تفكيك المؤسسات السياسية والتمثيلية من داخلها... تكتيكات جديدة لهدف قديم

الأحد 21 فبراير 202112:48 م

تقول "الحكمة" التقليدية في مصر إن التنظيمات السياسية مثل الأحزاب والحركات السياسية أو حتى المؤسسات السياسية كالمجالس التشريعية والتمثيلية لا تؤدي أداءً جيداً لأنها لا تتحرك وسط الناس ولا تعبّر عن مشاكلهم ولا تعكس تطلعاتهم.

يردد الجميع نفس "الحكمة" التقليدية في برامج تلفزيونية وفي صحف مقرّبة من النظام وفي تحقيقات صحافية تضع الجرس دائماً في رقبة المؤسسات السياسية والتمثيلية.

الإجابات السهلة دائماً مغرية، لكن الإجابات الحقيقية مكلفة ومسكوت عنها. جزء من ذلك المسكوت عنه دوماً أن هنالك رغبة دائمة من النظام السياسي في مصر بتقزيم المؤسسات السياسية لصالح تقديس صورة الرئيس والمؤسسات ذات الطابع الأمني والعسكري.

تتعرض المؤسسات السياسية في مصر إلى موجة استهداف منظّم جديدة، لها نفس الأهداف القديمة، ولكن بتكتيكات جديدة تناسب التفضيلات الشخصية للنظام ولرأس النظام الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي أورثه عمله العسكري ميلاً إلى تصنيف مَن يخالفوه بأعداء يجب استهدافهم، وأورثه عمله الأمني والاستخباري قدراً كبيراً من الشك في أن كل مَن ليس معه فهو بالضرورة ضده.

فما هي التكتيكات الجديدة المعتمدة لتحقيق نفس الأهداف القديمة؟

1ـ العائلة قبل الحزب... توريث المناصب النيابية

في السادس من شباط/ فبراير، أُعلن عن شغل المقعدين الشاغرين بوفاة النائبين فوزي فتي، عضو مجلس النواب كنائب عن القائمة الوطنية عن قطاع شرق الدلتا، وسعد الجمال، عن القائمة الوطنية قطاع شمال وجنوب الصعيد. كانت المفاجأة في أسماء النواب الذين شغلوا مقاعد النواب الراحلين وهما: النائبة آية فوزي فتي والنائبة أسماء سعد الجمال، ابنتا النائبين المتوفين.

وفي العاشر من شباط/ فبراير، نشر النائب السابق والمعارض هيثم الحريري كشوف نواب القائمة الوطنية من أجل مصر المقرّبة من الأجهزة الأمنية والتي فازت بكل المقاعد المخصصة لنظام القائمة المغلقة. وفقاً للقانون، كل قائمة ملزَمة بوضع أسماء احتياطية للمرشحين في حالة خلو المقعد لأي سبب، سواء كان الوفاة أو العجز عن أداء المهام البرلمانية. وتبيّن أن 88 نائباً من أصل 120 نائباً منتخبين على نظام القائمة المغلقة اختاروا أحد أقارب الدرجة الأولى أو الثانية كنائب احتياطي.

في أغلب هذه المقاعد، لم يلتفت الحزب الذي وضع القوائم إلى الانحيازات السياسية أو إلى الكفاءات الشخصية للنواب والنواب الاحتياطيين، وتقدّمت رابطة العائلة والقرابة على رابطة الانتماءات السياسية والكفاءة، في ما يبدو أنها قناعة لدى الجهة التي تختار النواب بأن البرلمان لا يحتاج كفاءات تفرزها المنافسات الحزبية أو الجدل السياسي، وكل ما يحتاجه هو الولاء التام لسياسات النظام وأموال ضخمة يدفعها النائب مقابل منصب يمكن توريثه لضمان هذا الولاء.

يبدو تكتيك التوريث السياسي للمقاعد النيابية مستحدثاً لدى نظام الرئيس السيسي. فرغم وجود ظواهر مشابهة في بعض المحافظات ذات الطابع القبلي في عهد الرؤساء السابقين، إلا أن وجود تنظيم حزبي مثل الحزب الوطني كمؤسسة سياسية قوية ومسيطرة وفيها درجة عالية من التنافس بين الأعضاء حال دون أن يتطور هذا التوريث ليصبح ظاهرة عامة.

نظام الرئيس السيسي توسع في هذا التكتيك لضمان الولاء التام للنواب وتحويل المنصب إلى مغنم شخصي متوارَث أكثر من كونه منصباً سياسياً يستلزم مهارات سياسية. كما أن التنظيم السياسي الجديد الداعم لنظام السيسي يبدو من الهشاشة حدّ أنه لا يستطيع إنتاج كوادر سياسية يمكن أن تحمل خطاباً سياسياً متماسكاً، فلجأ إلى الحل الأسهل وهو توزيع المقاعد على مَن يتحمل تكلفتها المالية مع توريث المقعد من بعده.

2ـ خلق المعارضة في معامل الأجهزة الأمنية

كانت خطط توريث المقاعد البرلمانية وتفريغها من متطلبات الكفاءة والانحياز السياسي تمشي جنباً إلى جنب مع خطط تجفيف المجلس النيابي من المعارضين البارزين، واستبدالهم بمعارضي الأسقف المنخفضة الذين يسمح لهم فقط بالدخول من خلال قائمة النظام المغلقة، وبالتحالف معها، مع منع أي مصدر آخر للمعارضة.

واجه نظام السيسي مشكلة في كيفية إدماج المعارضة في المشهد لكي يقدّم صورة جيدة عن نفسه أمام العالم. وكانت المعضلة في طبيعة هذا النظام نفسه والتي تشبه الطبيعة الشخصية للرئيس الذي يعاني من أزمة شديدة في استيعاب الاختلافات أو ما يمكن أن نسمّيه بأزمة كراهية الآراء المختلفة مع ما يراه صواباً وحيداً.

"جزء من المسكوت عنه دوماً أن هنالك رغبة دائمة من النظام السياسي في مصر بتقزيم المؤسسات السياسية لصالح تقديس صورة الرئيس والمؤسسات ذات الطابع الأمني والعسكري"

كان الحل مبتكراً ويشبه ابتكارات الأجهزة المصرية التي تبدع في خلق الهياكل المفرَّغة من المضمون. شهدت الانتخابات الأخيرة ظهور كيان وسيط باسم "تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين"، يعمل بتنسيق كامل مع أجهزة استخبارية وأمنية. هدف هذا الكيان المعلن هو التنسيق بين شباب الأحزاب، لكن هدفه غير المعلن هو القيام بدور مؤسسة وسيطة بين الأجهزة والأحزاب بهدف استقطاب كوادر محسوبة على المعارضة لكنها تتفق استراتيجياً مع أجندة النظام، في ما يمكن أن نسمّيه بالمعارضة منخفضة السقف.

استطاع هذا الكيان الوسيط استقطاب عدد من شباب لديهم رغبة في ممارسة السياسة، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية. كانت هذه خطة أمنية لخلق معارضة آمنة في غرفتي البرلمان (الشيوخ والنواب).

وبمجرد انعقاد مجلس النواب، جلس نواب التنسيقية على المقاعد يسار المنصة في رغبة معلنة في شغل مقاعد المعارضة، وهي معارضة مشروطة بشرط الرئيس السيسي حين قال: "نقبل المعارضة من أي حدّ بس بشرط يبقى فاهم هو بيقول إيه"، والفهم هنا هو الاتفاق مع الرؤية النهائية للرئيس والدائرة الأمنية التي تحكم معه.

3ـ تعقّب المعارضين

صُنعت المعارضة على عين الأجهزة، لذا كانت الخطوة التالية هي مطاردة البرلمانيين السابقين الذين لم يندمجوا في العملية المصنّعة في معامل الأجهزة. وكان أبرزهم نواب كان أداؤهم البرلماني ملفتاً في البرلمان السابق.

في 13 شباط/ فبراير، استُدعي المعارض البارز هيثم الحريري للتحقيق بتهمة توزيع رشاوى انتخابية، بعد ثلاثة أيام من نشره أسماء النواب الاحتياطيين وصلة قرابتهم بالنواب المنتخبين. وللمفارقة، خسر الحريري الانتخابات في جولة الإعادة وسط احتجاجات من النائب السابق بدعوى توزيع رشاوى انتخابية من قبل المنافسين الموالين للنظام.

سبق الحريري في قائمة استهداف نواب المعارضة النائب أحمد طنطاوي الذي نشرت حملته مزاعم بتزوير النتيجة النهائية للانتخابات بهدف إسقاطه، وهي نفس المزاعم التي رددها عدد من النواب وبعض الأحزاب المعارضة التي شاركت خارج القائمة الوطنية مثل مزاعم الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي ومرشحه محمد فؤاد عن دائرة العمرانية في الجيزة.

"الكثير من الأحزاب المصرية إما استسلمت لسرديات النظام أو واجهت خطر التفكيك أو استهداف كوادرها. بقي حزب الوفد يحمل صفة ‘حزب معارض’ لكن لا أحد يعرف ما الذي يعارضه، أو على حد تعبير رئيسه: هو معارض مؤيد لمشروع الرئيس!"

في إجراء آخر لتفكيك المؤسسات السياسية وتعقب المعارضين داخل الأحزاب، يشهد حزب الوفد "شبه المعارض" محاولات أخرى تأتي في نفس الاتجاه. فبعد تراشق سياسي في مجلس النواب بين النائب الوفدي عبد العليم داوود ونواب الأغلبية، وصف داوود حزب مستقبل وطن بـ"حزب الكراتين" في تلميح للرشاوى الانتخابية التي يتهم الحزب بمنحها للناخبين، على شكل صناديق تحتوي على سلع غذائية. وكانت النتيجة أن تم تحويل النائب إلى لجنة القيم تمهيداً لاتخاذ إجراء قد يصل إلى الفصل من البرلمان، في شبهة ترصد بالنائب المعارض.

مزاعم تزوير الانتخابات المصرية ليست جديدة، ولا وقائع فصل نواب المعارضة مع أول خلاف حاد مع نواب الحزب الحاكم، لكن الجديد هو انخفاض درجة التسامح مع النواب المعارضين إلى درجة تجعل النظام يتعقّبهم حتى بعد خسارتهم الانتخابات، أو يسمح بتزوير فج لإسقاطهم.

وحتى الذين نجحوا انخفض درجة التسامح معهم إلى درجة أن تراشقاً سياسياً ربما يحدث في كل برلمانات العالم قد يودي بنائب بارز مثل عبد العليم داوود إلى خارج البرلمان.

يبدو أن النظام يرسل رسائل من خلال تلك الخطوات لهؤلاء المعارضين: إننا قادرون على منعكم وتعقبكم وفق خطوات تصعيدية إن لم تلتزموا بالحدود المرسومة سلفاً.

4ـ إغراق أحزاب المعارضة بالموالين

الأغرب في واقعة النائب عبد العليم داوود أن الحزب الذي ينتمي إليه لم يحاول حمايته، مع أنه يشغل منصب رئيس الهيئة البرلمانية للحزب، بل أخذ خطوة أكثر تطرفاً من البرلمان نفسه بأن قام بفصله، بطلب من رئيس الحزب بهاء أبو شقة، المتحالف مع حزب مستقبل وطن، والذي شغل ابنه محمد أبو شقة منصب المستشار القانوني لحملة الرئيس السيسي.

فصل عبد العليم داوود خطوة تدلّ على أن الحزب "نفسه" ضاق بمعارضة نائبه وأن رئيس الحزب "المعارض" أقرب إلى حزب النظام مما هو من رئيس الهيئة البرلمانية لحزبه.

وفي رسالة ولاء للنظام، أتبع الحزب خطوة فصل داوود بخطوة أخرى، إذ اختار نائباً موالياً للنظام رئيساً جديداً للهيئته البرلمانية، بدلاً من النائب المفصول.

يمثل حزب الوفد حالة مميزة لما يمكن أن نسميه بإغراق أحزاب المعارضة بأنصار الموالاة. فبعد الضربات الأمنية أو السياسية، انسحب عدد كبير من المعارضين من المشهد العام أو حُجّم وجودهم واستُبدلت كوادر المعارضة بأعضاء موالين للنظام الحالي أو بأعضاء وقيادات سابقين في الحزب الوطني المنحل، ما أتاح لهؤلاء السيطرة على مفاصل الحزب وانتخاب بهاء أبو شقة رئيساً له، وهو المعروف بمواقفه المتطابقة مع النظام، وكان نائباً معيّناً في البرلمان السابق واختير رئيساً للجنة التشريعية ولعب دوراً كبيراً في تمرير قوانين "سيئة السمعة" على غرار تنظيم حق التظاهر، والكيانات الإرهابية، والطوارئ، وحق الرئيس في عزل وتعيين رؤساء الهيئات الرقابية، وإلغاء الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات، وأخيراً اتفاقية التنازل عن جزيرتي "تيران وصنافير" للسعودية.

كانت سيطرة المجموعات الموالية للنظام على أحزاب المعارضة من داخلها وتغيير بوصلتها بمثابة تكتيكات جديدة ساعدت فيها حالة السيولة الحزبية وتفكك الحزب الوطني وتوزع كوادره على الأحزاب، بالإضافة إلى حالة الاستقطاب الشديدة التي خلقها النظام وجعلت الكثير من الأحزاب إما تستسلم لسرديات النظام أو تواجه خطر التفكيك أو استهداف كوادرها. بقي حزب الوفد يحمل صفة "حزب معارض" لكن لا أحد يعرف ما الذي يعارضه، أو على حد تعبير رئيسه أبو شقة: هو معارض مؤيد لمشروع الرئيس!

تعادي أجهزة الدولة المصرية منذ إنشاء جمهورية يوليو المؤسسات السياسية والتمثيلية بشكل عام. تحاول أن تفككها أو تمنعها من العمل أو تفرغها من معناها حتى لا تنافس النخب العسكرية الحاكمة، أي نخب من خارجها.

لكن مؤخراً، يبدو أننا نواجه تكتيكات جديدة لتحقيق هذا الهدف. فقد أخذت الدولة خطوات إلى الأمام بحيث تفقد المؤسسات التشريعية والتمثيلية وظيفتها الأساسية في التشريع والرقابة وتعود إلى حالة بدائية حيث العائلة بديل عن الحزب، والولاء مقدَّم على المشروع السياسي، وتبادل المنافع الشخصية مقدم على تبادل الآراء حول السياسات، والمعارضة مصنوعة في معامل الأجهزة الأمنية، والأحزاب المعارضة لا تعرف ما تعارضه تحديداً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard