"لا تلمس جسدي"... لماذا لم تتغيّر علاقة الشباب التونسيين برجال الأمن؟

الاثنين 22 فبراير 202108:57 ص

"وزارة الداخلية وزارة إرهابية"، "يا مشيشي يا عميل خذ بوليسك واستقيل"، "ضدّ القمع ضد عودة دولة البوليس والميليشيات وضدّ العسكرة"... هذه عيّنة من شعارات مندّدة بالتعامل الأمني مع المحتجين ما زال الشباب التونسيون يردّدونها في الشوارع، برغم مرور عقدٍ على إسقاط "دولة البوليس".

وبالنظر إلى التطوّرات التي تشهدها تونس منذ النصف الثاني من كانون الثاني/ يناير 2021، من احتجاجات عنيفة وتصادم مع الأمن، يبرز جلياً أن العلاقة بين الشباب التونسيون وقوات الأمن ما تزال صدامية وأحياناً عدائية، برغم محاولات وزارة الداخلية تقديم نفسها في السنوات الأخيرة بمظهر الحريص على حقوق الناس، خاصّةً بعد "استشهاد" عدد من عناصرها على يد الإرهاب.

علاقةٌ لم تتغيّر كثيراً بعد الثورة، خصوصاً أنّها مرتبطة بانتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان في فترة ما قبل 14 كانون الثاني/ يناير 2011، أي قبل رحيل الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، صاحبها تضييق على الحريات وتكميم للأفواه، وسجن وتهجير العديد من الناشطين السياسيين والحقوقيين، إضافة إلى مقتل كثيرين تحت التعذيب. كما أنّ بن علي استخدم جهاز البوليس القوي لقمع التظاهرات في بداية الثورة.

القمع الذي سبق الثورة ورافقها جعل من العلاقة بين "البوليس" الذي يسمى في العامية التونسية "الحاكم" وبين المدني أي "المواطن" في توتّر مستمر، تشتعل كلّما جدّ ما يضع الفريقين على طرفي نقيض.

حملات شبابية لمقاومة أجهزة الأمن

"جيل الثورة" الذي تصدّر الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها تونس منذ سقوط الرئيس بن علي، والتي اندلعت مجدداً في مطلع العام الجديد، عبّد الطريق أمام انتشار فكر احتجاجي جديد أربك السلطات والأحزاب السياسية، خاصةً في ظل شعور الناس بشكلٍ من عودة منظومة الظلم والاستبداد وديكتاتورية القوات الأمنية.

هذا الفكر الاحتجاجي الجديد لخصته الناشطة الشبابية أسوار جويرة لرصيف22 بـ"التطوّر المجتمعي لدى الشباب الذين يحاولون مواكبة التطورات الرقمية التي يشهدها العالم، وهي أشكال معمول بها في بعض الديمقراطيات المتطوّرة".

من بين أهم الحملات التي أسستها جويرة حملة "حاسبهم" التي تدعو إلى "محاسبة أفراد قوات الأمن على كل تجاوز أو مغالاة في استخدام القوة"، كردّ على مشروع قانون زجر الاعتداء على القوات الحاملة للسلاح والذي تدافع عنه النقابات الأمنية.

وينص مشروع القانون هذا، والذي يضم 15 فصلاً، على عقوبات ضد الاعتداءات التي تطال عناصر الشرطة خلال قيامهم بمهماتهم، وخصوصاً خلال "مواجهة خطر محدق"، ويفرض عقوبات على المعتدين على القوات المسلحة، تتراوح بين العقوبات المالية والسجن والإعدام.

هو مشروع مثير الجدل، وعُرض على البرلمان للمرة الأولى عام 2015 ورفضته المنظمات الحقوقية لما تضمنه من فصول اعتُبرت متعارضة مع الدستور وتكرس ثقافة الإفلات من العقاب وتشجع على انتهاك حقوق الإنسان، ليُعاد عرضه ثانيةً عام 2018، ويُفشل في تمريره مرة أخرى.

و"حاسبهم" هي حملة مدنية يشرف عليها ناشطون منذ نحو سبع سنوات، تطالب بعدم إقرار مشروع القانون المذكور، وتسعى إلى تسليط الضوء على الاعتداءات على المواطنين.

من أشهر الحملات الشبابية أيضاً حملة "حتى أنا حرقت مركز" (أنا أيضاً أحرقت مركزاً) التي أطلقتها مجموعة من الناشطين اليساريين عام 2014، رداً على حملة الإيقافات التي طالت شباباً شاركوا في الحراك الثوري الذي أطاح بنظام بن علي، من بينهم إخوة شهداء، وجرحى ثورة، بتهمة حرق مراكز أمنية خلال أحداث الثورة، وهو ما اعتبره الناشطون عودةً قويةً لفلول النظام السابق الذين أرعبتهم الثورة.

الحملة تعتبر أنّ النظام وأحزاب "الخيانة والغدر" انطلقوا في محاكمة الثورة وأبناء الشعب عبر "تلفيق تهم"، ويقول المشرفون عليها في تعريفهم بها إنّهم اختاروا حرق "كلاب الدم ومراكز السلطة والنهب والقمع والتعذيب".

في نيسان/ أبريل 2018، غزا وسم #تعلم_عوم (تعلّم السباحة) مواقع التواصل الاجتماعي، عقب غرق شاب اضطر إلى القفز في نهر بعد مطاردة الأمن التونسي له ولمجموعة من مشجعي النادي الإفريقي لكرة القدم. ندد كثيرون بـ"مقتل" الشاب عمر العبيدي وعدم مساعدة الشرطة في إنقاذه على حد قولهم، وطالبوا بمحاسبة مَن تسببوا في الحادث.

واتهم شقيق الضحية وقتذاك عناصر الأمن بالتسبب بمقتل شقيقه، مشيراً إلى أنّ أصدقاء الضحية وشهوداً أكدوا أنّ عناصر الأمن أجبروا شقيقه على القفز في الوادي (النهر) المليء بالماء، ورغم أنّه أخبرهم بعدم إتقانه للسباحة، أجابوه بعبارة "تعلّم عوم"، يعني تعلم السباحة، وقاموا بدفعه إلى الوادي، حسب رواية شقيق الضحية، ومن هنا جاء وسم #تعلم_عوم.

تحدى أيضاً بعض الشباب الأمن عبر أغاني "راب" شبابية أشهرها أغنية ولد الكانز (وليد اليعقوبي)، "البوليسية كلاب"، التي اتهم فيها الشرطة بترويج المخدرات ثم توقيف أبناء الأحياء الفقيرة متسببين في معاناة عائلاتهم، ناعتاً إياهم والقضاة بالـ"الكلاب".



ووجدت هذه الأغنية رواجاً كبيراً وعرف صاحبها تضامناً منقطع النظير، خاصة بعد إلقاء القبض عليه، قبل إطلاق سراحه إثر ضغط حقوقي. ونشرت مجموعة من مغني الراب في تونس، على فيسبوك ويوتيوب أغنية جديدة تهجموا فيها على جهاز الشرطة والحكومة.



العنف والتعذيب والاغتصاب متواصل

الناشطة في الحركات الاجتماعية أسرار جويرة، التي تعرّضت للتحرّش أثناء مشاركتها في احتجاج، في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر 2020، ضدّ قانون "زجر الاعتداء على الأمنيين"، تقول إنّ "أمنياً تنكّر بزي مدني ودخل وسط الشباب المحتجين وتعمّد الاقتراب من مكان وقوفي أنا ورفيقاتي، ومدّ يده ليتحسّس مؤخرتي، وتعمّد لمس صدري، وهذا كان أشدّ ألماً من العنف الجسدي"، مشيرةً إلى أنّ غايتهم بذلك كانت استفزازنا، ونجحوا فعلياً في ذلك، ثم هجم علينا الأمن باستعمال الغاز المسيل للدموع و"اختطفوا عدداً منا وأوقفوني مع عددٍ من الرفاق، بمجرّد أن صحت ‘لا تلمس جسدي’".

"تنكّر عنصر أمني بزي مدني ودخل وسط الشباب المحتجين وتعمّد الاقتراب من مكان وقوفي أنا ورفيقاتي، ومدّ يده ليتحسّس مؤخرتي، وتعمّد لمس صدري، وهذا كان أشدّ ألماً من العنف الجسدي"

تقول جويرة التي تعتبر أنّ "دولة القمع لم تعد وإنّما هي تكتم أنفاسنا منذ زمن طويل": "لم تعد لدي ثقة في الدولة تماماً، حتى صرت كلّما أخرج من المنزل أتصل برفاقي وأترك الهاتف مفتوحاً، لكي يعرفوا ما يحصل لي في حال اختطفني رجال الأمن، أو اعتدوا عليّ وأوقفوني"، مضيفة أنّ "الوضع الأمني في تونس صار مخيفاً جداً خصوصاً في الفترة الأخيرة، بعد حملة الإيقافات الواسعة، واختطاف بعض النشطاء مع إنكار وجودهم في مراكز الإيقاف، وكأن هذا ليس كافياً فالأمن صار يرابط بجانب منازل بعض النشطاء، فيما يقتحم بعض عناصره منازل آخرين دون موجبٍ قانوني، فقط من أجل إخافتنا وترهيبنا".

وفي قضية أخرى، تعرّض القاضي مكي بن عمار للتعذيب داخل السجن الذي دخله على خلفية تهم تتعلق بالإساءة إلى الغير عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لأنّه تحدّث في تدوينةٍ عن عصابةٍ متورّطة في حرائق الأراضي الزراعية التي انتشرت صيف 2019 في محافظة سليانة.

يؤكد النائب ورئيس لجنة الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد في البرلمان، بدر الدين قمودي لرصيف22، تعرض القاضي إلى "كلّ أصناف التعذيب الوحشي داخل السجن، من ذلك إدخال قضيب أو قارورة في مكان حساس من جسده، سببت له رضوضاً واحتقاناً للدم"، وفق تقريرٍ طبي، وكان قد حضر المحكمة على كرسي متحرّكٍ، وخرج من السجن في سيارة إسعاف.

"طحنا بيك وحدك توا ترى آش نعملو فيك" (أمسكنا بك لوحدك. سترى ما الذي سنفعله بك). هذا ما قاله أعوان فرقة وحدات التدخّل حين أمسكوا بالمنسق الوطني لملف المفروزين أمنياً حمزة بن عون، خلال مشاركته في تحرّك دوري للمفروزين أمنياً (نشطاء الاتحاد العام لطلبة تونس، الذين نشطوا في فترة حكم بن علي، وعوقبوا بحرمانهم من حقهم في العمل بسبب مواقفهم النقابية)، في التاسع من شباط/ فبراير 2021، من أجل المطالبة بتسوية ملفهم، قبل أن ينهالوا عليه ضرباً، وهو ملقىً على الأرض.

يقول حمزة لرصيف22 إنّ "عشرة أعوان يرافقهم إطار أمني سامٍ تعمّدوا تعنيفي وسبّي وشتمي في الشارع"، وحين احتجّ على الطريقة المهينة التي تعاملوا بها معه، انتزعوا هاتفه الجوال منه واقتادوه إلى مركز الأمن، مشيراً إلى أنّه لولا تحرّك رفاقه وإعلام الجمعيات الحقوقية بإيقافه، لتم تلفيق تهمٍ كيديةٍ له ورميه في السجن.

يصف حمزة التعاطي الأمني مع الشباب المحتجين بـ"النزعة إلى العنف والرجوع إلى فترة القمع"، خصوصاً أنّهم "ما وجدوا فرصة إلا وقاموا بانتهاكات خطيرة في حق الشباب الثائرين"، ما يدفعه إلى التساؤل عمّا إذا كانوا فعلاً يتلقون تكويناً مهنياً قبل ممارسة مهنتهم.

"الوضع الأمني في تونس صار مخيفاً جداً خصوصاً في الفترة الأخيرة... لم تعد لديّ ثقة في الدولة تماماً، حتى صرت كلّما أخرج من المنزل أتصل برفاقي وأترك الهاتف مفتوحاً، لكي يعرفوا ما يحصل لي في حال اختطفني رجال الأمن، أو اعتدوا عليّ وأوقفوني"

وكانت محكمة الاستئناف في تونس قد قضت عام 2014، بسجن شرطيين لمدة 15 عاماً بعد إدانتهما باغتصاب شابة عام 2012، كانت برفقة خطيبها ليلاً في جولة على متن سيارة. ووصف البعض وقتها وزارة الداخلية تهكماً بـ"وزارة الاغتصاب الشرعي"، ونشروا على صفحات فيسبوك تعاليق عدّة مثل "هي اغتصبوها ثم اتهموها" و"اصمتوا، الشرطة تغتصب التونسيات".

وقالت الفتاة وقتذاك إنّ "سيّارة مدنية داخلها ثلاثة شبّان، اقتربت منّا، ونزل ثلاثتهم وتوجهوا نحونا فعرفنا أنّهم أعوان أمن، تقدّم أحدهم لمرافقي وأمره بالنزول، ثم اقتادني الآخران إلى سيارتهم ووضعاني في الخلف ثم صعد زميلهم الثالث في سيارتنا ناحية المقود وأخذ رفيقي وابتعد به عن المكان ليبتز منه مبلغ 300 دينار (110 دولارات)".

العقلية البوليسية "ثقافة"

الصراع بين الأجهزة الأمنية من جهةٍ، وبين محامين وحقوقيين وشباب غاضبين ومسيسين من جهةٍ أخرى، عاد من جديد إلى الواجهة بداية العام الحالي، واشتدّ خلال شهر شباط/ فبراير، إذ أوقف1680  شخصاً، بينهم محامون، منذ بدء الاحتجاجات الشعبية في البلاد التي انطلقت في 18 يناير/ كانون الثاني الماضي، وفق ما أعلنه رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في تونس جمال مسلم.

وكشف مسلم عن جملة تجاوزات وصفها بالخطيرة من قبل الأمن، وصلت حدّ التعذيب وسوء المعاملة وانتزاع اعترافات بالقوّة ومداهمة منازل دون إذن قضائي، فضلاً عن تلفيق تهمٍ كيديةٍ للمحتجين.

وأضاف مسلم لرصيف22 أنّ من بين الشهادات التي رصدتها الرابطة تعرّض بعض القُصّر إلى شروع في الاغتصاب الفعلي من قبل الأمنيين داخل مراكز الإيقاف، إضافةً إلى الاعتداء بعنف شديد على البعض الآخر وكسر عظامهم.

وأرجع هذا العنف في التعامل إلى الفشل الذريع لسلطة ما بعد الثورة في معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب اتساع الفئات الفقيرة والمهمشة، وهو ما جعل السلطة تواجه التحركات الاحتجاجية بهذا الكم من العنف.

من جانبه، قال المحامي معز صالحي، الذي يدافع عن الشباب الموقوفين على حلفية تحركات احتجاجية، لرصيف22 إنّ العلاقة التي تجمع بين الشباب المحتجين وقوات الأمن مرتبطة دائماً بقوّة دفع تقابلها قوّة صدٍّ، مشيراً إلى وجود محاولات حثيثة لإسكات أصوات المحتجين، وقع فيها خرق فصول القانون المتعلّقة بالإيقافات.

وصنّف صالحي أسباب هذه العلاقة المتوترة إلى ثلاثة، منها دوافع ذاتية متعلّقة بالأمنيين الذين لم يتعودوا على حرية التعبير بعد، ولا احترام الموقوفين، إلى جانب دوافع سياسية من أطراف في الحكم، وفي مقدمتها حركة النهضة، وذلك عن طريق تشجيع الأمنيين على صدّ الحركات الاجتماعية.

واعتبر صالحي أنّ السبب الأهم في ذلك هو الضعف الكبير في تكوين الأمنيين، الذين يعتقد أنّهم لا يعرفون معنى البروتوكولات ولا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولا الحريات الأساسية الموجودة في الدستور، وأنّهم ما زالوا يعملون وفق العقلية البوليسية التي حكموا بها قبل 2011.

ولفت الحقوقي أيضاً إلى أنّ الأمن متشبث بالظهور في صورة الحاكم الفعلي للبلاد، وبأنه الطرف الأهم في تسييرها، وهو ما تأكد يوم السبت، في السادس من شباط/ فبراير، حين أغلق الشارع الرئيسي للعاصمة، وأصبحت البلاد كأنّها سجن كبير، فقط من أجل منع الاحتجاجات المبرمجة، إحياءً لذكرى استشهاد القيادي اليساري شكري بلعيد.

في المقابل، يرى الباحث في علم الاجتماع مراد مهني أنّ العلاقة المتوترة بين الشباب والمؤسسة الأمنية متجذّرة في ثقافة الشباب التي تقوم على رفض المؤسسات، خاصّةً تلك التي ترى أنها تمارس نوعاً من التسلّط والظلم.

وفسّر مهنّي لرصيف22 حدّة التوتر الاجتماعي بالإحباط الذي شعر به الشباب الذين أشعلوا ثورةً أملاً في تغيير أوضاعهم الاجتماعية، غير أنّهم وجدوا أنفسهم أكبر متضرّرٍ من هذه الثورة التي فجّروها، في حين مثلت القوى الأمنية الواجهة التي وضعتها السلطة أمام هؤلاء الشباب في الميدان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard