نحن النساء محظوظات بالغربة

السبت 27 فبراير 202110:33 ص

يدهشني تعبير "امرأة كونية". امرأة لامنتمية لمكان محدد، طافية فوق كل العالم، مزهوة بانسلاخها عن أحكام الآخرين وسلطتهم، كبرياؤها فاتن، ساخرة ومتعالية وشبقة، صمتها مشحون بالمعاني، وعندما تغضب تبتلع الجميع. أزعَم أنني قابلتُ نساء "كونيات" في القاهرة وفي الضواحي والريف، ضحكاتهن مجلجلة، وأما انتحابهن فهو مليء بالرموز، لكنهن فوق كل هذا، غارقاتٌ في الغربة.

 كوننا نساء من مصر يعني أن غربتنا حتمية ومضاعفة، وهلعنا يشبه هلع الأطفال لحظة انعدام الأمان في حوادث الفقد الكبرى. يجري تهجيرنا عن أنفسنا ببراعة، وعن ذواتنا الاجتماعية المنحصرة بعيداً عمّن توَلوا تربيتنا، ورغم الغربة في بلادنا، نحن محظوظات بحالة طفو استثنائية، تجعلنا نمضي في الشوارع ولا نشعر أننا جزء من الجريمة، وإن كنا شركاء في العقاب.

اختبرت مبكراً حالة الطفو حينما جرت تعريتي بالكامل بعد نزيف الختان.

اختبرت مبكراً حالة الطفو حينما جرت تعريتي بالكامل بعد نزيف الختان، كانت وصية الحلّاق الذي أجرى القَطع ألا توضع على جسدي أية ملابس، وبالتحديد الجزء الأسفل، كيلا تلتصق الملابس على الجرح النازف ونسمح للدم بالتجلط. كنت طريحة صالة المنزل أعاني من النزيف، عارية أمام الجميع وأمام أعين إخوتي الذكور.

 طفوتُ كي أقتل الحلاق في خيالي، أركل رأسه بقدمي وأهشمه، وطفوتُ بعدها لسنوات كيلا ألتقي به صدفة بعد أن قام بتعريتي بالكامل.

  كنتُ أخشى السير بالمحاذاة، لذلك كنت أطفو. ويوم أذاع المؤذن موت زكريا الحلاق، بكيت من السعادة. 

برعت مبكراً جداً في الطفو، وفي كل إحساس بالغربة، كنت أنسلخ عن كافة الوشائج التي تربط الابنة بعائلتها. انسلخت ولا أعلم متى تحديداً بدأت أشعر بالغربة، لكنه كان إحساساً سحيقاً آتياً منذ ألف عام على الأقل، أو كأنما جرى تمريره لي من كافة النساء المارّات في الحياة.

كوننا نساء من مصر يعني أن غربتنا حتمية ومضاعفة، وهلعنا يشبه هلع الأطفال لحظة انعدام الأمان في حوادث الفقد الكبرى. يجري تهجيرنا عن أنفسنا ببراعة، وعن ذواتنا الاجتماعية المنحصرة بعيداً عمّن توَلوا تربيتنا

نحن النساء محظوظات بالغربة، لأنها أنشأت بداخلنا عالماً ثرياً يصعب إقامته في الخارج، لأن هذا الخارج نادراً ما يستطيع الإجابة على أسئلتنا ولن يتقاطع معنا، وأحياناً يفعل الداخل معجزته، فيغلب الواقع في منازلة شرسة، لنجد أنفسنا في مساحات مذهلة شديدة القرب لنا.

 الغربة في مصر سمحت لنا بابتكار شخصيتنا وهجران التعبد، واختبار الرائحة المبتذلة للأفكار التي تتربص بالنساء، والتلصص على رائحة العالم وسقمه والسخرية من رسائله الوعظية.

منحة الطفو التي اكتسبتها النساء في مصر، منحَتهن شهوة إغضاب الآخرين، وإفزاع كل من لم يشفَ من الواقع وسلطته، نبدو كثيراً كأرواح ضالة في فضاءات لامتناهية، ساكنات وحيويات وقويات، هادرات في كسوفنا وخسوفنا، مغرورات وشديدات المباهاة، فاقدات للمنطق، كل ما يحيط بشخصياتنا يفزع الآخرين، خاصة المباهاة بكوارثنا الشخصية، وبارعات في إنهاك الرجال أصحاب التحليلات القاسية والحذر الدائم والرعاعية والفظاظة.

 أحدث امرأة كونية عبرت لعالمي مؤخراً، كانت المخرجة المصرية نسرين الزيات، ابنة قرية طما بالصعيد. وصفت نسرين غربة بنات مصر في فيلمها الأحدث "ع السلم"، من خلال تجربتها الشخصية كفتاة نازحة، من ثقب إبرة لعالم القاهرة الشاسع. شعرت نسرين في كلا العالمين بالغربة، ومع تزايد الغربة تطفو نسرين غاضبة ومجلجلة ومزهوة، يصعب ملاحقتها أو الإمساك بها. 

عشت مع نسرين الزيات خارج فيلمها كما في فيلمها، فهي فتاة تصدم المارة بألوانها الصارخة، بيتها مليء بتذكارات من 12 دولة حول العالم، ولا زالت تشعر بالغربة وقلقها عارم. لا تلتقي نسرين سوى بالغرباء، وكأن الغربة صارت إدماناً وسياقاً وديمومة، تصبح الغربة ألذ وأكثر فتنة مع نسرين، ونحن منهمكتان بالتهام صلصة الراجو، وشال نسرين المغزول في نيكاراجوا يرفرف في شوارع الزمالك اللينة تحت أقدامنا.

لا أجد نسرين غاضبة في الزمالك مثلما أراها غاضبة في أية منطقة أخرى، رغم أن الزمالك لا تشبهنا ونحن عابرات فيها، لكنها السياق الأقرب لكل امرأة كونية تشبه نسرين. نتحدث هناك أكثر من لغة، نرى الحياة وقد سكبت كل أبنائها من كل شكل ولون، تترنّح بنا هذه البقعة ونترنّح معها أكثر من اللازم لنغذي طفونا ونداوي غربتنا. 

منحة الطفو التي اكتسبتها النساء في مصر، منحَتهن شهوة إغضاب الآخرين، وإفزاع كل من لم يشفَ من الواقع وسلطته، نبدو كثيراً كأرواح ضالة في فضاءات لامتناهية، ساكنات وحيويات وقويات، هادرات في كسوفنا وخسوفنا، مغرورات وشديدات المباهاة

أتذكر وأنا أنتزع، وصديقاتي في القاهرة، مساحات للتمدد والظهور، صديقاتي في ريف الصعيد، وبالأخص سعدية ونورا. كانت الأولى تكتب الأشعار على كفيها وذراعيها، كأنها تدق بأشعارها وشماً على جلدها أو تعويذة، كانت الأكثر طفواً بيننا والأكثر تعنيفاً من أهلها، ورغم ذلك كانت دائمة التبسم والضحك. سعدية زوّجتها عائلتها من رجل شرطة، وبالكاد كانت بلغت العشرين. أخفاها خلف النقاب، ومنعها من زيارة قريتنا. لا أتخيل سعدية ممتنعة عن الطفو، حتى وهي متزوجة من رجل شرطة مدرّب على الترصّد والمراقبة والحيل، ستطفو سعدية رغماً عنه، وسيرفرف نقابها معها وهي تطفو وتتلو أشعاراً لمسرحيات شكسبير، التي كانت تدمنها بالإنجليزية وتمزجها مع أشعارها الشخصية.

أما نورا، فأتابعها كلما زرتُ القرية، وأجدها تتمادى في طفوها كلما حملت على ذراعيها طفلاً جديداً لها، كانت نورا مفتونة بغرة الكاتبة فتحية العسال، أعلم أنها ستطلق غرة مثلها حينما يغزوها الشيب، وقتها سأنظر إلى كل غيمة فوق قريتنا على أنها غرة نورا، تتمدد معها وهي تطفو فوق القرية التي تنز أبوابها بالمأساة. ستطفو نورا تاركة أطفالها وقد صاروا شباباً، لم يعرفوا عن نوبات طفو والدتهم شيئاً، وهي تبلغ مرحلة التجرد وتبلور الأنا الخاصة بها بطريقتها، تبكي لأنها لم تستطع إنقاذ أي أحد، وترقب تمدد الجمال في العالم الشخصي الذي ابتدعته، فقط في رحلات طفوها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard