"حل أوفر من الأدوية أم خدعة؟"... مصريون يلجؤون للحجامة بين الاقتناع والجدل

الاثنين 1 مارس 202103:03 م

ليس من الصعب الانتباه إلى انتشار العلاج بالحجامة في الآونة الأخيرة في مصر. زيادة في أعداد الممارسين لها، ترويج بعض المشاهير لهذا النوع القديم من الاستشفاء وتفضيل البعض لها هرباً من المسكنات والعقاقير باهظة الثمن.

تحدث رصيف22 مع عدد من ممارسي هذه المهنة ومستخدميها، ليرصد الآراء المختلفة حولها، بين مقتنع بها ورافض لها، بحجّة كونها مجرّد ممارسات زائفة، لا أساس علمي لها.


علاج تقليدي قديم

الحجامة هي نوع من أنواع الطب التقليدي الذي يستخدم للتخلص من بعض الأمراض، ويعود تاريخها لآلاف السنين، إذ يعتقد بأن الآشوريين والفراعنة والإغريق استخدموها، وكذلك تشكل جزءاً من الطب الصيني التقليدي.

ينتشر العلاج بالحجامة مؤخراً في مصر، ويفضله البعض هرباً من المسكنات والعقاقير باهظة الثمن.

وضمن العلاج بالحجامة، توضع كؤوس مصنوعة من الزجاج أو السيليكون بشكل مقلوب على مناطق محددة من الجسم لعدة دقائق، وتسمى "كاسات الهواء"، ويمكن إحداث جروح صغيرة في الجلد قبل وضعها، فيتغير ضغط الدم وقد يتدفق داخل الكؤوس، وتترك بقعاً على الجلد تدوم بضعة أيام.

ويقول الممارسون للمهنة إنها بمثابة تدليك عميق للأنسجة، وتحفيز للطاقة الحيوية، وتساعد على الاسترخاء وتدفق الدم والشعور بالانتعاش، وتخفّف الآلام والالتهابات.

وفي السنوات الأخيرة، بدأ بعض الفنانين المصريين بالحديث عن الحجامة، فنصحت بها الفنانة عبير صبري لمواجهة آلام الصداع النصفي المستمرّة، ونشر نادي الزمالك فيديو تظهر فيه آثار كؤوس الحجامة على ظهر اللاعب أحمد سيد، الشهير باسم "زيزو"، كما بثت الفنانة أسماء شريف منير مقطع فيديو يتحدث عن تجربتها للحجامة للمرة الأولى.


المهنة تنتشر أكثر في مصر

يعمل سيد مصطفى (40 عاماً) بمجال الحجامة منذ حوالي 20 سنة، ولديه مركز في منطقة فيصل والهرم بمحافظة الجيزة.

يقول مصطفى خلال حديثه لرصيف22 إنه ورث المهنة عن والده بالممارسة، ويشير إلى ازدياد أعداد زبائنه في العامين الأخيرين بشكل ملحوظ، ويُقدّر هذا الازدياد بحدود أربعة أضعاف. كما يشير إلى تركيز الإعلام المصري على هذا النوع من العلاج، سواء من خلال وسائل الإعلام التقليدية أو مواقع التواصل الاجتماعي.

ولفت مصطفى أيضاً إلى ازدياد أعداد ممارسي الحجامة، دون إمكانية حصر هذا العدد لعدم وجود أرقام رسمية له، مؤكداً بأن هذا العلاج لا يغني بالتأكيد عن الطب والعمليات الجراحية، ويبقى مجال ممارسة الحجامة محدوداً بعدد من الظواهر والأعراض المرضية.

وللحجامة طرق متعددة كما يشرح مصطفى، ويحدّدها الحجّام إذا كان دارساً وملماً بكافة الأمور المتعلقة بها، ويشير إلى وجوب التوعية الصحيحة بفوائد الحجامة، والعمل على وضع آليات مقننة لممارسيها، للحدّ بشكل خاص من حالات النصب والاحتيال من قبل العديد من "الحجّامين الزائفين"، حسب وصفه.

نادي مبسوط، رجل أربعيني يمارس المهنة أيضاً في حي المهندسين، كما يملك مصنعاً صغيراً للأدوات التي تستخدم بعمل الحجامة، والتي تستورد عادة من الصين. يقول لرصيف22 إن الحجامة بالفعل انتشرت في الآونة الأخيرة في مصر، وأحد أسباب ذلك، وفق رأيه، تفضيل البعض هذا النوع من العلاج ذي الآثار الجانبية المحدودة، على تناول المسكنات التي تكون غير ذات فاعلية أحياناً. وحول مبيعاته يقول: "لقد زادت خلال الشهور الماضية بنسبة تقارب 20 بالمئة، وأصبح العديد من الحجامين يقبلون على شراء الأدوات اللازمة لعملهم".


نطالب بنقابة للحجامين

رغم صغر سنها إلا أنها اشتهرت بتخصصها بمجال الحجامة للسيدات بمصر، وهي الدكتورة رغد نضال، التي تبلغ من العمر 23 عاماً، وتدرس بكلية العلاج الطبيعي في جامعة القاهرة. تعمل رغد بالحجامة منذ عام ونصف، ولديها مجموعة عبر فيسبوك تتواصل من خلالها مع السيدات الراغبات بهذا النوع من العلاج من جميع محافظات مصر، حيث تقدم خدماتها بالذهاب لمنازلهن، وهي من السيدات القلائل اللواتي يعملن بهذا المجال، لأنها في الغالب مهنة تقتصر على الرجال.

للحجامة طرق متعددة، يحدّدها الحجّام إذا كان دارساً وملماً بكافة الأمور المتعلقة بها، ولا بد من التوعية الصحيحة بفوائد الحجامة، والعمل على وضع آليات مقننة لممارسيها، للحدّ بشكل خاص من حالات النصب والاحتيال من قبل العديد من "الحجّامين الزائفين"

"انتشرت الحجامة مؤخراً في مصر، وبات عديدون يلجؤون إليها كبديل عن المسكنات ولتنشيط الجسم وتقوية مناعته"، تقول الطبيبة في لقاء مع رصيف22، وتشير أيضاً للجوء العديد من الفتيات إلى ما يسمى "الحجامة التجميلية"، التي تركّز على علاج حب الشباب وإعطاء نضارة كاملة للوجه.

وتضيف المتحدثة بأن الفارق بين الحجامة والطب هو عدم الحاجة للجوء للمسكنات، وتوفير ثمن الكشف والعلاج، وقد يتجاوز 1200 جنيه، في حين تتقاضى هي عن جلسة الحجامة الواحدة مبلغ 200 جنيه (حوالي 13 دولاراً)، لكنها تشير إلى وجود أطباء ومعالجين يتقاضون مبالغ أعلى بكثير، وهو ما تعتبره أمراً غير منصف.

وترى الطبيبة بضرورة وجود نقابة للحجّامين، تنظّم عملهم وتعطيهم رخصاً لمزاولة المهنة بعد التأكد من كونهم مؤهلين لها، كيلا يتحول الأمر إلى "مهنة من لا مهنة له"، وتزداد فيها حالات النصب والاحتيال، وأيضاً بضرورة التوعية حول الحجامة وطرق ممارستها الصحيحة وفوائدها العديدة.


"كانت آخر حل لآلامي"

"تم شفائي بها وأعمل في مجالها الآن"، يقول مصطفى الأبنودي (45 عاماً)، ويشير في لقائه مع رصيف22 إلى أنه كان يعاني من آلام قوية في العمود الفقري، وقد لجأ للعديد من الأطباء لكن دون جدوى.

"نصحني بعض الأطباء بإجراء عمل جراحي، وفي الوقت ذاته تلقيت نصيحة باستخدام الحجامة، فذهبت لمتخصص بها على مدار ستة أشهر متواصلة حتى تعافيت تماماً"، يشرح الرجل مضيفاً بأنه لم يكن يؤمن بهذا النوع من العلاج ككثير من المصريين، لكنه خاص التجربة كآخر أمل له، وكانت النتيجة إيجابية، ثم اتبع عدة دورات تدريبية وبات يعمل الآن كحجّام أيضاً.

انتشرت الحجامة مؤخراً في مصر، وبات عديدون يلجؤون إليها كبديل عن المسكنات ولتنشيط الجسم وتقوية مناعته، كما تلجأ العديد من الفتيات إلى ما يسمى "الحجامة التجميلية"، التي تركّز على علاج حب الشباب وإعطاء نضارة كاملة للوجه

ويتحدّث الستيني محمود خليفة عن لجوئه للحجامة منذ حوالي شهر بسبب آلام في ركبتيه، لم تنفع معها أي مسكنات: "مللت من كثرة العقاقير الطبية، وحينما نصحني أحد أصدقائي بعمل حجامة قررت تجربتها، وبالطبع لم أحصل على نتيجة من الجلسة الأولى، لكن بعد أربع أو خمس جلسات بدأت ألمس الفرق"، يقول الرجل في حديثه لرصيف22.


علاج حقيقي أم علم زائف؟

الطبيب سيد أحمد جابر، وهو متخصص بالباطنة والجراحة، يمارس الحجامة أيضاً في بعض الحالات، ويعتقد بأن هذه المهنة "مفترى عليها" في مصر، بسبب ممارسة العديدين لها دون دراسة أو وعي.

ويقول الطبيب في لقاء مع رصيف22: "الحجامة معروفة منذ 5000 عام، ومارسها الفراعنة وانتقلت للصين واليونان وغيرها من البلدان. العديد من المقاتلين والقادة كانوا يحتجمون قبل المعارك، لأنها تنشّط الجهاز المناعي في حال التعرّض لأي إصابة".

مللت من كثرة العقاقير الطبية، وحينما نصحني أحد أصدقائي بعمل حجامة قررت تجربتها.

ويضيف جابر بأن العديد من ممارسي الحجامة في مصر يسيئون استخدامها ويرتكبون أخطاء فادحة، ويستغلون آلام الناس، خاصة تلك المتعلقة بالعظام والأوعية الدموية، لإجراء عمليات وهمية: "لذلك لا بد من الاستعانة بأطباء ومختصين معروفين، فمن يمارس الحجامة لا بد من أن يفهم جيداً مسارات الطاقة، وعلى قدر من العلم بالتغذية العلاجية، لأن هناك بعض الأغذية المكملة للعلاج بالحجامة".

ويشير الدكتور عبد الوارث عثمان، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، في حديثه مع رصيف22 إلى أن الحجامة سُنّة من الرسول، وقد زاد الإقبال عليها كما كثر الجدل حولها، لأنها فرضت نفسها كوسيلة شفاء بين الناس، كما أصبحت هناك مصانع خاصة في مصر لتصنيع الكؤوس الخاصة بها بدلاً من استيرادها من الصين.

بينما يقول الدكتور إبراهيم الزيات، عضو مجلس نقابة أطباء مصر، إن الحجامة لا أساس طبي وعلمي صحيح لها: "وهذا ما تعلمناه في كليات الطب"، وفق تعبيره.

ويضيف الزيات في لقاء مع رصيف22: "ما كان مفيداً على أيام الرسول من الممكن ألا يكون مفيداً في العصر الراهن. في تلك الأيام كانوا يستخدمون الدابة، فهل يعقل أن نفعل ذلك اليوم مع كل التطور الذي وصلنا إليه بمجال النقل والمواصلات؟ وهل يعقل ألا نستخدم معجون الأسنان ونلجأ للسواك، أسوة بما كانوا يقومون به في تلك الأيام؟".

ويختتم حديثه بالقول إن بعض رجال الدين يخلطون الأوراق بين الدين وطرق العلاج، وهذا خطأ كبير، فهناك سنن كثيرة يمكن اتباعها للتقرّب من الله غير الحجامة، وهي بكل الأحوال لا تسعف في التدخلات الجراحية العاجلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard