حتّى "بتسيلم" تعرّف إسرائيل بالأبارتهايد من النهر للبحر... لماذا الآن؟ وما هي الجدوى؟

الاثنين 18 يناير 202101:39 م

تراجعت إسرائيل عن عدم تلقيح الأسرى الفلسطينيين في سجونها، وشرعت، الأحد 17 كانون الثاني/ يناير، في تلقيح "جميع" النزلاء في سجونها باللقاح المضاد لفيروس كورونا المستجد، عقب انتقادات دولية وحقوقية واسعة. وأكد نادي الأسير الفلسطيني تلقيح ثلاثة من الأسرى ذوي الحالات الصحية الحرجة.


جاء ذلك عقب التحذيرات الفلسطينية، الرسمية والحقوقية، بشأن مصير 4400 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية جراء إصابة 250 منهم بالفيروس التاجي، وفق تأكيد نادي الأسير الفلسطيني.


على الرغم من تباهيها بأنها واحدة من دول العالم السباقة إلى تلقيح أكبر عدد من رعاياها، أكثر من مليوني شخص، امتنعت إسرائيل عن الالتزام بمسؤوليتها كسلطة احتلال في توفير اللقاح للمناطق التي استولت عليها عقب حرب العام 1967 والأسرى الفلسطينيين الذين تعتقلهم.  


وتعددت الانتقادات والمناشدات الدولية والفلسطينية في هذا الصدد. كان أحدثها ما قالته منظمة هيومن رايتس ووتش، في 17 كانون الثاني/ يناير، عن "واجب السلطات الإسرائيلية توفير اللقاحات للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة" المحاصر. علّق مدير المنظمة في إسرائيل وفلسطين عمر شاكر موضحاً "لا شيء يمكن أن يبرر واقع اليوم في أجزاء من الضفة الغربية، حيث يتلقى اللقاحَ أشخاصٌ على جهة من الشارع، بينما يحرم منه آخرون على الجهة الأخرى، بناءً على ما إذا كانوا يهوداً أو فلسطينيين".

"كيف يمكن النضال ضدّ الظلم إذا لم نسمّه باسمه؟"... مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان يقر أن مصطلحاته لتوصيف ما تفعله إسرائيل حيال الفلسطينيين بأنه "احتلال مستديم" أو "واقع الدّولة الواحدة" "لم تعد مناسبة" ويؤكد: "إنه أبارتهايد"

"إنه أبارتهايد"

كان هذا الموقف الإسرائيلي أحد عوامل تحوّل مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم) إلى الإقرار بالحقيقة وتوصيف الطريقة التي يعمل بها النظام الإسرائيلي في جميع الأراضي الواقعة تحت سيطرته على أنه "نظام تفوق يهودي"، أي "أبارتهايد".


في تقرير بعنوان: "نظام تفوق يهودي من النهر إلى البحر: إنه أبارتهايد"، بتاريخ 12 كانون الثاني/ يناير، لفتت "بتسيلم" إلى أنها لدى تأسيسها عام 1989، اقتصر نطاق عملها على حالة حقوق الإنسان في قطاع غزة والضفة الغربيّة بما فيها القدس الشرقية. وأوضحت أن المصطلحات التي ظلت تستخدمها منذ ذاك الحين لوصف ما تفعله سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الأرض، على غرار: "احتلال مستديم" أو "واقع الدّولة الواحدة"، "لم تعد مناسبة"، متسائلةً: "كيف يمكن النضال ضدّ الظلم إذا لم نسمّه باسمه؟".


ونبّهت إلى أن مثل هذه المصطلحات لم يعد يتماشى مع الواقع الذي تغير بمرور السنين بسبب سياسة الضم، والتوسع في إنشاء المستوطنات، وسنّ قانون "القومية" وغيرها من الإجراءات العنصرية التي اعتبرت أن هدفها هو "تعزيز وإدامة تفوّق مجموعة من البشر - اليهود - على مجموعة أخرى - الفلسطينيّين".


أما عن دوافع المنظمة الحقوقية الإسرائيلية، التي تقول إنها تسعى إلى "كشف الغبن والعنف والسلب كأسُس يقوم عليها نظام الاحتلال" الإسرائيلي، وراء هذا التحوّل، فعددتها في بضع نقاط نفت أن تكون "عرضاً تاريخياً" للأحداث، وهي:


إتباع إسرائيل سياسة "فرّق واعزل تسُد"

أكدت "بتسيلم" على تطبيق الاحتلال "قوانين وإجراءات وعُنفاً منظّماً"، أطلقت عليه "عنف الدّولة"، لـ"تحقيق وإدامة تفوّق جماعة من البشر أي اليهود على جماعة أخرى هُم الفلسطينيّون". 

"القرار الأخلاقي الحاسم هو لا للأبارتهايد"... منظمة حقوقية إسرائيلية تُفصّل أسباب تصنيفها الاحتلال الإسرائيلي على أنه "نظام تفوق يهودي" وتتعهد "السّعي بعزم نحو مستقبل يقوم على مبادئ حقوق الإنسان والحرّية والعدالة" في الأراضي الفلسطينية المحتلة

وذلك عبر التعامل مع جميع اليهود في مناطق سيطرة الاحتلال وسيادته وكأنما هم في "حيز واحد"، بينما مكان الإقامة يلعب دوراً مصيرياً للفلسطينيّين، إذ تختلف طريقة تعريف إسرائيل لحقوق السكان الفلسطينيّين بحسب الحيّز الجغرافي. فمن يسكنون أراضي 48 يعتبرون "مواطنين إسرائيليين" وإن كانوا لا يتمتعون بالحقوق نفسها مثل المواطنين اليهود، ومن يعيشون في القدس الشرقية "مقيمون دائمون"، وعِدادُهم نحو 350 ألف فلسطيني، لديهم حقوق أقل من نظرائهم الذين يقيمون في أراضي 48.

 

أما سكان بقية الضفة الغربية المحتلة، نحو 2.6 مليون شخص، فتعدّهم تل أبيب "رعايا فلسطينيين"، وتُخضعهم لحكم عسكري صارم بلا أية حقوق سياسية. يزداد الوضع سوءاً بالنسبة لنحو مليونين من الفلسطينيين يقيمون في قطاع غزة المحاصر.


التمييز بين السكان في الحقوق الأساسية

من أوجه التمييز بين هذه الفئات من السكان التي أشارت إليه "بتسيلم" حرية الحركة والتنقل إذ أكدت أنها متاحة لـ"مواطنيها فقط" داخل جميع مناطق سيطرتها عدا قطاع غزة، مبرزةً تقييد الاحتلال حركة الفلسطينيّين سكّان المناطق المحتلّة  عام 1967 ومنعهم عموماً من العبور بين وحدات المناطق الواقعة تحت سيطرته أو السفر خارجها جواً عبر مطار بن غوريون.


حق المشاركة السياسية أيضاً من الحقوق المحظورة على الفلسطينيين في المناطق المحتلّة، أي أن نحو خمسة ملايين "لا يشاركون في المنظومة السياسية التي تتحكم بحياتهم وتحدّد مستقبلهم". علماً أن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل - الذين يطلق عليهم الاحتلال "عرب إسرائيل" - لديهم حق التصويت الانتخابي والمشاركة في التنظيمات السياسية، لكن جهود عديدة يقودها مسؤولون تسعى إلى تجريدهم من هذا الحق.


وانتقدت المنظمة الإسرائيلية سياسة الاحتلال المتمثلة في "الاستيلاء على الأراضي لأجل اليهود ودحر الفلسطينيّين إلى معازل ضيّقة ومكتظّة"، مشيرةً إلى إنشاء مئات البلدات للسكّان اليهود وعدم بناء أية بلدات للفلسطينيين بذريعة "عدم التوافُق الثقافيّ"، وهو ما أدى إلى أن نسبة المواطنين الفلسطينيّين المقيمين في المُدن لا تتعدّى 10% منهم، وهم يعيشون في أحياء منفردة معزولين عن بقيّة أجزاء المدينة إمّا لنقص الخدمات الملائمة لهُم فيها كالتعليميّة والدينيّة، أو لارتفاع أسعار المنازل أو جرّاء التمييز في بيع الأراضي والمنازل، بحسب المنظمة.

اعترفت المنظمة الحقوقية الإسرائيلية بأنه "مؤلم جداً" "تصويب النظر نحو الواقع"، منوهةً بأن "ما يؤلم أكثر هو العيش تحت البسطار"، في إشارة إلى أن إدراك حقيقة الاحتلال الإسرائيلي لا يضاهي بشاعة ما يعانيه الفلسطينيون في ظله

لماذا الإقرار الآن؟ وما جدواه؟

عقب استعراضها أوجه التمييز الإسرائيلي بين السكان، شددت "بتسيلم" على أن "نظام الأبارتهايد هذا لم ينشأ بين ليلة وضُحاها ولا كانت فكرة الأبارتهايد وليدة خطاب واحد" وإنما كانت "سيرورة تدريجيّة تمأسس النظام وتبلور من خلالها واتّضحت معالمه بمرور الزمن" في ظل دعم "جماهيريّ وقضائي".


وأجابت عن التساؤل الذي قد يبدر إلى أذهان الكثيرين بشأن "الجديد" الذي دفعها إلى تعديل توصيفها للاحتلال عام 2021، وهو "استعداد وتحفّز ممثّلي النظام وهيئات رسميّة لتكريس مبدأ التفوّق اليهوديّ دستوريّاً والتصريح بهذه النيات علناً وعلى رؤوس الأشهاد"، مسقطاً "القناع الذي دأبت إسرائيل على التخفّي وراءه طوال سنين".


وشرحت الفرق بين إتباع سياسات وإجراءات تسهم في تفوّق اليهود وبين وجود تشريعات "مُلزمة" بذلك، قائلةً: "لسنا فقط أمام رسالة لجميع أجهزة السّلطة مفادُها أنّه من اللّائق العمل على تحقيق التفوّق اليهوديّ في جميع الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل بل الرّسالة الآن: أنتم ملزَمون بذلك".


وخلصت إلى أن "منطق عمل هذا النظام (الإسرائيلي) وطريقة تطبيقه مماثلان لما كان في نظام الأبارتهايد الذي اتّبعته جنوب أفريقيا في الماضي" للحفاظ على تفوّق المواطنين البيض هناك. أما الفروق التي رأتها بين النظامين، فمن بينها أن "الفصل في جنوب أفريقيا اعتمد العرق ولون البشرة بينما اعتمدت إسرائيل الأصل القوميّ والإثنيّ" و"الفصل هناك تجلّى أيضاً في الحيّز العامّ فصلاً بين الناس على أساس لون البشرة، فصل رسميّ وعلنيّ يتمّ إنفاذه وضبطه بعمل الشرطة فيما تتفادى إسرائيل بشكل عامّ مثل هذه التجلّيات البارزة".


وتابعت: "يصح القول إن النظام الإسرائيلي نظام أبارتهايد رغم أنه لم يصرح علناً عن نفسه كهذا يوماً... ذلك أنّ مثل هذه التصريح العلنيّ لا يلزم لتعريف النظام كنظام أبارتهايد، فالعنصر الحاسم في ذلك ليس ذاك التصريحيّ بل الوقائعيّ: أي ممارسات النظام".


واعترفت المنظمة الحقوقية الإسرائيلية بأنه "مؤلم" جداً "تصويب النظر نحو الواقع"، منوهةً بأن "ما يؤلم أكثر هو العيش تحت البسطار"، في إشارة إلى أن إدراك حقيقة الاحتلال الإسرائيلي لا يضاهي بشاعة ما يعانيه الفلسطينيون في ظله. كما شددت على أن الواقع الذي تصفه في تقريرها "جدّي وخطير ولكنّه واقع مرشّح لمزيد من التدهور والتصعيد عبر تطبيق ممارسات جديدة".


وختمت "بتسيلم" بالتأكيد أن إقرارها بأن ما تفعله إسرائيل هو أبارتهايد "لا يعني الاستسلام ورفع الرّاية البيضاء، وإنّما على العكس تماماً: إنّه نداء للتغيير"، قائلةً إنها ستواصل "السّعي بعزم نحو مستقبل يقوم على مبادئ حقوق الإنسان والحرّية والعدالة - ضروريّ اليوم أكثر من أيّ وقت مضى" لأن "القرار الأخلاقيّ الحاسم هو لا للأبارتهايد".


ووصفت د. هنيدة غانم، مديرة مركز مدار الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، تعريف "بتسيلم" الاحتلال كـ"نظام أبارتهايد ما بين النهر والبحر" على أنه "موقف ممتاز".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard