انقسامٌ على دعمها وشيطنتها... تنسيقيات تونس وعوامل ظهورها وأهدافها

الأربعاء 27 يناير 202102:05 م

"نفّذنا نحن مجموعة من الشباب العاطلين عن العمل في محافظة قابس (الجنوب الشرقي) عدة تحركات احتجاجية واتصلنا بالمحافظ وبالاتحاد الجهوي للشغل وطالبنا بفتح مناظرة (اختبار) للانتداب في المجمّع الكيميائي في المحافظة، غير أن مطالبنا قوبلت بالرفض"، يقول أحد منسقي تنسيقية (لجنة شعبية تلقائية) "اعتصام الصمود 2" في قابس علاء الدين الحزامي لرصيف22.

ورداً على ذلك، قررت المجموعة يوم 14 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي تنفيذ "اعتصام الصمود2" أمام أبواب المنطقة الصناعية في قابس وتشكيل التنسيقية في اليوم ذاته، والتي تبنت مطالب التشغيل في مختلف الشركات التابعة للمجمّع في المحافظة والتنمية وإحداث مستشفى جامعي وكلية طب في قابس واستكمال إنجاز المشاريع المعطلة التي تم إعلانها في مجالس وزارية سابقة خاصة بالمحافظة.

"رفعت هذه التنسيقية شعار رفض الانتماء إلى أي أطراف سياسية أو جمعياتية أو حزبية، وتم انتخاب فريقها من قبل مختلف المعتصمين، ونحن مواطنون مستقلون خرجنا نطالب بحقوقنا لا أكثر ولا أقل"، يؤكد الحزامي.

دفع فشل نواب البرلمان في الاستماع إلى أصوات الشباب المحتج وإيصالها إلى السلطات المركزية والدفاع عن حقوقهم إلى اتخاذ قرار التحرك بمفردهم، ونيل مطالبهم بأنفسهم بطرق سلمية وتمثيل أبناء منطقتهم، وفق الحزامي.

وقررت التنسيقية منذ أكثر من شهر تعليق الاعتصام إثر عقد مجلس وزاري في قصر الحكومة في القصبة، يوم 11 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، خُصّص للتنمية في قابس وأقرّ جملة من القرارات.

ومن بين هذه القرارات، انطلاق إجراءات مناظرة (اختبار) انتداب 541 عوناً في المجمّع الكيميائي التونسي خلال الثلاثية الأولى من عام 2021، وتوفير ألف فرصة عمل في المنطقة.

ويفيد الحزامي بأن التنسيقية تتابع حالياً مدى إيفاء السلطات بتعهداتها، لتقرر بناءاً على ذلك استئناف الاعتصام من عدمه.

"تنظيم شعبي تلقائي"

إلى محافظة القصرين (الوسط الغربي)، حيث يشهد حقل الدولاب النفطي في المحافظة والذي تأسس عام 1968 اعتصامات منذ عام 2011 تطالب بالعمل فيه، ما دفع بعدد من شباب مدينتي العيون وسبيطلة من أصحاب الشهادات العليا ومن غيرهم من العاطلين عن العمل إلى تأسيس تنسيقية "اعتصام الدولاب" يوم 15 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.

تطالب التنسيقية بتوفير فرص عمل لشباب المنطقة وبنصيب للقصرين من المشاريع التنموية لأنها "مهمشة وتتصدر ترتيب نسب البطالة والفقر"، وفق ما يوضح عضو فريق إعلام التنسيقية عماد قصداوي لرصيف22.

"لم يُصغ أي طرف لنداءاتنا منذ عقود فقررنا التحرك بأنفسنا من دون أية وساطة، ولجأنا إلى التنسيقية كتنظيم شعبي تلقائي لندافع عن حقوقنا بمفردنا"، يقول قصداوي.

وتعقيباً على اتهام التنسيقيات بالانتماء السياسي، يعلق عماد: "رفضنا منذ انطلاق الاعتصام مشاركة أي معتصم معنا له انتماء سياسي وحزبي، لكن من المؤكد أن هنالك أطراف حزبية ترسل مندسيها لتشويهنا، ولا يمكننا التعرف عليهم دائماً"، مضيفاً بالقول إن "المبدأ العام هو الاستقلالية التامة عن أي انتماء".

يرفض قصداوي رفضاً قطعياً الرأي القائل بأنهم يهددون وحدة الدولة. "لا نسعى لبث الفوضى، نحن فقط نطالب بحقوقنا المشروعة المحرومين منها لعقود"، يختم كلامه.

وعود كاذبة

تعاني محافظة توزر (الجنوب الغربي) من معضلة عقارية وهي امتلاك الدولة لـ97% من مساحة المحافظة، بينما ترفض البلدية السماح للمواطنين بشراء قطع أرض سكنية رغم تقديم ملفاتهم كاملة منذ عام 2007، وذلك بذريعة عدم وجود مساحات ترابية، وفق ما يؤكد منسق عام تنسيقية "إحداث توزر الجديدة" راغب الزين لرصيف22.

بعد الرفض المتواصل وعدم تطبيق وعود المجلس الوزاري لعام 2015 والمجلس الجهوي لعام 2018 الخاصين بالمحافظة، ظهرت عدة تحركات احتجاجية واعتصامات تُوّجت بتأسيس التنسيقية في تموز/يوليو 2020 من قبل محتجين وشباب من أصحاب الشهادات العليا بهدف تمكين كل مواطن من قطعة أرض، بحسب المصدر ذاته.

من قابس إلى القصرين وتوزر وغيرها من المحافظات التونسية، تنسيقيات تشكلت عفوياً وتسعى للمطالبة بحقوق من تم تهميشهم وملاحقة الوعود التي لم تُنفّذ... يدافع أصحابها عن مشروعيتها بينما تُواجَه بتهم خلق الفوضى حيناً والمحاباة حيناً آخر 

وفي ما يخص المجال العقاري في توزر، كان المجلس الوزاري قد أقرّ :تسوية وضعية الأراضي الراجعة بالملكية للدولة وإدخالها في الدورة الاقتصادية وتصفية الأراضي الاشتراكية وتكوين لجنة لاقتراح حلول للضيعات الدولية الأربع المتأتية من تصفية شركة التنمية الزراعية و التمور في المحافظة".

كما أعلن المجلس الجهوي عن عدة إجراءات لفائدة توزر من بينها إحداث مناطق سقوية في حدود ألف هكتار وإحداث 22 بئراً في المحافظة.

وتسعى "إحداث توزر الجديدة" كذلك إلى تمكين المواطنين من مقاسم زراعية وإلى توفير مشاريع صغرى وكبرى لشباب المنطقة، وفق تصريح منسقها العام.

يُشدّد الزين على أنها جاءت بمطلب شعبي مستقل وأنها لا تنشط تحت أي راية سياسية أو حزبية أو نقابية، رغم محاولة عدة أحزاب استغلالها والركوب على الأحداث، حسب تعبيره.

"نحن طالبو حق ولسنا دعاة فوضى، هذا هو شعارنا ومن يطالب بحقّ مشروع يضمنه الدستور لا يمكن أن يكون معطلاً أو مهدداً لوحدة الدولة وعلوية القانون، بل نحن أصحاب مشاريع ونحن مع الدولة في بناء المشاريع لمصلحة الشعب"، يؤكد.

ما هي هذه التنسيقيات؟

تعددت التنسيقيات في مختلف مناطق البلاد وتوحدت مطالبها وشعاراتها بين الشغل والتنمية العادلة، فما هي هذه التنسيقيات وما هي العوامل التي ساهمت في ظهورها وفي ما تتمثل أهدافها؟

ليست التنسيقيات الجهوية شكلا تنظيمياً جديداً في الحراك الاحتجاجي الاجتماعي وإن اختلفت التسميات، فأحياناً نجد بعض المسميات كـ"اعتصام الكرامة" و"اعتصام هرمنا" و"اعتصام استرداد الحق"، وهي ظهرت فقط مؤخراً باعتبارها تجمُعاً لعدد من الفاعلين في الحركة الاجتماعية، كما يقول الناطق الرسمي باسم "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" رمضان بن عمر.

والمنتدى هو منظمة حقوقية مستقلة تأسست عام 2011، ومن أهدافها نشر ثقافة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

يُبيّن بن عمر، في حديثه لرصيف22، أن فكرة التنسيقيات قديمة واستعملتها الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني للتشبيك والعمل المشترك بين فاعلين يجمع بينهم في لحظة معينة هدف واحد.

يشاطر الناشط في الحراك الاجتماعي عبد الحليم حمدي بن عمر الرأي، ويعرّف هذه التنسيقيات بأنها ظاهرة قديمة ومتجددة كشكل من أشكال التنظيمات الأفقية "المشروعة" التي قطعت مع التنظيمات التقليدية القديمة.

ويوضح لرصيف22 قائلاً: "هي تنسيقيات فئات معينة من المجتمع كتنسيقيات العاطلين عن العمل وتنسيقيات ′عمال الحضائر′، حيث ظهرت منذ عام 2011 حركات احتجاجية تطالب بالتنمية والتشغيل وحاولت التنظم ذاتياً".

و"عمال الحضائر" يدل كمصطلح منتشر في تونس على مواطنين من فئات اجتماعية مختلفة، بينهم حاملي شهادات الثانوية العامة وشهادات عليا وأميين وأرامل، ويناهز عددهم الـ85 ألفاً. يتوزعون على وزارات ومؤسسات وإدارات عامة كالصحة والتربية لكن دون عقود عمل رسمية أو تثبيت، ويتقاضون أجورهم بناءاً على بطاقة الهوية، وهو ما يدفعهم للمطالبة بتسوية أوضاعهم.

ويرى حمدي أن تراجع دور منظمات المجتمع المدني في تأطير ودعم هذه الحركات جعلها تعوّل على نفسها، وبرزت منذ عام 2014 عدة أسماء في الحراك الاجتماعي تخاطب وسائل الإعلام وتتفاوض مع الحكومة، على غرار تحرّك عمال الحضائر وهو من أشهر تحركات تونس التي تشمل مختلف مناطق البلاد.

قطيعة

بدوره، يعتبر بن عمر أن ظهور فكرة التنسيقيات هو دليل على القطيعة مع التنظيمات التقليدية الكلاسيكية المتمثلة في الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني التي أصبحت "مجالاً للإقصاء ولا تستهوي الشباب المنخرط في هذه التنسيقيات باعتبارها تعاني مشاكل على مستوى أخذ القرار".

وكنتيجة لذلك، ظهرت هذه التنسيقيات كشكل بديل عرف ذروته خاصة مع الحركات الشبابية مثل حملة "مانيش مسامح" (لن أسامح)، ليتطور هذا الشكل التنظيمي الأفقي منذ ذلك الوقت بشكل كبير جداً، وفق الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وأسست مجموعة من الناشطين هذه الحملة إثر حديث رئيس الجمهورية السابق الباجي قايد السبسي، في خطابه يوم 20 آذار/مارس 2015 عن مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية مع نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي الذي أسقطته الثورة.

وكان أول تحرك ميداني لها يوم 28 آب/ أغسطس 2015، وتهدف إلى سحب مشروع هذا القانون الذي تراه يتعارض مع مسار العدالة الانتقالية في تونس القائم على كشف الحقائق والمحاسبة والاعتذار.

"ظهور فكرة التنسيقيات هو دليل على القطيعة مع التنظيمات التقليدية الكلاسيكية المتمثلة في الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني التي أصبحت مجالاً للإقصاء ولا تستهوي الشباب"... جولةٌ على بعض تنسيقيات تونس وآليات عملها ومطالبها 

وبحسب حمدي، فإن تنكر السلطة لجملة الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية يُعدّ من أبرز العوامل التي ساعدت على تنامي ظاهرة التنسيقيات الجهوية.

ويوضح في هذا الإطار أن مسار الثورة في تونس ارتكز على الانتقال الديمقراطي والسياسي والانتخابات، ولم يخرج من هذه الدوامة "بين حكومة تأتي وأخرى تذهب"، دون تفعيل الانتقال الاقتصادي والاجتماعي.

وهذا ما يجعل من هذه التنسيقيات "حركات مطلبية" أعلنت عزمها المتجدد على نيل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتذكير الحكومة بضرورة الاستجابة لها "لأننا تعودنا في تونس للأسف على أن استجابة السلطة لا تكون إلا بعد التحركات الشعبية أو بالضغط عبر الشارع أو الاعتصامات"، يؤكد حمدي.

مخاوف من بث الفوضى

في مقابل ذلك، يرى طرف أن نسبةً من هذه التنسيقيات ظهرت بهدف بث الفوضى فيما تُحرّكها أطراف سياسية.

يُبيّن النائب عن حزب "ائتلاف الكرامة" أمين ميساوي، في حديثه لرصيف22، أن حزبه يساند التنسيقيات ذات التحركات السلمية والقانونية المطالبة بالتنمية والتشغيل مهما كانت انتماءاتها، لأن الاحتجاج حق دستوري.

في المقابل، يشدد على رفض الحزب القاطع وعدم اعترافه بالتنسيقيات التي وصفها بـ"الفوضوية والعبثية التي تنخرط في مسار التخريب والنهب والسرقة والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، كما حدث مؤخراً في مناطق مختلفة من البلاد".

ويتحدث ميساوي عن وجود تنسيقيات تابعة لرئيس الجمهورية قيس سعيد الذي يتحدث دائماً في خطاباته عن الشباب في كامل المناطق، وعن أطراف على موقع فيسبوك تتكلم باسم الرئيس تدعو إلى النزول إلى الشوارع وإلى الفوضى والتخريب، مؤكداً تبرؤ الحزب منهم.

كما يشدد على إيمان "ائتلاف الكرامة" بـ"الحرية وبحق الاختلاف والإضراب بالطرق السلمية والحضارية وعلى نبذ العنف، حتى وإن كان مأتاه رئيس الجمهورية الذي للأسف لم يتبرّأ من صفحات التواصل الاجتماعي المتحدثة باسمه والداعية إلى التخريب".

في المقابل، يعزو بن عمر ما قال عنه تخوّف البعض من فكرة التنسيقيات إلى ما حدث في الانتخابات الرئاسية عام 2019، مع بروز تنسيقيات ساهمت في فوز سعيد برئاسة الجمهورية وأصبح يُنظر لها على أنها تسعى إلى تعويض التنظيمات التقليدية الكلاسيكية.

"الشيطنة هي خطاب الأحزاب الممثلة للسلطة التي تسعى دائماً ومنذ عام 2011 إلى وصم الحركات الاجتماعية، باتهامها بالانتماء إلى أطراف سياسية معينة لعزلها عن أي تأييد". 

وفي رد على هذه المخاوف، يرى بن عمر أن حملة الشيطنة التي تستهدف التنسيقيات هي ذات مغزى سياسي وتهمّ الأطر التقليدية التي تخاف من أن تعوضها هذه التنظيمات الأفقية الجديدة وترتبط حتى بتغيير نموذج نظام الحكم الذي تطالب به اليوم عدة أطراف.

ويشدد بن عمر على أن التنسيقيات ذات المطالب الاجتماعية والاقتصادية وعلى عكس ما يُشاع عنها، بإمكانها مساعدة الدولة في التحاور والتفاوض مع أطراف معلومة ومنظمة لكي تبتعد عن التشتت وعن المطالب الآنية الذاتية المباشرة وتذهب أكثر نحو المطالب التي تجمع الفاعلين الاجتماعيين.

من جهته، يؤكد حمدي أن من الإجحاف اتهام التنسيقيات الجهوية بخرق القانون، معلّلاً موقفه بإقصاء المنظمات القانونية كـ"اتحاد المعطلين عن العمل" المتحصل على تأشيرة قانونية من مفاوضات تشكيل الحكومات، ما يعني عدم الاعتراف بها.

ويضيف أن "الشيطنة هي خطاب الأحزاب الممثلة للسلطة التي تسعى دائماً ومنذ عام 2011 إلى وصم الحركات الاجتماعية، باتهامها بالانتماء إلى أطراف سياسية معينة لعزلها عن أي تأييد وتشتيتها، لأن محرّكها الأساسي هي مطالبها المشروعة والجوع والحقرة (الاحتقار) والتهميش".

ولمواجهة هذه الحملات ونيل الحقوق، يدعو حمدي التنسيقيات إلى التقليل من دائرة الأعداء، وتوسيع دائرة الأصدقاء، واتباع خطاب إعلامي موجه وواضح مع توضيح البوصلة وطرق الباب، والاتصال بمنظمات المجتمع المدني وحتى بالأحزاب وطرح الرؤى لتصحيح مواقفهم تجاه التنسيقيات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard