الدراما المشتركة والعنصرية وجهان لعملة واحدة؟

الأربعاء 3 مارس 202112:28 م

"الفن رسالة" لعلها الجملة الأكثر تداولاً من قبل الفنانين على مر العصور، حتى ترسخت هذه الجملة في أذهاننا بشكل تلقائي بمجرد الحديث عنه، وبما أن الفن، كما هو متعارف عليه، عادة ما يكون جامعاً للشعوب لا مفرقاً، غير أنه بدأ في السنوات العشر الأخيرة باتخاذ منحى آخر مختلف كلياً.

هذا المنحى بدأ يخطو أولى خطواته مع صعود أسهم ما يسمى "بالدراما المشتركة"، وتحديداً الدراما القائمة بين لبنان وسوريا، والتي بدأت تعيش أوج ألقها بعد عام 2011، أي بعد حدوث الأزمة السورية. وعلى الرغم من أن هذه الحالة لا تعتبر بالجديدة، فالتعاون بين الفنانين من مختلف الجنسيات العربية كان موجوداً قبل عام 2011، مثل أعمال "مطلوب رجال"، "الحور العين" و"رجال الحسم"، وغيرها من الأعمال التي لم نشعر يوماً من خلالها أن هناك شيئاً غريباً يجب الوقوف والحديث عنه.

الفن، كما هو متعارف عليه، عادة ما يكون جامعاً للشعوب لا مفرقاً، غير أنه بدأ في السنوات العشر الأخيرة باتخاذ منحى آخر مختلف كلياً، و"الدراما العربية المشتركة" خير دليل على ذلك

ولكن الأزمة السورية التي أثرت بشكل كبير على القطاع الدرامي في سوريا وكانت سبباً في تراجعه، وما زاد الأمر سوءاً، هو تَرْك معظم الفنانين السوريين لسوريا للعيش خارجها، حيث يُصنّف هؤلاء الفنانون على أنهم من نخبة صنّاع الدراما السورية. منهم من كان مرغماً على ذلك بسبب مواقفه السياسية، كمكسيم خليل وسامر المصري، ومنهم من كان يبحث عن فرص عمل أفضل وملاذاً آمناً له ولعائلته، كتيم حسن وعابد فهد.

أما بالنسة للفنّيين، من كتاب ومخرجين ومصورين وغيرهم، فلم يختلف الأمر كثيراً، فقد انعكس تراجع صناعة الدراما في سوريا عليهم، ما أجبرهم على اللحاق بموكب الفنانين السوريين، بحثاً عن فرص عمل إنتاجية أفضل.

هذه الهجرة للفنانين وللفنيين لفتت انتباه المنتجين والمحطات، ما جعلهم يستفادون من الأمر في خلق أسلوب تسويقي جديد للأعمال الدرامية، هذا الأسلوب لم يغير فقط في عملية صناعة الدراما، وإنما غيّر أيضاً في عقلية وتصرّفات المشاهد المتلقي لتلك الأعمال، فبين الأخذ والرد لمن يعود الفضل في صعود نجم أعمال الدراما المشتركة، السوري أم اللبناني؟، خلق هذا السؤال حرباً إلكترونية وإعلامية شعواء، كان لها أثر في تصاعد الخطاب العنصري، سواء من قبل الفنانين أو من قبل الجمهور الساعي للدفاع عن رأي فريقه، استناداً للجنسية التي ينتمي إليها.

قبل وبعد 2011، ما الذي اختلف؟

توضح الناقدة الفنية، رزان السيد، لرصيف22، عن هذه الحالة بقولها إنه قبل عام 2011 كان هناك غزارة في الأعمال السورية التي تحمل سوية فنية عالية، وبالتالي هذه الأعمال كانت تُصعّب المهمة على الإنتاجات التجارية لكي تطفو على السطح، وعندما انتهت هذه الأعمال بسبب تأثير العديد من العوامل، بدأت تأخذ الأعمال التجارية مساحة أكبر، وأصبح تعدد الجنسيات ضمن العمل واضحاً وفجاً من دون أي مبرر درامي أحياناً، أو بمبرر ضعيف وغير مقنع كما يجب.

وتضيف: "من المفترض في الوضع الطبيعي ألا نهتم بجنسية الممثل، وإنما بموهبته وأدائه وبجودة العمل ككل، وفي حال انتبهنا لجنسية الممثل يكون للضرورة الدرامية، أي لخدمة الدور وسياق الحكاية"، وهذا ما كانت عليه الدراما قبل عام 2011.

وضعت الدراما المشتركة السوري واللبناني ضمن إطار معين، فصدّرت صورة المرأة اللبنانية الجميلة، والسوري المغلوب على أمره أو الشرير في بعض الأماكن

أما بعد عام 2011: "لا أحد يستطيع أن ينكر النقلة النوعية بالدراما اللبنانية وتأثير الوافدين السوريين عليها، وهذا ما يعترفون به هم أيضاً". فتواجد العنصر السوري خارج سوريا، وتراجع الدراما السورية، سمحا بانتعاش الدراما المشتركة أكثر، وهذا يعني أن هناك أسباباً ذات بعد سياسي واجتماعي أكثر من كونها أسباباً فنية فقط.

"الدعم المالي هو الأساس، والاعتماد ليس على الموهبة وإنما على مدى وصول اسم الممثل عربياً، وهل سيجلب لشركة الإنتاج المال أم لا"، بهذه الصراحة عبرت الممثلة اللبنانية، ندى بو فرحات، لرصيف22 عن حال الدراما المشتركة، وتضيف: "وكما هو معروف، أكثرية الممثلين اللبنانين غير مدعومين مالياً، وليس لديهم أساساً المال الكافي لكي يفرضوا اسمهم على شركات الإنتاج، على عكس الممثلين غير اللبنانيين، حيث الدعم الواصل لهم أقوى بكثير، وبطبيعة الحال، شركات الإنتاج تريد أن تستفيد، وهذا الأمر بالنسبة لي طبيعي جداً".

وتكمل بو فرحات: "لكي نفهم الوضع أكثر يجب ألا ننسى من هو الممول لتلك الأعمال، أي أن شركات الإنتاج من أين تأتي بالمال وإلى أي جهة تنوي عرض أعمالها عليها، ولسوء الحظ إذا كان العمل لبنانياً مئة في المئة لا يتم تمويله ودعمه كما يتم دعم الممثلين السوريين وغير السوريين".

الإعلام وسؤال من الأفضل: السوري أم اللبناني؟ 

يلعب الإعلام دوراً جوهرياً في أي حدث كان، وإن كانت بعض وسائل إعلامنا العربي لا تلتفت لأهمية دورها انطلاقاً من المسؤولية الاجتماعية التي يجب أن تتحلى بها، يجب على المتلقي أن يغربل جميع المعلومات التي يتلقاها.

وسط كل السوداوية التي أحاطت بالأعمال الدرامية المشتركة، استطاع مسلسل "أولاد آدم" توحيد الآراء الإيجابية حوله إلى حد كبير، إذ لم نشهد ذات الردور العنصرية المعتادة عند الحديث عن أي عمل درامي مشترك

فالإعلام، على مدار سنوات الصراع الدرامي، كان شريكاً في إصدار وتدعيم خطاب الكراهية، وزعزعة الاستقرار بين الشعبين السوري واللبناني، من خلال خلق حالة من الجدل حول من الأفضل، ومن ساهم في نجاح الدراما المشتركة، وكان لهذه الحالة تأثير على سلوك وأحكام الناس.

تقول الممثلة بو فرحات بهذا الصدد: "من المؤكد أن الإعلام هدفه جذب المزيد من المتابعين، ولتتم عملية الجذب تسعى (الصحافة الصفراء)، كما أحب أن اسميها، بالاستفزاز من خلال عناوين عريضة تفتعل المشاكل، فهذا النوع من الصحافة استغلّ هذا الموضوع واستفز الممثلين، أكانوا سوريين أم لبنانيين، ولكن بنظري يبقى الخيار للممثل وجوابه، بغض النظر إذا كانت الصحافة مؤذية أم لا".

وتتفق السيد مع بو فرحات في الدور الذي لعبه الإعلام، حيث أكدت أن الإعلام لعب دوراً في تأجيج الصراع، واعتبرت بأن هذا النوع من الأسئلة المطروحة ليس لها أي داعٍ سوى زيادة المشاكل، وأحياناً تكون مقصودة لزيادة المتابعة بالنسبة لبعض الجهات، وأحياناً أخرى يكون الجدال طافياً على السطح فلا يستطيعون تجاهله.

من المستفيد؟

تقول السيد بأنه هناك ثلاثة أطراف مستفيدة من هذا الصراع وتقوم على استغلاله، بداية من المحطات، ومن بعدها المنتج غير المحترف الذي هو مجرد رأسمال ومسيطر على الصناعة، بالإضافة لبعض الفنانين الذين لا يملكون مشروعاً فنياً حقيقياً، وينجرّون وراء هكذا أمور.

عمل الفنيين السوريين وخطاب الكراهية

"إذا كان في دعم من النقابة ومن الدولة رح يصير في مساواة، ورح تلاقينا نحن كمان طايرين ومش عم نعاني أو نعمل مشاكل"، هكذا برّرت بو فرحات ردود بعض زملائها الفنانين الذين ذهبوا بآرائهم حول عمل الفنانين والفنيين السوريين في الدراما المشتركة، لإصدار خطاب كراهية موجّه ضد السوريين، وذلك كنوع من النقمة، كون إنتاج هذا النوع من الدراما يتم بمعظمه من قبل شركات إنتاج لبنانية، وبسؤالهم الدائم: لماذا لا يعمل اللبناني بدلاً من السوري؟

الدراما المشتركة عزّزت مفهوم العنصرية وساهمت بتوتّر العلاقات بين الشعبين السوري واللبناني وكان لبعض وسائل الإعلام دور في تعزيز هذا الصراع وتنميته بدلاً من محاولة معالجته

وتضيف بو فرحات باقتراحها فرض ضريبة على كل من يشترك بأعمال لبنانية، سواء كان ممثلاً أو من الفريق التقني، وهذه الضريبة تذهب للنقابات، فمن خلال فرض الضريبة سيرتفع أجر السوري ليصبح بمستوى أجر اللبناني، وسيتم بالتالي تفضيل اللبناني على السوري في العمل، وهكذا سيصبح هناك مساواة: "لأنه يوجد لدينا يد عاملة لبنانية جيدة، أجرها ليس عالياً وتستحق الحصول على الفرصة، لكن شركات الإنتاج غير معتادة على هذا الخيار، لأن باعتقادها أن أجر اللبناني أغلى من أجر السوري".

الدراما المشتركة والصور النمطية

وضعت الدراما المشتركة كلاً من السوري واللبناني ضمن إطار معين، فصدّرت صورة المرأة اللبنانية الجميلة، والسوري المغلوب على أمره أو الشرير في بعض الأماكن. في هذا الجانب، تقول الممثلة بو فرحات بأن الأعمال الدرامية المشتركة اختصرت على ثلاثية وهي: ممثلة جميلة، بطل سوري وسيم وجيد، وهذا "التريند" شَهَر ممثلين سوريين ولبنانيين.

ولكن الآن بدأت الأمور تأخذ مساراً مختلفاً من خلال الانفتاح على أعمال "نتفلكس" و"شاهد"، حيث سننتقل للمواضيع الأعمق، مواضيع اجتماعية وواقعية، حيث ستكون كل شخصية موجودة بالعمل الدرامي هي بطلة، لديها قصتها الخاصة ولها بداية وعقدة ونهاية.  

من ناحيتها، تقول الناقدة رزان السيد بأنه ليس من الضروري إذا كانت مساحة اللبنانين أكبر من السوريين أن تُفسّر بتوجّه عنصري من قبل شركات الإنتاج، وأنه هناك أجندات تنفذ: "طبعاً لا أنكر وجود العنصرية، ولكن هذه العنصرية لن تظهر بنوع الدور الذي يلعبه الممثل، وإنما سيأخذ مساحته خلف الكواليس".

مسلسل أولاد آدم: بداية إيجابية

وسط كل هذه السوداوية استطاع مسلسل "أولاد آدم" الذي عُرض خلال موسم رمضان 2020، توحيد الآراء الإيجابية من حوله إلى حد كبير، إذ لم نشهد ذات الردور العنصرية المعتادة عند الحديث عن أي عمل درامي مشترك. المسلسل من تأليف السوري رامي كوسا، إخراج السوري الليث حجو، وبطولة نخبة من الممثلين السوريين واللبنانيين: مكسيم خليل، ماغي بو غصن، قيس الشيخ نجيب، دانييلا رحمة، ندى بو فرحات، طلال الجردي، كارول عبود وغيرهم، وإنتاج شركة إيغل فيلمز، لصاحبها جمال سنان.  

فكيف استطاع هذا العمل تحقيق هذه المعادلة، على الرغم من الشروط التسويقية لهذا النوع من الأعمال، التي تفرض نوع حكاية معين وبطولة فردية لا جماعية؟

على الرغم من هذه الحالة الحرجة التي يمر بها قطاع الدراما، تبقى هناك بعض الأعمال الدرامية، كأولاد آدم، التي تبشّر بالخير وتنبئ بوضع درامي مختلف عما هو عليه الآن

في إطار الحديث عن عمل "أولاد آدم" توضح لنا إحدى بطلات العمل، الممثلة ندى بو فرحات، أسباب نجاحه، فتقول إن مفاتيح نجاح المسلسل هي مواضيعه الواقعية، فنحن لم نخترع أو نركّب قصة وندخل أشخاصاً غير لبنانيين لكي نصور ونبيع، عندما يكون لدينا عمل مشترك بين سوري ولبناني وأحداثه في لبنان، بكل بساطة يجب أن يتم اختيار مواضيع موجودة في المجتمع اللبناني الذي هو حالياً منخلط مع المجتمع السوري، وهذا ما حدث في مسلسل "أولاد آدم".

إن كان من الناحية السياسية، فموضوع القاضية (ماغي بوغصن) والفساد هو موضوع لبناني بحت، وقضية الإعلام وخطورته والمشاكل التي يخوضها البطل (مكسيم خليل) في العالم الإعلامي، أيضاً هذه الفكرة عالمية ولها علاقة بلبنان، وأما من الناحية الاجتماعية ودور السارق وحبيبته اللذين يعيشان ظروفاً سيئة (قيس الشيخ نجيب ودانييلا رحمة)، وموضوع السجن وخفاياه والفساد فيه (ندى بو فرحات وكارول عبود) جميع هذه القضايا لها علاقة بالواقع اللبناني.

وتضيف: "أرغب بالتأكيد على نقطة أساسية ودقيقة، هي أنه عندما يكون هناك تساوٍ في المواضيع والأبطال والأدوار لن يكون هناك مشكلة، ولن يتم التطرق للحديث عن العنصرية بعد عرض الأعمال"، فواقعية نصّ العمل وحسن اختيار الممثلين والإخراج الواقعي والإنتاج، جميع هذه النواحي كوّنت أساساً لنجاح عمل "أولاد آدم".

لذا فالدراما المشتركة عزّزت من مفهوم العنصرية وخلقت علاقة واضحة بينهم، هذه العلاقة ساهمت بتوتّر العلاقات بين الشعبين السوري واللبناني، وزادت من حدة المنافسة التي وصلت لتبادل الشتائم العنصرية بينهم، وكان لبعض وسائل الإعلام دور في تعزيز هذا الصراع وتنميته بدلاً من محاولة السيطرة عليه، وعلى الرغم من هذه الحالة الحرجة التي يمر بها قطاع الدراما، تبقى هناك بعض الأعمال الدرامية التي تبشّر بالخير وتنبئ بوضع درامي مختلف عما هو عليه الآن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard