بحاجة لـ"العدالة والوظائف والعودة للوطن"... الوباء يعمّق جراح الأيزيديين في العراق

الأربعاء 24 فبراير 202106:38 م

"لقد تم نسيان الأيزيديين خلال جائحة كوفيد-19. إنهم بحاجة إلى العدالة والوظائف والعودة للوطن". هذا ما لفتت إليه الناشطة الحقوقية العراقية ناديا مراد في مقال بصحيفة الغارديان البريطانية، مسلطةً به الضوء على أثر الوباء في دفع الناجين من وحشية تنظيم داعش الإرهابي من أبناء الأقلية الأيزيدية في العراق إلى الهامش أكثر.


ومراد واحدة من الضحايا الأيزيديات للعنف الجنسي لداعش، وقد اختيرت سفيرةً للنوايا الحسنة من قبل الأمم المتحدة عام 2016، وحصلت على جائزة نوبل للسلام بعد ذلك بعامين. وتتحدث باسم مجتمعها الأيزيدي منذ ذاك الحين.


في مقالها الذي نشر في 24 شباط/ فبراير، أقرت مراد بأنه ليس مستغرباً أن يزيد الوباء الطين بلّة بالنسبة لمئات الآلاف من الأيزيدين الذين يعيشون محنةً منذ أن ارتكب داعش إبادةً جماعية بحقهم عام 2014. 


تحذير من "عواقب مميتة وممتدة"

لأكثر من ست سنوات، يعيش هؤلاء الأيزيديون في مخيمات النازحين، وهم غير قادرين على العثور على عمل بعدما دمّر داعش مزارعهم وأعمالهم. كما لا يمكنهم لمّ الشمل مع أقاربهم الذين ما زالوا في أسر داعش أو حتى دفن موتاهم الذين لا تزال جثثهم في مقابر جماعية. 


عمّقت الجائحة هذه المعاناة. وتحذّر مراد من أنه في حال استمر التهميش وتجاهل محنة النازحين والمتضررين من الصراع وضحايا العنف الجنسي قد "تكون عواقب هذا التخلي مميتة وممتدة أكثر من الوباء".

"صدمة الإبادة الجماعية تتفاقم باستمرار بسبب الفقر"... الناشطة الحقوقية ناديا مراد تقول إن #الأقلية_الأيزيدية في #العراق تُركت وحيدة في مواجهة #كورونا، محذرةً من "عواقب مميتة وممتدة أكثر من الوباء"

تستشهد مراد بالوضع الراهن والمتمثل في "زيادة الإصابة بكوفيد-19 والتدهور الحاد في الصحة العقلية"، مشيرةً إلى أنه خلال الأيام الـ16 الأولى من العام الجاري فقط، انتحر 11 شاباً أيزيدياً.


صعدت حالات الانتحار في مخيمات النازحين الأيزيديين إلى السطح منذ إبادة عام 2014، لكن يصعب رسم صورة دقيقة لاتجاهات الصحة العقلية الأيزيدية في ظل نقص موارد البحث في هذا الصدد وعدم حدوث استجابة للأسباب الجذرية للأزمة.


وما من شك أن الفظائع التي ارتكبها داعش، بما في ذلك المذابح والاستعباد الجنسي والتجنيد الإجباري والاغتصاب، سببت صدمة مجتمعية وفردية. وجدت دراسة نشرتها دورية "بي إم سي ميديسن" (BMC Medicine) عام 2018، أن أكثر من 80% من المشارِكات الإيزيديات، اللواتي تراوح أعمارهن بين 17 و75 عاماً، يعانين اضطراب ما بعد الصدمة. ارتفعت النسبة إلى نحو 100% بين الناجيات منهن من أسر داعش.


أثر "الفقر" و"التخلي"

إلى ذلك، تعتقد مراد أنه "في غياب الدعم الكافي، يستمر عنف داعش في إلحاق الضرر بالأيزيديين"، وإن كانت تقر بأنه "ليس هو العامل الوحيد المؤدي إلى تفاقم ضعف المجتمع"، مستدركةً بالقول إن "صدمة الإبادة الجماعية تتفاقم باستمرار بسبب الفقر".


يؤكد ذلك أنه حتى قبل الإبادة الجماعية، أشار تقرير لمنظمة الهجرة الدولية (IOM) إلى معدلات عالية للانتحار في مقر الغالبية الأيزيدية، سنجار، المدينة التي تقع غرب محافظة نينوى (شمال العراق)، عازياً ذلك جزئياً إلى الافتقار إلى الفرص الاقتصادية والأمن والحرية الدينية. تفاقمت هذه المشكلات بفعل الإبادة الجماعية والتشريد والوباء.

"فرص كسب العيش تولّد الأمل بعد اليأس الذي استقر في قلوبنا"... الأيزيديون الناجون من بطش #داعش يحلمون بفرص عمل ويرونها أحد أشكال العلاج الضرورية للتغلب على محنة #الإبادة_الجماعية عام 2014

في المقابل، يُلاحظ أن جهود معالجة هذه الأزمات بشكل جذري وشامل عن طريق إعادة تطوير سنجار بشكل مستدام يتم تأجيلها وإلغاؤها مراراً وتكراراً سواء من قبل الحكومات العراقية و/ أو الوكالات الدولية المعنية.


ما الذي يحتاجه الأيزيديون؟

في وقت سابق من هذا الشهر، التقت مبادرة ناديا (Nadia’s Initiative)، التي تأسست عام 2018 لخدمة الناجيات من العنف الجنسي بشكل خاص، لجنةً من الأيزيديين لمناقشة احتياجاتهم. حددت الناجيات أولوياتهن، قبل كل شيء، في "الرغبة في العدالة" أي أن تحاول المحاكم محاكمة مجرمي داعش على العنف الجنسي والإبادة الجماعية.


والأهم من توقيع العقوبات على عناصر داعش الضالعين في تلك الجرائم هو أن الأحكام "ستوفر اعترافاً رسمياً بالضرر والصدمة اللذين عانت منهما الناجيات، وإقراراً بأن جريمة الاغتصاب تقع فقط على عاتق المعتدي وليس الضحايا"، وفق ناديا. يعوّل على هذا الاعتراف بأن يساعد الناجيات على إعادة الاندماج في مجتمعاتهن وأن يقلل من العبء العاطفي للظلم الذي وقع عليهن.


أما الأولوية الثانية البالغة الأهمية التي تحدثت عنها الناجيات، فهي دعم سبل العيش. وفيما تقدم حفنة من المنظمات رعاية نفسية محدودة، لا يعد العلاج حلاً لنقص الدخل وعدم توفر المياه النظيفة والتعليم والرعاية الصحية.


ويرى الأيزيديون الناجون من بطش داعش العمل شكلاً من أشكال العلاج، حسبما تقول مراد التي تفسر ذلك بأن الوظائف "تُبقي الأيدي والعقول مشغولة، وتضع الطعام على الطاولات وتنشط المجتمعات"، مشددةً على أن "فرص كسب العيش تولد الأمل بعد اليأس الذي استقر في قلوبنا".


في الأثناء، لن يكون ممكناً تحقيق أي من هاتين الأولويتين قبل العودة "الطوعية الآمنة" للأيزيديين إلى ديارهم مع توفير بيئة معيشية كريمة.


على الرغم من أن الحكومتين في بغداد وأربيل تتمتعان بالقدرة على استعادة الحكم المحلي والأمن والخدمات الأساسية في سنجار، تستمر الخلافات السياسية في تقويض الحلول المستدامة.


وفيما تعتبر سنجار قطعة واحدة على لوحة شطرنج سياسية بالنسبة للحكومات والجهات الفاعلة الأجنبية، تمثّل المدينة للأيزيديين "وطننا وكرامتنا وسبل عيشنا وصحتنا العقلية التي يتم التضحية بها من أجل مصالحهم الإستراتيجية"، على حد قول مراد.


ختاماً، طالبت مراد المجتمع الدولي في مجالها بـ"أن يقرن الدعم على الأرض بالضغط الدبلوماسي على أصحاب المصلحة العراقيين من أجل تحقيق الاستقرار في منطقة سنجار"، لافتةً إلى أهمية اغتنام فرصة جهود إعادة البناء عقب الجائحة لتسليط الضوء على الآثار المعقدة للوباء على مجتمعات ما بعد الصراع وتمكينها من تطوير مستقبل أكثر صحة وازدهاراً وسلاماً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard