كان الله يعلم أن إبليس لن يسجد لآدم... تساؤلات حول مصدر الشرّ

السبت 10 أكتوبر 202010:18 ص

أظن أنه لا يمكن لأحد أن يثبت أن الله تدخّل في أي حرب قامت منذ آلاف السنين حتى الآن، بغضّ النظر عن الهوية الدينية للجيوش المتحاربة. ومع أن نصوصاً دينية كثيرة من أديان مختلفة تقول إن الله ينصر المؤمنين به، إلا أن ذلك لم يحدث، إلا إذا اعتبرنا أن قتل وتشريد الملايين هو نصر من عند الله...

في كل الحروب التي قامت، بقي الله حيادياً. لم يتدخل، ولم يفعل شيئاً بل ترك البشر يبيدون بعضهم بعضاً... وباسمه في أكثر الأحيان!

قبل أن يخلق الله آدم، أخبر الملائكة بذلك، بحسب ما ورد في الآية 30 من سورة البقرة، {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.

الملائكة، بحسب الرؤية الدينية، لا يجب أن يعصوا أوامر ربهم، وهم معصومون عن الخطأ، لذا كان من المفترض ألا يردوا على الله بهذه الطريقة التي فيها شيء من الاعتراض وعدم الرضا ومحاولة لثنيه عن قراره بخصوص خلق آدم. ولكن الله، ولأسباب لا علم لنا بها تخص مشيئته وإرادته، لم يعاقبهم بل اكتفى بوصفهم بأنهم قليلو العلم ({إني أعلم ما لا تعلمون}).

أما مع إبليس، فكان الأمر مختلفاً كما جاء في الآية 34 من سورة البقرة، {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}. بالطبع، هناك الكثير من الآيات التي تدين إبليس لأنه لم ينفّذ ما أمرهُ الله به.

الله يعلم بقدرته المطلقة ومعرفته اللامحدودة أن إبليس لن يسجد لآدم، وحين أمر الملائكة بالسجود أراد منه ألا يفعل، لأن الوجود يحتاج إلى قطبين ليستمر: الخير والشر، الحياة والموت، الروح والجسد، الأنثى والذكر. يقول الحلاج: ما كان في أهل السماء موحّد مثل إبليس.

"في كل الحروب التي قامت، بقي الله حيادياً. لم يتدخل، ولم يفعل شيئاً بل ترك البشر يبيدون بعضهم بعضاً... وباسمه في أكثر الأحيان!"

يؤمن الملايين من الناس بأن الحروب وما جلبته من موت ودمار وجوع سببه ذنوبنا، ويستندون في ذلك إلى ما جاء في الآية 79 من سورة النساء، {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}، ومَن لا يحفظ هذه الآية يقول: "الخير من الله والشر من أنفسنا".

ورد في الآية 4 من سورة السجدة: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}. إذاً، الله خالق كل شيء. إذاً فهو خالق إبليس، لأن إبليس ليس خارج السماوات والأرض وما بينهما.

وبما أن إبليس مصدر كل شر، فالله خالق هذا الشر الذي يصيبنا من أنفسنا! ويرد في الآيتين 7 و8 من سورة الزلزلة: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ/ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}، ما يؤكد أن ما يصيبنا من خير وسوء هو نتيجة أعمالنا وليس من الله ولا من إبليس.

"الوجود يحتاج إلى قطبين ليستمر: الخير والشر، الحياة والموت، الروح والجسد، الأنثى والذكر. يقول الحلاج: ما كان في أهل السماء موحّد مثل إبليس"

يعترف الدين الإسلامي بأن الله هو خالق إبليس لغاية ما، ولأسباب لا نعلم منها إلا ما علّمنا الله، رغم ذلك بعض المسلمين، من كافة الطوائف والمذاهب، لو قلت لهم إن الله هو سبب الشر الذي يصيبنا لأن الشر مصدره إبليس الذي خلقه الله سيخافون ويرفضون الفكرة.

ينبع رفضهم من عدم تقبلهم أن يكون الله الغفور الرحيم العادل هو مَن خلق كائناً بهذا السوء والشر.

بحكم البيئة الدينية التي أعيش فيها، التقيت بالعديد من هؤلاء وحين كنت أسألهم "مَن خلق إبليس؟"، كانوا يجيبون بشكل ضبابي وغير مفهوم، مثل "الله وحده يعلم، ولو أرادنا أن نعلم لأخبرنا في القرآن الكريم". هناك شخص واحد أجابني وبلهجة العارف "يا بنيّ، إن إبليس خُلق من خيانة حواء لآدم حين أغوته وجعلته يأكل من ثمار الشجرة التي حرّمها الله عليهما، كما ورد في حديث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: ‘لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها’"، فأخبرته "أن هذا الكلام غير مقنع على الإطلاق وحديث الرسول لا يدعم أبداً جوابك"... وبعد نقاش طويل قال لي: "إنك لا تهدي مَن أحببت ولكن الله يهدي مَن يشاء. الله يهديك يا ابني".

بحسب تفكير هؤلاء، إذا رفضنا فكرة أن الله خالق إبليس سيكون هناك احتمالان: الأول أن إبليس هو إله مستقل يمثل الشر المطلق، ولديه شياطين وأعوان هو خالقهم، وبالتالي فإن خالق الملائكة والرسل والأنبياء والبشر والسماوات والأرض هو إله مستقل يمثل الخير المطلق، وهذا ينافي ما جاء في سورة الإخلاص عن وحدانية الله ({قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ})؛ أما الاحتمال الثاني فهو أن يكون إبليس مخلوقاً من قبل إله ما غير الإله الذي تحدثت عنه الديانات السماوية، وهذا منافٍ أيضاً لفكرة وحدانية الله.

وإذا سلم هؤلاء بفكرة أن الله هو خالق هذا الكون بكل ما فيه، حتى إبليس، فلن يتمكنوا من رفض فكرة أن الشر من عند الله، وستواجههم مشكلة بخصوص ما جاء في سورة النساء {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك}.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard