قال الشيخ وهو يأكل الخَسّ: البلاء رحمة للمؤمن

الأحد 28 فبراير 202111:02 ص

في قريتي الصغيرة والجميلة، يوجد الكثير من المزارعين ومدير مدرسة ومعلمتين وطلاب جامعة وعامل نظافة وشيخ وبعض المريدين له ولاعب كمال أجسام ينافسني على بطولة سيد الشاطئ التي أحضّر لها منذ أكثر من عشرين عاماً. هؤلاء كلهم لا يتجاوز عددهم عدد الخسات المزروعة في حقلي الذي مرّ به مرّة الشيخ مع بعض مريديه.

ألقوا التحية عليّ وأثنى الشيخ على عملي وباركني وبارك خساتي بعد أن قطف واحدة وبدأ بأكلها، ثم قال إنه ذاهب برفقة الإخوة لزيارة جارنا الطيّب المؤمن أبي سامر الذي أصابه مرض شديد منذ أيام. طلب منّي الذهاب معه إنْ كنت أرغب، لكنني اعتذرت!

راح الشيخ يمضغ ورقة من الخس وينظر إليّ ويهز برأسه بمعنى أنها لذيذة ثم قال: الله يبتلي عباده المؤمنين بالمرض كي تتمحص ذنوبهم، فالله حين يصيب المؤمن بأي نوع من البلاء فهذا يعني أن ما اقترفه من ذنوب يعاقَب عليها في الدنيا لا في الآخرة، أما الكافر فالبلاء يكون بعقوبة له في الدنيا ولكن لا تُغفر ذنوبه يوم الحساب.

وتابع أن المؤمن يكون فقير المال والصحة ويعاني في الدنيا لأن له الآخرة.. ومَن لا يمرض لا يعني بالضرورة أنه كافر ولكنه ليس شخصاً جيداً.

أثنى الحاضرون على كلامه بينما بقيت أمضغ الخس بدوري وأفكر: هل أبقى صامتاً أم أردّ على كلامه اللامنطقي والمتناقض والمضلل؟

حسمت الأمر وخرجت عن صمتي، لكنّ أحد مريديه، وكنت ألعب معه الشطرنج والورق وكرة القدم في مرحلة الشباب، تدخّل ومن باب إيقاعي بالحرج قال له: يا سيدنا إن رامي يقول إنه محظوظ لأنه لا يمرض، وإنه لم يتعرض للبلاء في حياته ويعتبر ذلك رضا ورحمة من الله.

نظر إليّ الشيخ متسائلاً عن صحة ذلك: ابتعلت ما في فمي من خس وقلت وأنا أبتسم: هذا صحيح في ما يتعلق بأنّي محظوظ، أما أن يكون ذلك رضا من الله فهذا ما لم أقله، فالله لم يخبرني إنْ كان عدم إصابتي بالمرض رضا منه أم غضباً، وفكرة البلاء والفقر للمؤمن التي تحدثت عنها ليست مقنعة ومتناقضة، وهي فكرة تحاول ترويجها السلطة بالتعاون مع المؤسسة الدينية في معظم دول العالم ومنذ مئات السنين بهدف حكم الناس وجعلهم يرضون بالقليل ويصبرون على ما يحلّ بهم مقابل وعود جميلة تتعلق بالآخرة والنعيم الذي سيعيشون فيه بعد موتهم، بحيث يبقى الشعب مستكيناً صامتاً لا يطالب بأبسط حقوقه في الحياة.

"فكرة ابتلاء الله للمؤمن التي تحدثت عنها يا شيخ ليست مقنعة ومتناقضة، وهي فكرة تحاول ترويجها السلطة بالتعاون مع المؤسسة الدينية في معظم دول العالم ومنذ مئات السنين بهدف حكم الناس وجعلهم يرضون بالقليل"

ابتسم الشيخ ابتسامة العارف المستوعب لكلامي وبصوت هادئ قرأ لي ما جاء في سورة الأنفال ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ثم تابع: الله يا بنيّ حين يبتلي المؤمن فهذا يعني أنه يتذكره ويتفقده، فبلاء الله رحمة، والدين موجود لهداية الإنسان ومساعدته لا ليكون أداة بيد رجال السياسة.

ابتسمت وقلت: التاريخ وتجارب الشعوب تؤكد أنه أداة، ثم تابعت حديثي: أيها الشيخ، بناءً على كلامك فكل شخص لا يمرض هو منسي من قبل الله ولن يتذكره إلا يوم القيامة لحظة يزج به في النار أو قد يكون شخصاً ليس جيداً بالعموم. أما زلتَ مصراً على هذا الرأي؟ فردَّ مبتسماً: نعم! حينها فتحتُ يدي مستخدماً أسلوب المشايخ في الدعاء وقلت بصوت خاشع: اللهم لا رادّ لقضائك ولا سخط على بلائك أمرتَ فأطعنا وابتليتَ فصبرنا، أسألك أن تصيب شيخنا ومَن معه بكل أنواع المصائب والشدائد، وإنْ استجبت لي سأتصدق بكل الخس الذي في حقلي على الفقراء والمساكين.

نظر الشيخ إليّ بغضب وقال: "الله لا يسمع منك ومن المؤكد أنه لن يسمع منك، وأسأله تعالى أن يصيبك بالعمى وطول العمر"، فرد الجميع آمين اللهم آمين ثم غادروا.

"تابع الشيخ أن المؤمن يكون فقير المال والصحة ويعاني في الدنيا لأن له الآخرة.. ومَن لا يمرض لا يعني بالضرورة أنه كافر ولكنه ليس شخصاً جيداً"

ضحكت في سرّي وتابعت العمل في الحقل وأنا أفكر بالراحة والمتعة التي عشتها بعيداً عن المرض، فخلال حياتي كلها كانت زياراتي للأطباء قليلة جداً، فالوعكات الصحية بكل أنواعها التي كنت أصاب بها لم تكن تستدعي الذهاب إلى الطبيب، باستثناء مرة واحدة في مراهقتي حين كسرت يدي واحتجت إلى عمل جراحي. أما طبيب الأسنان، فلم يحدث أن قمت بزيارته إلا بهدف تنظيف أسناني، ففي الطفولة كانت أمي تقوم بخلع أسناني من خلال ربط السن بخيط وشده عدة مرات بشكل خفيف ثم تقوم بشده بقوة حتى يخرج من مكانه.

منذ عامين، عرفت معنى ألم الأسنان الذي كنت أسمع عنه من الآخرين حين التهب ضرس العقل واضطررت لإجراء عمل جراحي لاستئصاله. أدوات أطباء الأسنان مرعبة فهي أشبه بمعدات الحفر والتجريف والثقب التي يستعملها عمال المناجم. لم أكن أشعر بألم جسدي بسبب المخدر لكنني كنت متوتراً أثناء العملية وتذكرت ما كانت تقوله أمي: "ما في أصعب من حاجة الناس إلا وجع الضراس". هذا المثل لم أسمعه في حياتي من أي شخص باستثنائها. ربما هي مَن اخترعته حين عانت من ألم الضرس وحاجة الناس.

انتهت العملية وكانت تعليمات الطبيب: لا طعام ولا شراب إلا بعد ست ساعات، ويفضَّل أن يكون الطعام سائلاً، أما التدخين فيجب الامتناع عنه حتى إشعار آخر.

بعد ساعة، ذهب مفعول المخدر وبدأ الألم، تناولت حبة مسكّنة واحتاج الأمر قليلاً من الوقت ليهدأ ألمي. خلال ذلك عرفت أن الألم أحد الأباطرة الذي يملك قوة مرعبة تجعلك تخرّ ساجداً رغم أنفك وتستسلم وتستغيث. أحسست بالعجز أمام هذا المستوى من الألم، وتذكّرت كلام الشيخ وتمحيص الذنوب وأحسست بالحزن على أولئك الذين يمرضون ويعانون وهم يظنّون أن ذلك هو رحمة من الله.

خلال أسبوع كامل، لم أجرؤ على تحسس مكان الضرس الفارغ بلساني، ولكن مع الوقت أصبح الألم خفيفاً وبدأت أتحسس الفراغ الذي تركه الضرس. كان للوهلة الأولى مخيفاً وغريباً، ومع الوقت التأمَ الجرح واختفى الفراغ وعدت مجدداً إلى الحياة ولم يبقَ من الألم والفراغ سوى الذكرى.

تجربتي مع خلع الضرس منذ لحظة العملية وحتى انتهاء الألم تشبه بعض علاقات الحب حين تنتهي، من حيث الألم الرهيب والفراغ المخيف الذي لا نجرؤ على النظر إليه والتفكير فيه، ومع الوقت نتعافى ويلتئم الجرح تاركاً ندبة وكل ندبة لا تُمحى هي ذكرى لجرح قديم تعرّضنا له.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard