كتاب له. ولكن مواقف صادق التي صدرت في كتاباته اللاحقة لا تقل جرأة ولا أهميّة، وأبرزها، على سبيل المثال، دفاعه عن سلمان رشدي. 

ما رأيك بموقفه المؤيّد للثورة السورية؟

اختلفتُ معه في موضوع تأييده للثورة. ونبّهته من احتمال تأثّره، ولو بشكل غير مباشر، بالمنظور الغربي للأمور بعد أن عاش سنين طويلة في أميركا وألمانيا. وأذكر أيضًا أني ناقشته بموقفه من "الاستشراق ونظرية المؤامرة" في بريد إلكترونيّ فنّدت فيه النقاط التي اختلفت فيها معه.

كنا نختلف في أمور عديدة ولكن خلافاتنا لم تؤد في أيّ مرة إلى تباعد أو قطيعة.

أمضى صادق جلال العظم أيامه الأخيرة في برلين؟ كيف تصف علاقته بهذه المدينة؟

أظن أنّ الحياة في أميركا وألمانيا منحت صادق مساحة أكبر من حرية التعبير وساهمت في الإضاءة على مواقفه . فاستطاع أن يعبّر عن نفسه وعن أفكاره بشكل أصرح وأوضح. وهو ما افتقده في العالم العربيّ.

وفي الفترة التي عاش فيها صادق في برلين، للأسف، تراجعت صحته بشكل كبير قبل أن توافيه المنية هناك.

نبيل دجاني: "اعتذار الجامعة الأميركية من صادق جلال العظم جاء متأخرًّا!"

لماذا برأيك أوصى أن تُقرأ في عزائه قصيدة "لاعب النرد" للشاعر محمود درويش؟ ولماذا لم يطلب أن يُدفن في سوريا؟

لا أعرف لماذا اختار صادق قصيدة "لاعب النرد" بالذات، لكنّي أعرف أنّه كان شديد الإعجاب بمحمود درويش وشديد التعلّق بالقضية الفلسطينية.

وبالنسبة لعدم رغبته بأن يُدفن في سوريا، أعتقد أنّ موقفه من النظام السوري ومن الوضع السوري بشكل عام كان وراء ذلك.

وختمنا حديثنا مع الدكتور نبيل دجاني بسؤاله عمّا يشغله في هذه الأيام، فأخبرنا أنّه يعمل على كتابة سيرته الذاتية التي اختار لها عنوان "قبل أن أنسى" Before I Forget والتي سيركّز فيها على المرحلة التي كان فيها رئيس جمعية خريجي الجامعة الأميركية ورئيسا لهيئة أساتذة والمرحلة التي كان فيها عضوًا ناشطًا في مجلس شيوخ الجامعة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard