كيف يكون الرَجُل "رجُلاً"؟... بين مسلسل "بريكينغ باد" وحلقات "الفيدا الهندوسية"

الأربعاء 9 ديسمبر 202009:39 ص

ـ لقد اتخذت سلسلةً من القرارات الخاطئة، ولا يمكنني اتّخاذ المزيد منها.

ـ لم اتّخذت تلك القرارات؟

ـ من أجل عائلتي.

ـ إذن لم تكن قراراتٍ خاطئة. ما الذي يفعله الرجل يا والتر؟ (صمتٌ). الرجل يعيل أسرته.

ـ هذا العمل جعلني أخسر عائلتي.

ـ حين تكون أباً تكون لك عائلة دائماً. أبناؤك سيظلون دائماً أولويتك ومسؤوليتك. والرجل... الرجل يعيل أسرته، حتى إن فقد تقدير عائلته له أو احترامها أو حتى حبها. يتحمل ويتابع إعالة أسرته... لأنه رجل.

هذا ليس حواراً في رواية دوستويفسكية، كما أنه لا يدور بين رجلين شرق أوسطيين. هذا حوارٌ ورد في مسلسل أمريكي أٌطلق للمرة الأولى عام 2008 ثم أُنتجت منه خمسة مواسم، آخرها عام 2013، وما زال يُعرّض حتى اللحظة عبر أحدث وسائل التلفزة قاطبةً، أي عبر Netflix، وهو مسلسلٌ شاهده حتى اليوم ملايين الأشخاص حول العالم.

في الحقيقة، حققت الحلقة الأخيرة، رقم 62، من مسلسل بريكينغ بادBreaking Bad وحدها نسبة مشاهدة تخطت الـ10 ملايين شخصٍ تركوا كل ما يشغلهم وتفرغوا لمشاهدتها، إناثاً وذكوراً.

إذن، المكان هو الولايات المتحدة، التي تحتل المرتبة 19 (من أصل 167 دولة) على مؤشر WPS لعام 2019، والذي يصنّف الدول بحسب المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، وتحتل فيه النرويج المرتبة الأولى، والتشاد المرتبة الأخيرة.

والزمان هو القرن الحادي والعشرين، أي أحدث قرنٍ مرّ على البشر، وهو قرن شهد التغيّر الأجرأ على صعيد الأدوار المتبادلة في العائلة وعلى صعيد عدد النساء العاملات (الشابات على وجه التحديد) خارج المنزل، إذ فاق إلى حد ما عدد النساء المتفرغات للمنزل فقط.

والوسيلة هي شاشات اللابتوب والتلفزيون الذكي والأجهزة الخلوية الفائقة الحداثة.

والجمهور ملايين من النسوة، وملايين أُخرى من الرجال.

والرسالة: كي يكون الرجل رجلاً، عليه أن يعيل أسرته. عليه أن يجني المال. وإلا فهو ليس برجل. إذا لم يتمكن الرجل من جني الأموال لإعالة عائلته، تصبح رجولته على المحك.

في الوقت نفسه، لا يقدّم المسلسل أي تعريفٍ آخر للرجولة. كما أنه لا يصف المرأة حين تكون هي المعيلة بل لا يتطرق إليها أساساً. هل تفقد أنوثتها حينها مثلاً في نظر مجتمع Breaking Bad؟

المرأة في المسلسل إما أم لفظت ابنها المدمن وغير المسؤول، والذي، من دون شك لم يكن يجني أي مالٍ حين طردته من منزلها (وما كان منه حين جمع المال سوى أن اشترى منزل والدته ذاته)، وإما زوجة شرطي لا تَبرُز سوى في المشاهد التي تخص زوجها (اكتئابه، خسارته عمله، دخوله المستشفى...)، وإما شابة جذابة وذكية ومختلفة خسرها والدها بسبب اختناقها بقيئها إثر تعاطيها الهيرويين.

والشخصية الأنثوية الأبرز، زوجة والتر، بطل المسلسل، نراها تعاود العمل في محاسبة الشركات كي تساعد زوجها إثر إصابته بالسرطان، ثم تطلب الطلاق منه حين تكتشف الوسيلة التي قرر عبرها إعالة أسرته لسنواتٍ حتى بعد مماته. لكنها بالطبع لا توقع أوراق الطلاق حتى بعد توقيع زوجها عليها، وحتى بعد علاقة عاطفية وجنسية نشأت بينها وبين رب عملها، وتقرر في لحظة ما أن تدعم والتر في خطته لتبييض الأموال التي جمعها من تجارته غير الشرعية بمخدر الميثامفيتامين، مبدّيةً بذلك زوجها وعائلتها على مبادئها.

من أجل امرأةٍ إلهة ورجل سعيدٍ... للغاية

هكذا هي الأنثى – العنكبوت التي تجمع العائلة. وفي مقابل ذلك، ما على الرجل سوى أن يُنتِج، تاركاً مشاهِدةً مثلي تتخبط في التعريفات المجتمعية للأدوار وتنميطها.

ذات يومٍ، قبل سنوات، دعتني صديقتي للانضمام إلى جلسات مع مجموعة من عشر نساء ربما (لم أعدهن يوماً) حَلَفَت كل منهنّ بعد حوالي خمس جلسات أن علاقتها بزوجها انقلبت 180 درجة.

"علينا أن نختار بدقة كيف نقضي لحظاتنا، كما أننا مسؤولون عما ننقله للأجيال في عالمٍ ملتهبٍ ومتقلب لا ينفك كل ما فيه يتغير، ما عدا الرسالة الأممية القائلة بأن الرجل يُخصى معنوياً والمرأة تخسر من أنوثتها إذا انقلبت الأدوار بينهما"

خلال كل جلسة، كانت رئيسة الحلقة تُملي علينا كيف نجعل الأنثى فينا سعيدةً ونجعل أزواجنا سعداء، سعداء للغاية إلى حد عدم قدرتهم على التفكير حتى في التخلي عنّا. تعاليم تلك السيدة الجميلة، التي تشع أنوثةً وقوة، مبنيّة على نصوص الفيدا الهندوسية، وهي ترفض بشدة أي حديث عن المساواة بين الرجل والمرأة. فالأخيرة إلهةٌ طاقتها "ين" والأول كائنٌ طاقته "يانغ"، وبذهابها باتجاه عالم الأعمال تخسر هي من طاقتها القمرية وتحولها إلى طاقةٍ شمسية.

هي أيضاً تعتبر أن على الرجل السعي باتجاه إعالة أسرته، علماً أن سعيه هذا يصبح أصعب إذا كانت زوجته تعمل. تقول: "ما هذا الهراء المسمى مساواة؟ لم أعرف السعادة إلى أن اكتشفت أنني سلكت طريقاً خاطئاً للغاية حين كنت أنا أيضاً أطالب بالمساواة".

حضرتُ سبع جلسات ربما وانسحبت. أزعجني تحديداً عدم فتح باب النقاش أثناء الجلسات وحصرها بالتعاليم كي لا تتشتت المجموعة. وكنت أنا أيضاً، مثلنا جميعنا، أكتب تلك التعاليم. القلم والورقة بين يديّ كل منّا، نكتب بلا هوادة كل ما تتلفظ به السيدة الفائضة أنوثةً، عن كيف نصبح أكثر أنوثةً ونجعل رجالنا سعداء. لكنني لم أكن جاهزةً بعد لأسمع أكثر. فركُ رِجليّ الرَجُل تكتيكٌ ناجعٌ للغاية بحسبها للوقوف في وجه أي محاولة خيانة، فالمرأة تحتاج إلى رَجُل لا يخونها. وتنظيف المنزل ضروري للمرأة كي تبني علاقة مع منزلها فتهتم به وتحفظه من أي أذى. والصراخ غير محبذٌ أبداً، فصوت المرأة ناعمٌ ينبغي عدم رفعه لا سيما في وجه الحبيب.

اكتفيت هنا بذكر بعض التعاليم التي أعلم أنها ستستفز لا محالة أي امرأة مثلي تثير اهتمامها كفتا ميزان العدل، ولن أذكر أفكاراً أخرى أعجبتني، ذلك أنني أريد أن أحتفظ بالسر لنفسي.

"فركُ رِجليّ الرَجُل تكتيكٌ ناجعٌ للغاية بحسب ‘المعلّمة’ للوقوف في وجه أي محاولة خيانة، فالمرأة تحتاج إلى رَجُل لا يخونها. وتنظيف المنزل ضروري للمرأة كي تبني علاقة مع منزلها فتهتم به وتحفظه من أي أذى. والصراخ غير محبذٌ أبداً..."

الأنوثة في نظر المرأة-المعلِّمة مرادفةٌ للقبول والرضى والشهوانية والغفران والعذوبة والسحر. أما الرجولة فخصائصها الرغبة والعناية والفنون والخلق والتنظيم والعزم والفعل.

مكانٌ آخر، وزمانٌ واحد. وسيلةٌ مختلفة هذه المرة، وجمهورٌ نسائي بحت، والرسالة ما زالت واحدة: الرجولة ترتبط بالفعل وبالإنتاج، والأنوثة بالرضى والقبول والغفران، تماماً كما رضيت زوجة والتر في المقطع أعلاه.

رسالةٌ أمميةٌ واحدة

"المرأة تفقد سعادتها حين لا يُتاح لها أداء دورها الأساسي. هي تشعّ حين تتعامل مع نفسها كامرأة، تحتاج إلى صدرٍ حنون يحميها ويهتم بها". هذا الاقتباس عن سيدة هائلة، وقفت في وجه أحلك الظروف وعبرت أصعب امتحانات الدهر، وظلت تعتني بنفسها رغم كل شيء. جميلة، قادرة على الهدوء، واثقة للغاية، متمكنة في التحليل، تتحدث على الأقل ثلاث لغاتٍ بطلاقة، مطلعة على الكثير من الدراسات والتجارب في مجالات الصحة والغذاء والطب ويصعب نقض خلاصاتها. كما أنها معطاء تعطي أولادها الكثير من الحب والوقت والطاقة وتستطيع إسداء النصح في ما يخص الأبناء وتربيتهم ليكونوا أكثر اكتفاءً وامتلاء. ملهمةٌ في الكثير مما تفعله، ومتميزة. لفتني أن تعتبر سيدةٌ قادرةٌ مثلها، وعن تجربة، أن ثمة دوراً أساسياً للمرأة داخل المنزل، وأن المساواة هراء لا يُسعد أحد.

دائماً ما أربط بين أشياء ومواقف مختلفة في عالمي الجاهز دوماً للاستقصاء. لا أؤمن بالحقائق المطلَقة ولا بالثوابت التي لا تهتز. أثبتت لنا الفيروسات أننا كائنات ضعيفة تتخلخل في لحظات، وأثبت لنا بلدنا، مثلنا في ذلك مثل شعوبٍ غفيرةٍ أخرى، أن كل شيء قابل للاهتزاز والانهيار والانفجار في ثانية واحدة لا غير.

لذا، علينا أن نختار بدقة كيف نقضي لحظاتنا، كما أننا مسؤولون عما ننقله للأجيال في عالمٍ ملتهبٍ ومتقلب لا ينفك كل ما فيه يتغير، ما عدا الرسالة الأممية القائلة بأن الرجل يُخصى معنوياً والمرأة تخسر من أنوثتها إذا انقلبت الأدوار بينهما. من أين جاءت هذه الفكرة ولماذا تجذرت إلى هذا الحد حتى في أكثر المجتمعات تطوراً؟ ثم ما الرابط بين الخصيتين والإنتاج، ولمَ تمّ تأنيث الرضى مجتمعياً إلى هذا الحد؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard