"السعودية ومصر تُشجِّعان نسوية السلطة"... حوار مع الباحثة رباب كمال

الأحد 4 أغسطس 201909:19 م

طالبت بحذف خانة الديانة من البطاقة الشخصية، وانتقدت التيارات النسوية التي تروجها أنظمة عربية قمعية، وسمتها "نسوية السلطة"، وشددت على ضرورة فصل الدين عن الدولة، وفهم الدوافع السياسية والاقتصادية التي تعزز المكاسب الحقوقية للمرأة.

هي كاتبة تملك وعياً متماسكاً جمعت بين تبني الفكر العلماني الملامس للواقع، والتوجه النسوي.

أجرى رصيف22 حواراً مع الكاتبة والباحثة  المصرية رباب كمال، ذات الإسهام المعرفي عبر ثلاثة كتبٍ منشورة وهي "من وحي العلمانية" في 2015، و"دولة الإمام- متى تخلع مصر عمامة الفقيه" في 2016، و"نساء في عرين الأصولية الإسلامية" والذي نشر في 2018، كما ينشر لها في تونس كتابا، "خطاب السلفية وأثرها في الثقافة الجماهيرية"، و"النساء والمواريث".

تحدّثت كمال لـرصيف22 عن أسباب وعوامل فشل تكوين كيانات وتجمعات علمانية مصرية، كما عقدت مقارنةً بين مكتسبات النساء في تونس وموقف أغلب المصريات منها، وعما يحمله المستقبل للحياة السياسية والفكرية المصرية، كما تحدثت عن المشهد الإعلامي، في ظل سياسات الحجب والتي طالت مواقع مستقلة، منها موقع نسوي بارز.

كنت قد قسّمت التيارات النسوية لثلاثة تيارات، منها النسوية السلطوية، النسوية الأصولية، والنسوية المتحررة، حدثينا عن التيارات الثلاثة في رأيك، وأيهما الغالب على الحالة المصرية؟

بدايةً، وفي إطار ضبط المفاهيم والمفردات، فإن النسوية ليست حقوقاً فئوية، وإنما تقع في إطار مفهوم حقوق الإنسان، فالنسوية حراك حقوقي إنساني، وليس مجرد مطالبات هامشية للنساء.

وإن تابعنا تاريخ النسوية في العالم شرقاً وغرباً، وفي أمريكا اللاتينية، سنجد أن الظروف الاقتصادية لعبت دوراً بالغاً في نشوء هذا الحراك، فطالبت النساء بحقوقهن كعاملات جنباً إلى جنب الرجال في القرن التاسع عشر.

وتزامن الحراك مع التحرّر من السلطة الكنسية، أي السلطة الدينية، والميل إلى تشريعات علمانية تقرّ الحقوق تشريعياً على أساس المواطنة، وليس على أساس النوع، ولا استناداً إلى نظرة الأديان للنوع الاجتماعي.

المفردات التي أشرت إليها في السؤال هي محاولة لفهم توجهات النسوية في البلاد العربية أو حتى البلاد ذات الأغلبية المسلمة، أي أنها عملية رصد لسياقات النسوية، لهذا أفضل استخدام كلمة "توجّهات" بدلا من "تيارات".

النسوية السلطوية: هي نسوية تدعمها السلطة على حسب مفهومها لحقوق المرأة، قد تدعم السلطة حقوقاً وتهمل حقوقاً أخرى، والنسوية السلطوية متواجدة بقوّة في منطقة الشرق الأوسط، سواء في البلاد السنية أو الشيعية.

على سبيل المثال، النسوية السلطوية موجودة بقوة في إيران، فحين أرادات إيران مواجهة الحراك النسوي الجماهيري المتصاعد، قامت بتعيين النساء في مواقع تنفيذية، ومن بينهن السيدة معصومة ابتكار، نائب رئيس الجمهورية الإسلامية لشؤون البيئة في عهد الرئيس الخاتمي، وهي سيدة ذات تاريخ كبير في أبحاث علم المناعة، لكنها في ذات الوقت تدعم الجمهورية الإسلامية في توجهاتها وتحفظاتها على حقوق المرأة، ولنا أن ندرك أن معصومة ابتكار كانت المتحدث الرسمي باسم الطلاب الإسلاميين الموالين للإمام الخميني، الذين اقتحموا السفارة الأمريكية بطهران في 4 نوفمبر 1979، في الحادثة الشهيرة المعروفة باسم أزمة الرهائن، أي إنها تمثل النسوية التي لا تخرج من تحت مظلة ولاية الفقيه السلطوية .

نسوية السلطة موجودة في مصر، بل يمكن رصدها من خلال الدعم الدائم للسلطة في الشأن العام، وقد نجد النسوية السلطوية في مصر تعمل في إطار القضايا التي تتبناها الدولة، مثل زواج القاصرات أو ختان الإناث أو تعيين النساء في مناصب عليا، وكلها قضايا هامة، لكنها تنأى بنفسها عن إشكاليات أخرى مثيرة للجدل.

لذا قد نجد أن نسوية السلطة تركّز على تعيين النساء قي مواقع تنفيذية، وبرغم أن التعيين في المناصب المرموقة والتنفيذية حدث جلل في بلاد تعاني ثقافتها من فتاوى حرمانية ولاية المرأة، إلا أن الحقوق ليست مناصب فحسب، بل تشريعات في الأحوال الشخصية أيضاً.

"الإصلاحات الإجرائية في السعودية قائمة على أساس مفهوم السلطة لحقوق النساء، ولهذا سنجد أن السلطة في السعودية تحاصر الناشطات غير المتماهيات مع خطابها"، تقول الباحثة النسوية رباب كمال

الحقوق أساسية، دون قيد ولا ثغرات ولا مطبات دستورية إو إجرائية ولا أسانيد شرعية دينية ترفض تلك الحقوق.

وحتى الإصلاحات الإجرائية في السعودية قائمة على أساس مفهوم السلطة لحقوق النساء، ولهذا سنجد أن السلطة في السعودية تحاصر الناشطات غير المتماهيات مع خطاب السلطة.

النسوية الأصولية الدينية: هو نوع شديد الخطورة من النسوية لأنه يقدّم أصواتاً نسائية رافضة لحقوق المرأة، وحتى وإن كانت الحقوق غير جبرية، أي أنه لا يمكننا أن نفرض حقاً على امرأة، لكن الفكرة أن يكون هذا الحق موجوداً في أساسه لتقبله المرأة أو ترفضه، على سبيل المثال، هناك نساء لا يفضلن العمل لأسباب مختلفة، لكن حق العمل دستورياً موجود.

أما النسوية الدينية والتي تسمّي نفسها الشرعية، فهي تتصدّر المشهد لسحق الحقوق تحت شعار "الإسلام كرّم المرأة" وهو شعار المقصود به غلق باب الحديث في قضايا حقوق المرأة، على اعتبار أننا سنكتفي بالتكريم.

ترفض تلك النسوية الشرعية تمكين المرأة على أساس أن التمكين استقواء يهدم الأسرة المسلمة.

والمثير للانتباه هنا أن حكومات مصر المتعاقبة انتقدت جماعات الإسلام السياسي على خلفية أنهم يضعون العقيدة في مقام الأولوية على الوطن والمواطنة، لكن حالما نبدأ في مناقشة الحقوق النسوية تتبدل الأمور وتظهر عبارات "ما لا يخالف الشريعة".

النسوية المتحررة أو الليبرالية: أو كما أفضل تسميتها، النسوية الإنسانية، والتي تناقش حقوق المرأة على اعتبارات إنسانية وحقوقية بدون وضع تحفظات دينية أو سلطوية... وبعض المطالبات الحقوقية النسوية تمّت مواجهتها إما باتهامات هدم الإسلام أو هدم قيم الوطن.

من الغالب؟

بالورقة والقلم من الممكن أن نقول بأن التوجّه الغالب هو توجه النسوية التي ترتضيها السلطة، بما لا يخالف الشريعة الإسلامية في قانون الأحوال الشخصية.

هل ترين التيار النسوي في مصر، يتطور للأمام، أم أنه لازال واقفاً محلك سر؟

بالتأكيد يتطور، لأنه لم ُيعد حكرًا على أصوات بعينها، ولعل الثورة الرقمية لعبت دورًا بالغ الأهمية في هذا الصدد، فهناك قضايا كانت تعد من التابوهات المجتمعية أصبحت مثارًا كبيرًا للنقاش والحراك.

الباحثة النسوية رباب كمال: "النسوية الدينية والتي تسمّي نفسها الشرعية تتصدّر المشهد لسحق الحقوق تحت شعار "الإسلام كرّم المرأة" على اعتبار أننا سنكتفي بالتكريم" 

كما أن هناك بعض المؤسسات النسوية التي لا تتقيد بالمنظور السلطوي أو الشرعي في حقوق المرأة، بل أن هذه المؤسسات ليست نخبوية بل تهتم بقضايا المرأة المهمشة وأذكر منها مؤسسة القانون والتنمية للحقوقية إنتصار السعيد، ومبادرة جنوبية حرة في النوبة، وهذه مجرد نماذج على ظاهرة يتسع مجالها.

كيف تحولت من كونك "كادر مبشر" في الإخوان المسلمين، كما رويت في الباب الأول من كتابك "نساء في عرين الأصولية الاسلامية"، لكاتبة علمانية؟

في الحقيقة لم أرقَ لمرتبة الكادر في تنظيم الجماعة، فكانت تجربة استقطاب فتحت عيني على الكثير، ومن أهمها استهداف الأخوات المسلمات لكافة الطبقات الاجتماعية، وعدم الاعتماد على الطبقات الشعبوية.

أما فيما يخصّ الحركات أو التجمعات العلمانية، فلا يمكن أن أنكر أن ما تعلمته من استقطاب في فترة الجماعة كان بمثابة خبرة استحضرتها في بعض الأحيان، لكن اكتشفت أن هذه التجربة غير قابلة للتطبيق، لأن الهدف من الفكر العلماني هو تعزيز التعددية وليس تعزيز فلسفة البناء المرصوص (تعني الجميع يشبه الجميع)، وتخوين المختلف.

"الهدف من الفكر العلماني هو تعزيز التعددية وليس التشابه، وتخوين المختلف"

لكنني وجدت نفسي أكثر في العمل الثقافي، سواء في العمل الفردي أو بالمشاركة في فعاليات تطوعية في مجالات عدة، حركية أو أدبية، فهذه المساحة فيها قدر من الحرية على الأقل في الوقت الحالي، وهي مساحة يمكنني من خلالها الاستمرار في المراجعات النقدية الذاتية بهدف تطوير الذات، فالمراجعات الذاتية هي كلمة السر في تبلور أي مشروعٍ فردي أو جماعي.

رحلت عن الأخوات العام 2003، وعلى مدار سنوات من القراءة والبحث وتغيير التوجهات الأيديولوجية، بدأت تجربة الحراك العلماني في 2012، أي أن التغير لم يأت بين ليلة وضحاها، وأي تغيير يحدث بوتيرة متسارعة فهو يقع في إطار الغضب لا التمرد الواعي الذي يحتاج إلى ثقافة تسنده وليس مجرد شعارات غاضبة.

في كتابك "نساء في عرين الأصولية الاسلامية" تناولت في الباب الرابع وضع النساء في تونس والقوانين المقرة لحقوقهن، هل يمكن القول إن النساء في مصر يتطلعن لتلك الحقوق، أم أن هناك حالة من الرفض النسائي نفسه، وهو ما ظهر في معظم تعليقات المصريات على قوانين المساواة في الميراث على سبيل المثال؟

لو عدنا إلى مطلع القرن العشرين سنجد أن النساء رفضن حقوق العمل والتعليم الجامعي، بل وأن السيدة هدى الشعراوي عارضت الحقوقية والصحافية منيرة ثابت في العشرينيات، بسبب دعوة الأخيرة إلى ضرورة إقرار الحقوق النيابية للنساء.

سنجد أيضاً أن النساء المتزوجات في مصر رفضن موقف غيرهن من النساء المُطالِبات بإلغاء حق الزوج في منع زوجته من السفر بقوة وزارة الداخلية، وهذا يقودنا إلى فهم آليات التغيير المجتمعية، ومن أهمها ما ُيعرف باسم "الأقليات الحرجة" أو critical Minority .. وهي أقليات عددية تحرّك القضايا على الأرض بدوافع اقتصادية واجتماعية؛ قد يرفضها المجتمع في البدء قبل الاعتياد عليها.

فالمجتمع المصري المحافظ كان رافضاً لتعليم فتياته قبل مئة عام ويزيد خارج المنزل، قبل أن تذهب الطبقات الشعبية إلى المدارس والجامعات بل وتتنافس على حجز مقاعدها في الجامعات الحكومية.

أما موضوع الميراث فهو موضوع شائك، ليس بسبب النص الديني فحسب وإنما بسبب القوامة الذكورية التي تتحكّم في الاقتصاد، خاصة الاقتصاد القائم على العصبية والأراضي الزراعية.

وقد تطرّقت لذلك في كتاب قادم بعنوان "النساء والمواريث" يصدر قريباً في تونس بالمشاركة مع الأكاديمية التونسية د. آمال قرامي، وموضوع البحث الذي شاركت به هو "رؤية لجدلية الاجتهاد وحدود التأويل ما بين سلطة النص وثقافة المواطنة".


هل يمكن القول، أن حقوق النساء هي المقياس الواقعي لمدى تقدم المجتمعات وتحضرها؟

حقوق المرأة وحقوق الأقليات الدينية (العددية) وأنظمة الرعاية الصحية والتعليم وقوانين رعاية المسنين، هي خماسي مقياس تقدم المجتمعات.

لاتزال مصر تحجب مواقع عدة، ما مدى تأثير ذلك على الحراك النسوي، وزيادة الوعي بقضايا وحقوق المرأة؟

قضايا حجب المواقع الإلكترونية غير مفهوم ولا منطقي، ولقد عايشته من خلال موقع "مصريات" وهو موقع للكتابة النسوية، نشرت فيه تطوّعاً وبدون مقابل مادي، وكانت تجربة احتوت قلمي، ونشرت من خلاله مجموعة قصصية تناولت قضايا المرأة والمجتمع والأحزاب السياسية والقوى الإسلامية والعلمانية بأسلوب ساخر، منها قصة "انتفاضة الصدر"، "حرمنا المصون بنت بنوت"، "زينب وإجهاض الثورة"، "المتحرّشون فصيل وطني"، "سورة الأحزاب".. إلخ.

كما نشرت فيها مقالات عن الجماعات الدينية ورؤيتها للمرأة والمجتمع، أي أن الذي كنت أنشره وزملائي كان في إطار محاربة تغييب العقول لا التحريض.

لهذا كان قرار الحجب غير مفهوم، فإن كانت السلطة تسعى كما تقول لمحاربة التطرف والجهل فعليها فرد مساحات لمن يفعلون ذلك وليس حجبهم، الحجب في حد ذاته وسيلة للسيطرة على الإعلام الرقمي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard