"يواجهون إرثاً من الإرهاب"... معاناة الأطفال الأيزيديين ضحايا داعش مستمرة

الخميس 30 يوليو 202001:16 م

"في حين أن كابوس ماضيهم قد تلاشى، تظل الصعوبات قائمة في وجه هؤلاء الأطفال. وعقب تحمّلهم أهوال الحرب في سن مبكرة، يحتاجون الآن إلى مساندة عاجلة من السلطات الوطنية في العراق ومن المجتمع الدولي لبناء مستقبلهم".

جاءت هذه التوصية على لسان مات ويلز، نائب مديرة برنامج الاستجابة للأزمات – القضايا المواضيعية في منظمة العفو الدولية، في تقرير أطلقته المنظمة الحقوقية، اليوم 30 تموز/ يوليو، لتسليط الضوء على المعاناة الصحية -النفسية والبدنية- غير المسبوقة للأطفال الأيزيديين من ضحايا تنظيم داعش.

زارت "العفو الدولية" إقليم كردستان العراق من 17 حتى 27 شباط/ فبراير الماضي، والتقت 29 ضحيةً وقعوا في أسر داعش خلال طفولتهم، و25 فرداً من العائلات التي تتولى رعاية الأطفال الضحايا حالياً، و68 خبيراً ومسؤولاً، بينهم أطباء ومعالجون نفسيون، وموظفون في منظمات غير حكومية، ومسؤولون في الأمم المتحدة، ومسؤولون حكوميون.

"اختُطفوا وعُذِّبوا وجُوّعوا واغتُصِبوا وأُكرِهوا على القتال"... نحو ألفي طفل أيزيدي من ضحايا داعش يواجهون مخاطر صحية -نفسية وبدنية- غير مسبوقة حتى بعد عودتهم إلى عائلاتهم

"تحديات هائلة" 

أثمرت هذه المقابلات تقرير "إرث الإرهاب: محنة الأطفال الأيزيديين ضحايا تنظيم داعش" الذي حذر من أن نحو 2000 طفل أيزيدي عادوا إلى عائلاتهم عقب فترات من الأسر لدى داعش، يمرون بأزمة صحية نفسية وبدنية.

فبين عامي 2014 و2017 ارتكب داعش جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية ضد الأيزيديين في العراق.

في تقريرها المكون من 56 صفحة، ركزت "العفو الدولية" على التحديات الهائلة التي يواجهها الآن حوالى 1992 طفلاً عادوا إلى أحضان عائلاتهم بعدما اختطفهم داعش وقام بتعذيبهم وإرغامهم على المشاركة في القتال، وكذلك اغتصابهم، وتعريضهم للعديد من الانتهاكات الأخرى المروعة لحقوق الإنسان.

عاد عدد كبير من هؤلاء الأطفال إلى أسرهم مصابين بجروح أو أمراض أو إعاقات بدنية. ومن أكثر أمراض الصحة النفسية التي يعانونها شيوعاً اضطراب ما بعد الصدمة، والقلق، والاكتئاب. إذ تظهر عليهم أعراض وسلوكيات يطغى عليها الطابع العدواني، واستحضار الماضي، والكوابيس، والانطواء الاجتماعي، والتقلب المزاجي الحاد.

في هذا السياق، أوضح ويلز: "يواجه الآن هؤلاء الأطفال –الذين نجوا من جرائم مروّعة– إرثاً من الإرهاب. ويجب أن تحظى صحتهم البدنية والنفسية بأولوية في السنوات المقبلة حتى يتسنى لهم الاندماج التام في عائلاتهم ومجتمعهم".

وتحدث إلى المنظمة العاملون في المجال الإنساني، ومختصو الصحة النفسية، ومقدمو الرعاية عن التحديات التي تواجه فئتين من الأطفال الضحايا هما الجنود الأطفال السابقون، والفتيات اللواتي تعرّضن للعنف الجنسي.

آلاف الفتيان الأيزيديين الذين أسرهم داعش تعرضوا للتجويع، والتعذيب، وأرغموا على المشاركة في القتال. وهذا ما تسبب لهم بمشكلات صحية أو إعاقات بدنية خطيرة، أبرزها فقدان أذرع أو سيقان.

"أريد أن أقول لمجتمعنا ولكل من في العالم، أرجوكم اقبلونا واقبلوا أطفالنا... فأنا لم أُرد إنجاب طفل من هؤلاء الناس. لقد أُجبرت على إنجاب ابن. احتاج إلى أن يُجمع شملي باِبني"... أم أيزيدية حُرمت طفلها الذي نتج من "العبودية الجنسية" لدى داعش

عزل وحرمان من الأهل

غالباً ما يُعزل الفتيان الأيزيديون لدى عودتهم إذ تجد عائلاتهم ومجتمعاتهم صعوبة في الإقرار بما مروا به من تجارب إبان أسرهم. وذلك لأنهم على الأغلب قد أخضعوا لـ"الدعاية المكثفة، والتلقين العقائدي، والتدريب العسكري الذي يهدف عمداً إلى محو هوياتهم، ولغتهم وأسمائهم السابقة".

ومن أصل 14 طفلاً جنّدهم التنظيم المتطرف في السابق، والتقتهم المنظمة الحقوقية، قال أكثر من نصفهم إنهم لم يحصلوا عقب عودتهم على أي شكل من أشكال الدعم النفسي أو الاجتماعي، أو الصحي، أو المالي، أو غيره.

ساهر (اسم مستعار)، الذي جُنّد قسراً عندما كان في الـ15 من عمره، قال: "أُرغمت على القتال. كنت مجبراً، وإلا كنت سأموت. لم يكن لدي خيار آخر. كان الأمر خارجاً عن إرادتي. وشاركت في القتال كي أبقى على قيد الحياة. هذا أسوأ ما يمكن أن يحدث لأي إنسان"، مضيفاً: "عقب عودتي من الأسر، ما كنت أبحث عنه هو شخص ما يهتم بي، ويُقدم لي شيئاً من الدعم، ويقول لي: ’أنا هنا من أجلك‘... هذا ما كنت أبحث عنه ولم أجده قط".

أما الفتيات الأيزيديات فتعرضن لمجموعة لعدة انتهاكات أثناء الأسر، بما في ذلك العنف الجنسي. على إثر ذلك، تعاني الفتيات ضحايا العنف الجنسي حالياً مشاكل صحية عديدة، أبرزها: النواسير الناتجة من الصدمات، والندوب، والصعوبات في الحمل أو الإنجاب.

رنده (اسم مستعار) البالغة حالياً 14 عاماً والتي ظلت في الأسر خمس سنوات، قالت: "كنت طفلة عندما أجبروني على الزواج. لقد جعلوني أعاني. أريد أن يكون مستقبلي أفضل. أريد أن يُحاسب داعش عمّا فعله بي".

وأكدت إحدى الطبيبات، التي قدمت منظمتها رعاية طبية ونفسية واجتماعية لمئات النساء والفتيات الضحايا، أن أكثر اللواتي عالجتهن، خصوصاً اللواتي تراوح أعمارهن بين 9 و17 عاماً، قد اغتُصبن أو تعرضن لأحد أشكال العنف الجنسي. علماً أن الخدمات والبرامج المتوافرة حالياً لضحايا العنف الجنسي أهملت هؤلاء الفتيات إلى مدى كبير.

ورأى ويلز أن "هؤلاء الأطفال تعرضوا بصورة ممنهجة لأهوال الحياة تحت سيطرة داعش، وتُركوا الآن كي يعيدوا بناء حياتهم"، مستدركاً "يجب إعطاؤهم الدعم الذي هم بأمس الحاجة إليه لإعادة بناء حياتهم، لأنهم جزء من مستقبل الطائفة الأيزيدية".

العفو الدولية: "قبل حلول الذكرى السنوية السادسة لهجوم داعش على الأيزيديين، ينبغي للسلطة الوطنية في العراق والمجتمع الدولي أن يفعلا ما في وسعهما لضمان تقديم تعويض كامل عن انتهاكات حقوق هؤلاء الأطفال وتقديم الدعم الذي هو من حقّهم"

لا لفصل الأمهات عن أطفالهن

يتبنى التقرير أيضاً "الحاجة الملحة لوضع حد للفصل القسري بين النساء وأطفالهن الذين وُلدوا نتيجة العنف الجنسي الذي مارسه أفراد تنظيم داعش".

وحُرمت نساء كثر أنجبن أطفالاً نتيجة "العبودية الجنسية" لدى مقاتلي داعش، من هؤلاء الأطفال الذين رفضت الطائفة الأيزيدية ضمّهم إليها بسبب عدة عوامل، أبرزها موقف المجلس الروحاني الأيزيدي الأعلى، والإطار القانوني الراهن في العراق الذي يشترط وجوب تسجيل أي طفل لأب مسلم أو "مجهول" كمسلم.

وشكت عدة نساء قابلتهن العفو الدولية، تعرضن لـ"الضغط، أو الإكراه، أو حتى الخداع للتخلي عن أطفالهن"، لأن ذلك سبّب لهن "عذاباً نفسياً شديداً".

بعض هؤلاء النسوة تلقين "تطمينات كاذبة" بأنهن سيتمكنّ من زيارة أطفالهن أو العيش معهم في مرحلة لاحقة. لكن جميع النساء اللواتي فُصلن عن أطفالهن أكدن أنهن لا يمكنهنّ الاتصال بهم أو مقابلتهم.

قالت جنان (اسم مستعار/ 24 عاماً): "أقول لمجتمعنا ولكل من في العالم، أرجوكم اقبلونا واقبلوا أطفالنا... فأنا لم أُرد إنجاب طفل من هؤلاء الناس. لقد أُجبرت على الإنجاب. ولن أطلب أبداً أن يُجمع شملي بوالده، لكنني احتاج إلى أن يُجمع شملي باِبني".

وقالت أخرى حُرمت من طفلتها: "شعوري لا يختلف عن شعور كل الأمهات الأخريات اللواتي يعشن معاناة كمعاناتي. فكّرنا جميعنا في الانتحار أو حاولنا فعل ذلك... نحن بشر، ولدينا حقوق. نريد أن يكون أطفالنا معنا. وبرغم المعاناة القاسية مع تنظيم داعش"، نتعرض الآن لشيء أسوأ. نريد حلاً".

في ختام تقريرها، دعت العفو الدولية المنظمات الدولية، مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى "إعطاء الأولوية لهؤلاء النسوة وأطفالهن والتحرك السريع لإعادة توطينهم أو نقلهم إلى بلدان أخرى بدواعٍ إنسانية بالتعاون مع سلطات البلاد والحكومات الأجنبية".

وختم ويلز: "قبل حلول الذكرى السنوية السادسة لهجوم تنظيم داعش على الأيزيديين (التي تحل في الثالث من آب/ أغسطس المقبل)، ينبغي للسلطة الوطنية في العراق والمجتمع الدولي أن يفعلا ما في وسعهما لضمان تقديم تعويض كامل عن انتهاكات حقوق هؤلاء الأطفال وتقديم الدعم الذي هو من حقّهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard