مجازر تحت أقدام اللاعبين

الثلاثاء 9 مارس 202101:10 م

المكان: مدينة روزاريو في الأرجنتين، التاريخ 2 إيار/جون، المناسبة: كأس العالم لكرة القدم، الحدث: فوز المنتخب التونسي على المنتخب المكسيكي 3-1، وبعدها يخسر أمام بولونيا ثم يتعادل مع ألمانيا الغربية.

لكن في التصفيات المؤدية إلى الأرجنتين، وابتداء من تشرين الثاني/ نوفمبر، إلى شباط/فبراير، كان الفريق التونسي قد أقصى المنتخبات: المصري، المغربي ثم الجزائري. كانت الفرحة عارمة بأول وصول لفريق عربي وإفريقي لنهائيات كأس العالم، لكن كانون الثاني/يناير وتونس، المعتقلات والرصاص الحي، كانوا على موعد آخر أشدّ وطأة وأكثر رعباً.

الخميس الأسود في الفيلم الوثائقي "On The Crossbar"

الخميس الأسود

في 26 كانون الثاني/يناير، بدأت المظاهرات التي قادها الاتحاد التونسي للشغل، بقيادة الحبيب عاشور، ضد الحكم الفردي للرئيس بورقيبة الذي كان قد أعلن نفسه في عام 1975 رئيساً مدى الحياة.

تحت غطاء من الفرحة بوصول المنتخب التونسي لنهائيات المسابقة العالمية، كان القمع يشتدّ والمظاهرات تقابل بمزيج من القتل والخطف، ثم فرض الجيش حصاراً بالدبابات والمدرعات، على المظاهرات العزلاء، وفتح الجنود النار بأمر كتابي من الرئيس بورقيبة، كل هذا والصحف تتناول أخبار منتخب "نسور قرطاجة"، بينما تذبح عصافيرها تحت أقدام الجنود وهدير المجنزرات.

كانت حصيلة هذا اليوم الدامي، الذي عُرف بـ "الخميس الأسود"، مئات القتلى والمفقودين الذين لم يعرف حتى اليوم مصيرهم، ولم تفلح كل المناشدات التي جرت سابقاً، بعد رحيل الرئيس بورقيبة ومجيء بن علي، ولا بعد "ثورة الياسمين" والخلاص من الحكم الفرد، في تتبع مصير المفقودين الذين يبلغ عددهم أكثر من 600 شخص.

كانت حصيلة "الخميس الأسود" التونسي مئات القتلى والمفقودين الذين لم يعرف حتى اليوم مصيرهم، ولم تفلح كل المناشدات التي جرت سابقاً، بعد رحيل الرئيس بورقيبة ومجيء بن علي، في تتبع مصير المفقودين الذين يبلغ عددهم أكثر من 600 شخص

وهذا هو موضوع الفيلم الوثائقي "On The Crossbar" أو "على العارضة" الذي أخرجه سامي التليلي، وعُرض في مهرجان قرطاج لأول مرة في 2019، لإثارة هذا الموضوع عالمياً، والوصول إلى الحقائق المصاحبة لهذين الحدثين المهمين: استغلال الانشغال بتصفيات كأس العالم، لتصفية المعارضة اليسارية ضد بورقيبة.

ألعاب لا يملّ منها

التضليل الإعلامي ليس فكرة جديدة أنجبتها الصحف الحكومية والنظم الشمولية. إنها منتج لا يحمل تاريخ انتهاء صلاحية، منتج نشأ منذ احتاج الإنسان أن يحجب بعض الأخبار ويسلّط الضوء على البعض الآخر، نشأ مع نشوء الإيهام والحاجة إلى ابتداع أعداء مناسبين لإخفاء الحلفاء المشبوهين.

إن هذا ما تفعله وسائل الإعلام لتضمن جمهوراً متسقاً مع البضاعة التي تسوق لها وتبيعها، سواء أكانت البضاعة هذه إيديولوجية المنحى أم اقتصادية الطابع، لا بد من إخفاء بعض الحقائق عن الجمهور ليشتري، إذ إن البائع الصادق يخسر في سوق المعلومات.

الفقر حالياً هو المشكلة الرئيسية الكبرى للعالم، كيف يتعامل معه الإعلام على سبيل المثال؟ ببساطة يقدمه على أنه مرادف للجوع، ويعود ذلك بحسب التفسير ذاته، إلى أسباب مفاجئة: كوارث، فيضانات، جفاف، وأيضاً حروب أهلية، ويتمّ الحديث بكثرة عن ضرورة القضاء على الجوع في منطقة معينة هنا أو هناك، بدون التطرق للأمر الأساسي الذي ينتج هذا الجوع: التوزيع غير العادل للثروة، أما الحيلة الثانية التي يخرجها إعلاميو المحطات الكبرى، فتكون عبر عرض البؤس في برامج ذات طابع جغرافي وإثنوغرافي وسياحي، وبذلك يتم ربط الجوع والفقر بالسياحة، وبأن أشد الأماكن جذباً للسياح هي تلك الأماكن الفقيرة الغريبة.

على سبيل المثال المشابه للمثال التونسي السابق، تقوم مؤسسة ناشيونال جيوغرافيك بتقديم نوع من التضليل المعرفي بادعائها الاهتمام بما هو "طبيعي" وجغرافي فقط في إفريقيا، تقدم صورة زاهية عن إفريقيا خالية تقريباً من البشرـ فيها حياة حيوانية زاخرة وغابات مدهشة فحسب، والمصور الأبيض يختبئ في زاوية، عدة ساعات أو ليال، ليقدم للمشاهد المناظر الأجمل والتي تحبس الأنفاس، بينما تختفي صورة الإفريقي المعذّب، المنهوب، الجائع والمصاب في استقلاله واحترام إنسانيته.

التضليل الإعلامي ليس فكرة جديدة أنجبتها الصحف الحكومية والنظم الشمولية، وهو يبدو منتجًا لا تاريخ انتهاء صلاحية له

استمرت أعمال إبادة التوتسي في راوندا من 7 نيسان حتى منتصف حزيران 1994، قتل فيها ما يقارب 800 ألف شخص، أي 75% من التوتسي، بالإضافة لمئات الآلاف من النساء المغتصبات، بينما كانت مؤسسات ناشيونال جيوغرافيك في تلك الآونة، مشغولة بتقديم صور افتراس مجموعة من الظباء بأسنان الأسود، كأن لا شيء آخر يحصل في إفريقيا غير ما تقدمه ناشيونال جيوغرافيك وغيرها من القنوات، كديسكفري وترافل، فكما يقول بول ريكور: تعمل الإيديولوجيا بشكل أفضل عندما تكون غامضة.

التاريخ الحقيقي المأسور

يثير هذا التوجه غير البريء سؤالاً جوهرياً: كيف ترى التاريخ وكيف نفهمه؟ إذا كانت الوثائق التي تؤرّخ تلك الفترة متحيزة وغير علمية، جاهلة وغير كفؤة، تُفرض علينا دون أن نكون قادرين على الاعتراض، إذ لا حقائق مضادة لدينا ولا جزء حتى من الحقيقة، ذلك أننا نستهلك "وسائل الإعلام" وما تقدمه من معلومات مضللة أكثر من استهلاكنا لرقائق البطاطا. أصبحت الحضارة تستخدم نسخة التاريخ التي يرويها التلفزيون والصحافة المصادرة في ذلك الوقت، وهي غالباً ما تكون نسخة مزورة من التاريخ، وبمرور الوقت ستختفي الحقيقة، كما اختفى أولئك الـ 600 تونسي في أحداث يناير في تونس.

لا خلاف على قوة الإعلام، منذ اعتبار المعلومة سلعة خاضعة للبيع والشراء، ولا يمكن التحرر من احتكارها. إذن القوة المتزايدة لوسائل الإعلام أو للسلطة الرابعة كما تسمى، غير موجودة، طالما أن صانع القرار يتحكّم في توقيت الإعلان عن الحدث وطريقة انتشاره بل وموقف الجمهور منه أيضاً: السبق الصحفي، الصحافة الاستقصائية، الإعلان عن اتفاقية سرية أو ما شابه، كلها أنواع من اللحظات السياسية المخيفة التي لم يكن لها وجود، في أزمنة الأنظمة الشمولية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

كانت الدولة وإعلام الدولة هو المنتج الوحيد للمعلومة أو الخبر، تعطي أوامر بتسليط الضوء على حدث ما وتغطية حدث آخر تماماً، لذلك اختفت العديد من الأحداث والجرائم تحت أغطية مصادرة حرية الإعلام تلك: مجازر أيلول الأسود في الأردن 1971، أحداث يناير في تونس 1978، أحداث حماة 1982 في سوريا، أجزاء كبيرة من الحرب الأهلية اللبنانية... وغيرها الكثير من الأحداث التي تم التعمية عليها وتغطيتها بأخبار زائفة.

لم تكن الصحافة أبداً مكاناً لإنتاج الحقيقة والخبر البريء النقي، كانت المكان الأمثل للتلاعب بتوجهات الرأي العام، إظهار نوع من الحقائق المفيدة للسلطة وإخفاء البعض الآخر

في عام1987، كان انهيار العملة السورية قد انتهت مفاعيله، لأسباب داخلية، كالصراع على السلطة بين الأسدين الأخوين، وأيضاً نتيجة الحصار الاقتصادي الذي بدأته بريطانيا، حيث قفز سعر الدولار من 4 ليرات في العام 1982 إلى 45 ليرة في نهاية 1985، وكانت أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية الأخرى قد ارتفعت بطريقة غير مسبوقة. فُقدت العديد من السلع من الأسواق، وكانت مواد كالسمنة والمحارم الورقية والقهوة وبعض الخضار والفواكه، سلعاً محرمة في سوريا، وكان القمع ضد المنظمات اليسارية الصغيرة التي ظهرت، كرابطة العمل الشيوعي وحزب الشعب- المكتب السياسي على أشدّه، ومع ذلك كانت الجرائد الوطنية تتغنّى بانتصار المنتخب السوري في دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط آنذاك، والتلفزيون يعرض مشاهد متلاحقة من خطب القائد الخالد وأغنية نعيم حمدي الشهيرة: "welcome to Syria".

نهاية غير مبشرة للإعلام

تنبأ رودولف أرنهايم في ثلاثينيات القرن الماضي، في كتابه "فيلم مثل الفن" بأن البشر سوف يخلطون بين العالم الذي تدركه حواسهم والعالم الذي يفسّره النقد، ويعتقدون أن ذلك هو الفهم الحقيقي للأحداث، وأن ما يرونه هو ما يحصل فعلاً.

لن نخدع أنفسنا بأوهام فسيبوك وتويتر الآن. لم تكن الصحافة أبداً مكاناً لإنتاج الحقيقة والخبر البريء النقي، كانت المكان الأمثل للتلاعب بتوجهات الرأي العام، إظهار نوع من الحقائق المفيدة للسلطة وإخفاء البعض الآخر.

لكن يسعنا أن نبحث أكثر، ولو عبر روايات شفاهية وذاكرة ضعيفة عن آخر شاهد بقي على قيد الحياة، ليروي بعضاً من الحقيقة، وليس كلها، فربما نحصل على الأقل على أجوبة لمن تبقى من أهل أولئك المفقودين، وربما، أقول ربما، يشكل هذا حافزاً للحقائق الأخرى التي تستحق أن تروى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard