"التلاعب" و"الوجاهة"... ماذا وراء أزمة لقاحات كورونا في العالم العربي؟

الأربعاء 17 فبراير 202105:11 م

عدّد خبير دولي المشكلات التي تواجه توزيع لقاحات فيروس كورونا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعزا القدر الكبير من الشائعات والمخاوف المتعلقة بها إلى غياب المعلومات الكافية والتشويش الناجم عن ذلك.

 

ودان الدكتور تمام العودات، نائب المدير التنفيذي لحملة توفير الادوية الأساسية بمنظمة أطباء بلا حدود، ما أسماه بـ"التلاعب" الذي تمارسه بعض شركات الأدوية التي نجحت في تطوير لقاحات لكوفيد-19 حتى الآن، واعتبره أحد أسباب عرقلة التوسع في إنتاج اللقاحات وتوصيلها بشكل أسرع إلى الدول الفقيرة، جنباً إلى جنب مع عقبة قانون حماية الملكية الفكرية.

 

في تصريح لرصيف22، قال العودات: "هناك الكثير من الأسئلة التي يتم طرحها والتركيز عليها في العالم العربي: شو هي اللقاحات؟ أي لقاح أفضل؟ أي لقاح نأخذه؟ ما فعالية اللقاحات؟ أعتقد الناس تم تشويشها بسبب الافتقار إلى معلومات حقيقية ودقيقة. خلّي الأول يصير فيه لقاح وبعدين نسأل هذه الأسئلة".

 

كان العودات صاحب الخبرة الطويلة في مجال الأخلاقيات الطبية في الظروف الطارئة، قد تحدث عن الأزمات التي تواجه العالم بشكل عام، والمنطقة بشكل خاص، في ما يتعلق بتوزيع لقاحات كوفيد خلال ورشة تدريبية نظمتها مؤسسة تومسون رويترز حضرها رصيف22.

 

أخلاقيات غائبة

شرح الطبيب السوري: "لم يكن موجوداً ما نعرفه الآن من برامج وطنية اللقاحات الموصى بها للأطفال لمنع انتشار الأمراض بشكل واسع حتى عام 1978"، موضحاً أن معظم الدول العربية كانت قادرة على توفير معظم اللقاحات لمواطنيها على مر العقود حتى بدء جائحة الفيروس التاجي.

أرجع العودات سهولة حملات التلقيح سابقاً إلى رخص اللقاحات وتوفرها إلى حد كبير، مضيفاً أن الاهتمام باللقاحات تطور تدريجياً بينما كانت هناك سبعة لقاحات بنهاية عام 1978، وصل عددها إلى 12 أو 15 لقاحاً حالياً.


في غضون ذلك، حدث ارتفاع في أسعار اللقاحات. يقول العودات: قبل 15 سنة، كانت جميع اللقاحات للطفل الواحد تكلف ستة إلى سبعة دولارات. حالياً، بدون دعم أو أسعار خاصة، قد تكلف اللقاحات 40 دولاراً للطفل.

أمر آخر يُصعّب تداول اللقاحات هو القانون الدولي الذي يحكم طريقة تصنيع الأدوية واللقاحات وتداولها. قال العودات إن هذا القانون أحد الأسباب الأساسية التي تعرقل تأمين لقاحات كوفيد-19 في الدول النامية.

 

سنة 1995، عقدت اتفاقية Trips لحماية الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة. تضمن الاتفاقية حماية لـ20 سنة الدواء/ اللقاح الأصلي، يصبح بعدها "جينيرك" أي عاماً يمكن تصنيعه من أي جهة قادرة على إنتاجه بنوعية جيدة. في حين أن المنتج المحمي تنتجه جهة واحدة باسم تجاري واحد.

 دان "تلاعب" الشركات والدول الغنية، و"تقاعس" الحكومات… مسؤول في أطباء بلا حدود يشرح لرصيف22 أسباب أزمة لقاحات كورونا في المنطقة العربية

وأشار العودات إلى أن الخلاف على حماية حقوق الملكية الفكرية للأدوية واللقاحات هو "حقيقي وعميق"، ويستدرك أنه عادةً لا يحصل خلاف إلا بشأن الأدوية القادرة على منع كوارث صحية بين مجموعات سكانية كبيرة.

 

ظهر الخلاف على الملكية الفكرية للأدوية أولاً في نهاية تسعينيات القرن الماضي بسبب أسعار الأدوية المحمية "غير المنطقية" لفيروس HIV المسبب لملازمة نقص المناعة المكتسب "إيدز". آنذاك، سعت منطقة جنوب أفريقيا التي شهدت ارتفاع المصابين بالمرض إلى شراء أدوية أرخص من الهند، فرفعت شركات الأدوية المالكة لحقوق الملكية الفكرية دعوى قضائية ضدها قبل أن تضطر للتنازل عنها تحت ضغط حملات المقاطعة المتضامنة مع الدولة الأفريقية الفقيرة.

 

نتيجة لذلك، استحدث اتفاق الدوحة عام 2001، والذي ينص على أن لكل دولة الحق في تجاوز قانون حماية الملكية الفكرية في حالة حماية سكانها من أي أزمة صحية عبر ترخيص إجباري لكل شركة قادرة على تصنيعه و/ أو استيراد الأدوية المحمية لحماية سكانها.

 

رغم وجود هذا الترخيص يبقى استعمال اللقاح محدوداً بسبب ضغط الدول الغنية لا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الدول الفقيرة لحماية شركات الأدوية العالمية التابعة لها، بحسب العودات. معظم الدول التي استغلت الترخيص هي دول غنية مثل كندا.

 

في حين أن النقاش محل جدل مستمر، يشير العودات إلى مشكلتين بالنسبة للقاحات كوفيد: أولاً، أن الأدوية التي كانت تنتج في الهند أو البرازيل مثلاً لتوزيعها بأسعار أقل في الدول الفقيرة كان سهلاً اكتشاف مكوناتها، كونها عبارة عن مركبات كيميائية يمكن تفكيكها ومعرفتها وتقدير كمياتها، حتى إذا لم تشارك الشركة الأم المعلومات. لكن لقاحات كورونا، مثل لقاح فايزر/ بيونتيك، ولقاح مودرنا، وهما الأغلى وبحاجة لتبريد فائق، يستحيل معها ذلك.


الأمر الآخر أن اللقاحات الأسهل في التركيب مثل لقاح أسترازينيكا ولقاح سبوتنيك الروسي لا يمكن إنتاجها بتجاوز الشركة الأم بسبب حقوق الملكية الفكرية.

 

وهنا يضيف العودات: "الشركة التي قد تقدم على إنتاج هذين اللقاحين تخاطر بتعريض نفسها للمقاضاة وربما لعقوبات وغرامات ضخمة أو الغلق. ومواجهة هذه الإجراءات القانونية ليست عمل الشركات، وإنما الدول هي التي ينبغي أن تقاتل لأجل إبطال حق الملكية الفكرية ومنح التراخيص للشركات لتبدأ الإنتاج".

 

"تلاعب" و"عدم شفافية"

في السياق ذاته تطرق إلى ما يرى أنه "تلاعب" و"عدم الشفافية" من قبل بعض منتجي لقاحات كوفيد، مضيفاً أنه كان هناك دعوى لإبطال حقوق الملكية الفكرية للقاح أسترازينيكا، فقامت الشركة المتعددة الجنسيات بمنح رخصة لواحدة من أكبر شركات إنتاج اللقاحات في العالم، شركة "سيروم إنستيتيوت أوف إنديا" الهندية.


المثير للدهشة أن الشركة الهندية تبيع اللقاح للدول الفقيرة بثلاثة أضعاف السعر الذي تبيعه به أسترازينيكا للدول الأوروبية. أحال العودات ذلك إلى "عدم وجود أي نوع من الشفافية" وأن الشركات "ليست ملزمة بتوضيح تكلفة تطوير اللقاح وتصنيعه ونقله وتوزيعه"، وعادةً تشترط سريّة أسعارها لإخفاء حقيقة تلاعبها.

 هل تعلم أن لقاح أسترازينيكا يُباع إلى الدول الفقيرة بثلاثة أضعاف السعر الذي يباع به إلى أوروبا؟

إلا أن هناك محاولة جارية للتغلب على هذه البيروقراطية الغنية. يقول العودات إن الكرة الآن في ملعب منظمة التجارة العالمية - الجسم الدولي الذي يحكم التعاملات التجارية الدولية - في الاستجابة لاقتراح من دول مثل الهند وجنوب أفريقيا لإلغاء حقوق الملكية الفكرية على الأدوية واللقاحات ووسائل التشخيص المتعلقة بكوفيد-19 حتى نهاية الجائحة.

 

وأضاف أن ما تطلبه هذه الدول "هو أن تتمكن أي شركة مرخصة من إنتاج اللقاحات. وهي لا تطلب فقط أن تمتنع الشركات المصنعة عن مقاضاة الشركات التي تنتج لقاحها/ وإنما أيضاً ينادون بإلزامها مشاركة المعرفة: طريقة صنع اللقاح".

 

حتى الآن، تؤيّد 100 دولة القرار الذي تعارضه خمس دول أو ست، بينها بريطانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا. المثير للقلق، برأي العودات، أن الولايات المتحدة تضغط على الدول النامية حتى تغير تصويتها وترفض القرار على الرغم من "محدودية قدرات تصنيع اللقاحات، لدرجة أن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا مختلفان على من يأخذ اللقاحات القليلة الموجودة".

 

مشكلات اللقاح في المنطقة

بعيداً عن الأزمة في توفير اللقاحات عالمياً، يرى الطبيب السوري عدداً من المشكلات التي قد تعرقل تلقيح مواطني المنطقة العربية. بشكل أساسي يحذر من تقاعس الحكومات عن تحمل مسؤوليتها حيال المواطنين بمناطق النزاع، حيث تكون الأطقم الطبية في أضعف حالاتها وتفتقر إلى الموارد البشرية والمستلزمات الضرورية، ويعرب عن عدم اطمئنانه حيال "غياب دقة الأرقام الرسمية لكورونا (تقديرات الحكومات للإصابات والوفيات) رغم عدم وجود دليل على ذلك"، كما قال.

 

وجود اللاجئين والنازحين أزمة إضافية، برأيه، وإن كان يشدد على أن النازحين كثيراً ما يتم نسيانهم وتكون أوضاعهم أشد بؤساً من اللاجئين. وهو ينبه إلى خطورة تجاهل حملات التلقيح للمواطنين في مناطق الفقر المزمن أو مناطق خصخصة القطاع الطبي حيث لا يمكن الوصول إليه بشكل متساوٍ لارتفاع الخدمة العلاجية. ويعتقد الخبير في مجال توفير الأدوية الأساسية أن عدم وجود سياسات مسبقة للاستعداد للكوارث الصحية أو الجوائح هو أحد الأسباب التي انتجت الوضع الحالي.

 بعض الدول الخليجية تعتمد سياسة "تخيير المواطنين" بين اللقاحات من باب الوجاهة أو التباهي... خبير دولي يشرح لرصيف22 خطورة هذه السياسة

لا لتخيير المواطنين

حتى في الدول العربية الغنية التي قطعت شوطاً لا بأس به في تلقيح مواطنيها، مثل البحرين، رأى العودات أزمة حقيقية، وانتقد بشدة سياسة "تخيير المواطنين" أي لقاح يفضلون أخذه.

 

وقال إنه منذ ظهور اللقاحات كان هناك أكثر من لقاح للمرض الواحد، وكانت مسؤولية تحديد اللقاح الأنسب ملقاة على عاتق وزارات الصحة باعتبارها الأكثر قدرة على تقصي الوضع والمقارنة بين اللقاحات بناءً على نتائج التجارب والدراسات، معتبراً أن تخيير المواطنين حالياً في ظل عدم توفر معرفة علمية كافية عن اللقاحات ومع انتشار الأخبار المضللة حيالها، أمر مثير للقلق.

 

لماذا الخوف من لقاحات كورونا؟

ونفى العودات أن تكون الشائعات والمخاوف حول لقاحات كورونا سببها قلة فعالية اللقاحات. وفي هذا الصدد أشار إلى أن فعالية اللقاحات تختلف؛ أفضلها تبلغ فعاليته بين 96 و 97% مثل الحصبة، وبعضها لا يوفر مناعة أكثر من 50%.

 

أما عن سرعة تطوير اللقاحات فاعتبرها "من حسن حظنا"، ومبعثها وضع نحو 20 مليار دولار في مشاريع تطوير اللقاحات، مؤكداً أن التركيز على علاجات ولقاحات كورونا أثرت سلباً على الاهتمام بالأمراض الأخرى وتمويلها حول العالم.

 

والسبب الذي رجح أن يكون خلف الشائعات والمخاوف هو "تضارب المعلومات" حول اللقاحات، مضيفاً أن "وسائل الإعلام نشرت تجارب الدراسات بشكل مختصر وغير دقيق أحياناً، ما أعطى الناس صورة غير دقيقة عن فعالية اللقاحات أو قدرتها على الوقاية من كوفيد".

 

من النقاط المهمة التي ركز عليها العودات أن اللقاح قد لا يكون فعالاً لجميع طفرات الفيروس بنفس الدرجة. وبيّن أنه ليس واضحاً بعدُ إذا كانت اللقاحات المطورة ناجعة في القضاء على الفيروس أم أنها تحد من أعراضه الشديدة فقط.

 

أما الخبر السار الذي زفّه فهو أنه، استناداً إلى التجارب السابقة: "عادة، كلما انتشر الفيروس وتحور قلت خطورة المرض (فعاليته وأذيته)".

 

منذ بداية التلقيح، انتهجت دول العالم المختلفة سياستين مختلفتين: أولاهما تلقيح الأكثر عرضة للإصابة ولتطوير أعراض شديدة مثل العاملين الصحيين وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة. وثانيتهما، تلقيح الأكثر حركة - أي الشباب - كونهم أكثر قدرة على نقل العدوى ولاعتبارات اقتصادية مثل الإسراع إلى عودة الاقتصاد.

 

يقف العودات حائراً أي السياستين أفضل، لكنه ينصح بـ"التركيز على الأكثر عرضة للخطر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard