سلفنة مصر... التعبّد بالسّطو على شارع "خفرع" ومنحه إلى خاتم المرسلين

الثلاثاء 2 مارس 202101:20 م

قبل المدّ السلفي الوهابي، كانت "السلفنة" تعني تغليف علب العطور ومستحضرات التجميل وبعض الأغذية بالسلوفان، وتمتدّ إلى مجال الطباعة، بوضع طبقة من السلوفان على أغلفة الكتب، فتمنحها لمعاناً وحماية. وفي السنوات الأخيرة حلا لسكّان شارع خفرع في حيّ الهرم، وربما لغيرهم من سلفيي الأجهزة المحلية بمحافظة الجيزة، أن يثبتوا جدارتهم الإيمانية بأن يتقرّبوا إلى الله بالسّطو على اسم شارع خفرع، فأطلقوا عليه "شارع خاتم المرسلين"، وهو آخر شارع في مصر يمكن أن يكرّموا به النبي محمد، فعلى جانبيه تطلّ أكاديمية الفنون، ومدينة السينما بما تشمله من ستوديوهات ومعامل، والمركز القومي للسينما، إضافة إلى "كنيسة خاتم المرسلين".

أغلب الظنّ أن مصر تخلو من أيّ شارع يحمل اسم نبي، باستثناء شارع "النبي دانيال" بالإسكندرية؛ شارع خاص جداً، بقدمه التاريخي فيقال إنه من عُمر المدينة، وينسب إلى أحد أنبياء بني إسرائيل في القرن السادس قبل الميلاد، والنبي دانيال أقدم من المدينة بنحو ثلاثة قرون.

ويمتد شارع النبي دانيال من محطة الرمل حيث التمثال الشهير لسعد زغلول مطلاً على البحر، حتى محطة السكك الحديدية "محطة مصر". واسم الشارع على مسمى، فهو شارع نبي، يضمّ معبداً يهودياً، ومسجداً ينسب إلى شيخ محمد دانيال الموصلي، والكنيسة المرقسية وهي أقدم كنيسة في العالم، وتشرف باسم القديس مرقس الذي بشر بالمسيحية في منتصف القرن الأول الميلادي.

فأي شيء يربط شارع خفرع، الذي يبلغ طوله نحو أربعة كيلومترات، بخاتم المرسلين؟ شارع خفرع يقع جنوبيّ شارع الهرم ويوازيه، وهو نصف طول شارع الهرم تقريباً. ويمتدّ شارع خفرع من شارع عثمان محرّم في حي الطالبية إلى ترعة الزُمر شرقاً، حيث مسجد "خاتم المرسلين". اسم المسجد نفسه يثير التساؤل، فإذا أريد أن يُطلق اسم "خاتم المرسلين" على مسجد فليكن أكبر وأهم مسجد في البلاد، وليس مسجداً على ترعة في حي العمرانية، في مقابل مساجد كبرى حملت أسماء سلاطين وأئمة: الإمام الشافعي، صلاح الدين، السلطان حسن، محمد علي، أو أسماء أعلام آل البيت: الإمام الحسين، السيدة زينب، السيدة نفيسة، السيدة عائشة.

تنجح الضلالات السلفية في أن توهم السذّج بالنصر، بمحو التاريخ المصري القديم، ويعمد وعّاظ جهلاء بالتاريخ إلى تصوير الحضارة المصرية مقترنة بالكفر باللّه

تنجح الضلالات السلفية في أن توهم السذّج بالنصر، بمحو التاريخ المصري القديم. ويعمد وعّاظ جهلاء بالتاريخ إلى تصوير الحضارة المصرية استناداً إلى أباطيل وإسرائيليات تقرن التاريخ المصري بالكفر باللّه، واستعباد الناس، وتكرّس في اللاوعي لمصطلح "الفرعنة" بمعنى الاستبداد.

ولا يجد المبتدئين في الدراسات التاريخية والأثرية، في أي مصدر على الإطلاق، كلمة "فرعون" لقباً أو اسماً لحاكم مصري. وفي الحرب المشتعلة في الخيالات المريضة اكتشفوا أن "خفرع"، باعتباره حاكماً، فهو "فرعون"، وكلّ فرعون كافر. في تلك الفترة بدأ الإحلال الاصطلاحي: "منتقبة" بدلاً من "منقّبة" فالأخيرة تفيد الإجبار، "الله المستعان" بدلاً من "ربّنا يسهّل"، و"باللّه عليك" بدلاً من "لو سمحت، من فضلك".

تختزل الوقائع الكبيرة، وأغلبها جرائم، في عناوين ترتبط عادة بالمكان؛ في عام 1985 شهد حيّ المعادي جريمة اغتصاب فتاة على أيدي ستة مجرمين، وانشغل الناس بقضية "فتاة المعادي". وفي عام 2020 قُتلت فتاة في الحي نفسه، بعد محاولة شابّين سرقتَها بالقوة، فكانت نسخة جديدة من "فتاة المعادي".

وفي عام 1992 وقعت في ميدان العتبة، بوسط القاهرة، جريمة تحرّش بلغت حدّ هتك العرض لفتاة حملت إعلامياً لقب "فتاة العتبة". وفي عام 2015 اعتدت امرأة على ضابط بمطار القاهرة، ووجهت إليه سباباً فاحشاً، وبعد إيقافها توعّدته: "أنت مش عارفين أنا مين؟"، وهددت بأن "المطار ده هيتطربق"، بمعنى سيُدمَّر؛ أُطلق عليها "سيدة المطار".

المحاكم هي ما يفترض أن تكون أكثر انضباطاً لاقترانها بآمال المستضعفين في العدالة، ويفترض أيضاً أن يكون المنتمون إلى جهاز القضاء أحرص على الالتزام. ولعل وباء كورونا أصاب امرأة بجنون العظمة، عام 2020، فتسلّحت بمنصبها كوكيل عام بهيئة النيابة الإدارية، ودخلت محكمة، ورفضت طلب ضابط شرطة أن تلبس الكمامة، وشتمته واعتدت عليه: "أنت مش عارفين أنا مين؟"؛ أُطلق عليها "سيدة المحكمة".

أربعة نماذج لقضايا حملت عنواناً من كلمتين، أضيفت الفتاة والسيدة إلى مكان: حيّ سكني، مطار، مبنى المحكمة. فماذا لو وقعت جريمة أو فضيحة أو اكتشفت شبكة منافية للآداب في هذا الشارع؟ هل يليق عندذلك إضافة هذه الألفاظ إلى "خاتم المرسلين"؟

أورثتنا الوهابيةُ نفاقاً دينياً واجتماعياً يتجلى في التفاخر بالتعبّد. وتشييد المساجد الصرحية يتزامن عادة مع فترات الانحطاط

لا أظن مقام "خاتم المرسلين" ينقصه مسجد بعد المسجد النبوي، وإلا أطلق اسمه على أكبر المساجد في ربوع الحجاز، في منزل الوحي. النبي أكرم من ارتباط اسمه بمسجد يقام على ترعة في الجيزة، وهو بالضرورة أغنى عن شارع دون شوارع القاهرة الكبرى: الهرم، جامعة الدول العربية، رمسيس، مصطفى النحاس، عباس العقاد، الخليفة المأمون، مصدّق.

وما يبدأ بخاتم المرسلين ينتهي بالله الغني عن العالمين، وله مَن في السماوات والأرض التي يورثها من يشاء. ويأمر الله بالعدل، وليس من العدل وجود 32.5 في المئة من المصريين تحت خطّ الفقر، في حين تُهدر الملايين، بلا حصر ولا محاسبة، على إنشاء مسجد "الفتاح العليم".

أورثتنا الوهابيةُ نفاقاً دينياً واجتماعياً يتجلى في التفاخر بالتعبّد. وتشييد المساجد الصرحية يتزامن عادة مع فترات الانحطاط. والمماليك هم أكثر حكام مصر بذخاً في تشييد المساجد والتكايا والقصور. تنافسوا في أمرين: إقامة الأبنية العملاقة والاقتتال الأهلي، للغلبة بالسيف والجدارة بالموكب السلطاني والصعود إلى القلعة.

ولو لم يكونوا مسلمين لتباروا في تشييد المعابد والكنائس الدالة على غُربتهم واغترارهم بالقوة، فينفقون بسفاهة في أمور ليست أولى باهتمام المؤمنين بحديث "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً". هذا الميراث الذهني من آثاره مسجد "الفتاح العليم"، في بلد يعترف رئيسه السيسي، في يناير 2017، بأننا "فقراء قوي"، وأكد الكلمتين بتكرار مصحوب بالضغط العنيف على مخارج الحروف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard