"لماذا لا يتحدث السياسي عن الموسيقى وليس العكس؟"... حوار مع الفنانة السورية الأرمنية لينا شاماميان

الخميس 18 فبراير 202104:31 م

"وحدها الموسيقى كالحياة الكاملة، قابلة للمشاركة دون أن ينقص الحب منها شيئاً"، هكذا تُلخص المطربة السورية الأرمينية لينا شاماميان علاقتها بالموسيقى.

شاماميان (40 عاماً) مطربة ومغنّية وكاتبة أغاني وملحنة سورية، من جذور أرمينية، تأثرت بالأسلوب الكلاسيكي، وموسيقى الجاز والموسيقى الشرقية والأرمنية لينعكس ذلك كله خلاصة خاصة في طابعها الغنائي.

تمتد رحلتها الغنائية قرابة 20 سنة، حصيلتها أربعة ألبومات: "هالأسمر اللون"، و"شامات"، و"غزل البنات"، "لونان" بجانب العديد من الأغاني المنفردة وعدة أعمال غنائية في أفلام ومسلسلات عالمية، آخرها الفيلم الفرنسي Gagarine، الذي تم اختياره رسمياً للمشاركة في مهرجان كان السينمائي العام الماضي.

منذ بدايات مسيرتها الفنية المستقلة، عملت لينا من خلال أسلوبها الموسيقي المميز على إحياء بعض التراث السوري والأرمني، فساهمت بانتشاره عالمياً، في شتى ثقافات المجتمعات التي زارتها، حتى أصبحت تُسمى "سفيرة الياسمين الدمشقي".

عندما سألناها في مقابلتنا المطولة لرصيف22 عن لقبها "حامية التراث"، انزعجت، ورفضت قائلة: "التراث أكبر من أن يحميه أحد، فهو يحمي حاله بحاله"، وانطلقت في الحديث عن الخيط الرفيع بين إحياء التراث وتشويهه، وتحديات الفنانة الموسيقية المستقلة، والوصاية الذكورية الموسيقية، التي واجهتها في سوريا، وغيرها من الموضوعات عن الحرب، والغربة، وأغاني المهرجانات.

مرحباً لينا، سأبدأ معك بآخر حفلاتك قبل شهرين على مسرح الزمالك بالقاهرة بعد ترميمه لأول مرة منذ احتضانه حفلات أم كلثوم في الستينيات، أسألك ونحن نحتفي بشهر ميلاد "الست" ما الذي ينقص جيلكم موسيقياً ليحقق خلود سيدة القرن العشرين؟

ينقصنا النهضة الإنسانية الكاملة لعصر أم كلثوم. جيل الست أم كلثوم نجا من الحرب العالمية الثانية، ولكنه أسس مدارس فنية وغنائية متعددة، وصلت لذروتها في الخمسينيات والستينيات، كان هناك زخم في العطاء تلك الفترة، أما أبناء جيلنا فصاروا استهلاكيين، نعيش الانحدار بعد هذه الفترة، "كل شيء نزل لتحت".

اختفى الشعر، وتم استبداله بالسُباب في الأغاني.

ينقصنا أخلاقيات جيل أم كلثوم التي كانت أعلى من جيلنا على كل المستويات، اختفى الشعر، وتم استبداله بالسُباب في الأغاني.

صحيح، كانت هناك الطقطوقة، ولكنها تعتبر أغنية محترمة، وحلوة بالمقارنة بما نسمعه اليوم.

تغنين الكلاسيك الأوبرالي والجاز، الشرقي الطربي الأرمني، كيف تبلور مشروعك الفني من هذه الأنماط الموسيقية المختلفة، ولا يربطها شيء في ظاهرها؟

هذه قصة الموسيقى كفن، يكشف الحقيقي عن الكذب، كل "ما بتعملي" شيئاً يشبهك بشكل حقيقي، كلما ظهر حقيقياً، وطبيعياً للناس؛ كإنسانة خِلقت وربِيت ببيئة مختلطة، شخصيتي تجمع الشرق والغرب معاً.

غير كافِ أن تحبِي الموسيقى فقط، ولكن عليكِ الاطلاع على كل الأنماط... وتعرفي مكمن قوتك في كل واحد منها ومن ثم تقرري "شو الشيء اللي بدك تقدميه"، وكِيف تجمعين هذا التراث الغنائي بدون تشويه، كوكيف تخلقين جديداً يبرز رصيد الموسيقي التقليدية التراثية، ولا يُقلل منها، وهذا ما نسميه بالأمانة الموسيقية، ومطلوب من الفنان الحفاظ عليها.

تظل محاولات إحياء التراث الغنائي محفوفة بالمخاطر لأنها تصل أحياناً إلى التشويه، كيف نجوت من ذلك في إحيائك للتراث السوري؟

لينا شاماميان، تصوير هيثم الشرقاوي

نحن اليوم لا نعرف التراث كيف كان منذ 300 سنة، كل واحد غنىَ التراث كان يحافظ على أكبر قدر منه، ثم يعود ويُضيف له شيئاً جديداً، وهذا الشيء الجديد ينتقل للجيل التالي الذي يضيف عليه جديدًا آخر، وهكذا. لذا التراث فعليًا هو تدوين إنساني، وفي المناطق التي لم يشملها التطور التكنولوجي مثل القرى، والصحراء، والجبال، نجد هؤلاء الأشخاص ينقلون التراث، ويؤدونه بطريقة صحيحة، وأشبه بالنسخ الأولى للتراث، ولكنه يتغير متى ما وصل إلى المدينة، لأننا نراه بطريقة مختلفة إلى حد ما.


ألبوم "غزل البنات" إنتاج عام 2013، صدر بعد سفرك لفرنسا، وهو تجربة تنبع من اندلاع الحرب بسوريا، كيف أثرت هذه الحرب على الألحان والكتابة لهذا الالبوم؟

الأحداث المأسوية وظروف الحرب جعلتني أكتب فعلاً وأحكي عن هذه القصص بالكلمات والألحان، كان الألم هو المحفز الأعلى للإبداع.

هذه الغربة ساعدتني على كسر حاجز الخوف من " شو بدهن يقولوا وبلكي ما حبوه!"، السفر كان له تأثير فيّ كامرأة، بعدت عن الشرق كامرأة، عثرت على حالها بمطرح جديد، تخلصت من هذه الأحكام المسبقة التي كنت أسمعها من الموسيقيين الرجال الموجودين بالشرق، كان هناك شكل من أشكال الوصايا عِشته بمجتمعي كامرأة، وكذلك كانت الوصاية الذكورية موجودة بالموسيقى.

"عندما تعيشي في مجتمع، وتعرفي إنه هيك شكله، إنتي باللاشعور بتصيرى تسكري الصوت اللي جواكي"، ولكن سفري لباريس حرَرني من المنطقة الآمنة "الكمفورت زوون"، وهذا انعكس على موسيقاي.


فكرة أن تكوني ملحنة وموزعة لأغانيك كيف تفيدك كمطربة؟

مثل المخرج السينمائي الذي يكتب قصة فيلمه، سيكون بطل الشيء الذي يقدمه، هذا يفيدني كملحنة ومطربة للعمل، أصبِح على علم بتوظيف صوتي وكل طبقاته بطريقة جيدة في الغناء، وفقاً لكتابة اللحن.

دائماً تنفين أن أغانيك الوطنية ذات طابع سياسي، خاصة مع إصدار "غزل البنات"، هل الفنان في عالمنا العربي يظل متأزماً في أن يكون صاحب موقف ورأي؟

أنا اليوم غير التي كنتها في 2013 عام صدور "غزل البنات"، والآن أستطيع إخبارك أن الألبوم غير السياسي هو سياسي، لكن هناك خلطاً دائماً، "الوطن مانو سياسة" بل مثل الأم، عندما نذكره في أغانينا. ولكن لاحظت أن الفنان مجبر على الشاشات أن يكون صاحب رأى سياسي، ولا أفهم لماذا لا يتحدث السياسي عن الموسيقى. كفنانة أتعاطى مع الحرب في سوريا إنسانياً وليس سياسياً.

 الوطن مثل الأم، عندما نذكره في أغانينا. ولكن لاحظت أن الفنان مجبر على الشاشات أن يكون صاحب رأى سياسي، ولا أفهم لماذا لا يتحدث السياسي عن الموسيقى؟

ما هو سر حرصك على الغناء بلهجات متعددة كالتونسية والبحرينية والمصرية؟

تَسحرني اللغات واللهجات الجديدة بصفة عامة، حُب شخصي، ومتعة أذوقها من تعلمي للهجات جديدة، لدي شغف للوصول إلى الجذور في كل بلد أغني بلهجتها.

ألفت ولحنت أغنية "يا خي أنا سورية" من وحي قصّةً حقيقيّةً حدثت لي، حين تمّ إيقافي في مطار باريس قبل عام، أثناء توجّهي إلى تونس لإحياء حفلات هناك، لكوني سورية، وجواز سفري سورياً، يصعب استخراج تأشيرات السفر.


لينا شاماميان، تصوير هيثم الشرقاوي

صرحت قبل سنوات بأنك تطمحين للوصول للعالمية، ماذا تمثل لكِ؟

كان لدينا حلم بأن نصير عالميين، وعندما صرت أعيش بالخارج اكتشفت أن المعيشة تشبه المعيشة بعالمنا العربي، ولكن الاختلاف هو أن المعايير الفنية والتنافسية أعلى بالخارج، والجِدية أكبر، والوصول أصعب.

وهل وصلتِ؟

أن تدخلي السوق الموسيقي الغربي، وتقدمي حفلاتك، ويحضرها أجانب، وتُذاع موسيقاك، وأغانيك في راديوهات وتليفزيونات أجنبية، وتعملين مقابلات معهم بلغاتهم الأصلية أو لغتك فهذا يعني أنكِ وصلتِ.

وجود أغنية عربية في فيلم فرنسي "Gagarine" ليس شائعاً، حدثيني عن هذه التجربة؟

صحيح ليس شائعا، الفكرة تعود لمخرجة الفيلم "فاني لياتارد"، التي عاشت فترة من حياتها في لبنان، وارتبطت الأغاني العربية بجزء من ذاكرتها. وتجربتي بالفيلم ارتبطت بأول مشاهده، التي "بلشت" فيه امرأة هاربة من حرب بيروت عن طريق اسطنبول لتصل إلى فرنسا، وارتباطها بالأغاني العربية التي تحكي عن وطنها في فترة الغربة.

وسعيدة جدًا بهذه التجربة، بتقديمي أغنية original بالعربية، من تأليف مطربة عربية لفيلم فرنسي هي نادرة الحدوث، والأغنية من تلحين الموسيقار التونسي أمين بوحافة، صار لدينا مشاريع كثيرة نعمل عليها معاً، مستقبلاً بين الألبوم، الأغاني السينغل single.

"ألبوماتي بتتأخر لاحترامي لنفسي ولموسيقتي" صرحت بذلك بعد تأخير إنتاج ألبومك (لونان) عام 2016. ما هي التحديات التي تواجهك كموسيقية مستقلة؟ وإلى أي مدى يفرض المنتج الأجنبي أجندته على الموسيقيين العرب المهاجرين لتقديم وجهة نظره؟

هذا الأمر عالمي، نعم "ما في حرية بالطرح اللي تقدمه كموسيقي عربي مهاجر للغرب"، منذ خمس سنوات لم أقُدم على منح تمويل لألبوماتي، ولكن أؤكد لك أنه "قبل هيك"، كنت أرى أجندات معينة يجب تنفذيها، لتتمكني من تقديم العمل.

"ما في حرية بالطرح اللي تقدمه كموسيقي عربي مهاجر للغرب، منذ خمس سنوات لم أقُدم على منح تمويل لألبوماتي، كنت أرى أجندات معينة يجب تنفذيها، لتتمكني من تقديم العمل"

من التحديات كموسيقية مستقلة "إنك تقدري تعيشي وفى ذات الوقت قادرة تنتجي"، وهي عملية صعبة ومرهقة للغاية، قيامك بالإنتاج يتطلب مراسلات وتحضيراً ووقتاً كبيراً لحين ظهور عملك للنور، أقر بصعوبة أن تكوني فنانة مستقلة، هذا عمل "بيسرق عمرك"، وحياتك الشخصية، لذا أحسد الفنانين الذين لديهم منتجون، وشركات إنتاج موسيقية، تحمل عنهم هذه المسؤولية.

هل تقبلين بعقود احتكار مع شركات إنتاج موسيقية؟

أرفض الاحتكار الفني للموسيقى، لأن المُحتكرين يقررون ماذا تُغنين، ومتى، ويعطونك راتباً ثابتاً. بالمقابل من الممكن أن "يخيلكي المحتكر في البيت".

إذًا الموسيقي المُستقل يقع بين شقين، المنتج التقليدي وشروط الجهات المانحة للتمويل؟

أنا لست ضد شركات الموسيقى والاحتكار، ولكن عندما يعطيك منتج شروط عمل جيدة لن تتركيه من خلال توفير اتفاقيات عمل واضحة، تحدد عدد الحفلات التي أقدمها خلال السنة، وأوقات ظهوري وألبوماتي، لكن أن تسلمي حالك كمغنية لمنتج يقرر هو "شو بده يعمل بحياتي" فهذا مرفوض، في بداية الطريق كان هذا ممكناً لكن بعد 20 عاماً من الغناء، "تسلمي حالك لمنتج ما ينفع".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard