"هل تحوّلنا إلى وحوش؟"... في الربيع، زهوره وقاتليه

الخميس 11 فبراير 202112:06 م

قالت والدة المخرج السينمائي والناشط السياسي لقمان سليم، سلمى مرشاق، في رثائه ما يختصر كارثة عالمنا: عندما يتحول الرصاص بديلاً للحوار يعني أن البشر باتوا وحوشاً. إنها غابة القمع الموحشة التي اعتقدنا أننا بتنا قادرين على تحديها في موجة الثورات وحراك الشارع التغييري، عبر ترسيخ ثقافة جديدة تقبل بالآخر المختلف.  

تراجع الزخم "الرومانسي" لحركات التغيير مع قساوة آلة القمع التي ابتكرتها الثورات المضادة. القتل المباشر بالاغتيال، والقتل غير المباشر في عتمة السجون والتعذيب وحملات التشهير والاقصاء والتشفي. عمليات اجتثاث حرية الاختلاف تساندها ثقافة تشفٍّ واحتفاء بالعنف بين العامة، لم تخفف منها محاولات التغيير، وهي لا تزال تعبّر عن بشاعتها في فضاء التواصل الاجتماعي كما عبر أبواق "الإعلام" التقليدي التي تستخدم في التشهير والتهويل والدعوة إلى تحسس الرقاب. 

اغتيال لقمان سليم كما في حالات إلغاء مشابهة، سبقه تحضير للحلقة الأخيرة فيه: تخوين، تشهير إعلامي، حملات ذباب إلكتروني، شعارات تهديد على جدران دارته تنبئ بالقتل وتمجّده، اعتداءات وعرقلة نشاطات وغيرها من الرسائل.

تحضير المسرح للفصل الأخير من الرواية، أحد أدوات القمع الرئيسية لترهيب الضحية وتقييد قدرتها على الاستمرار في التحدي، وهو ما تعايش معه سليم بشكل مذهل. إلغاء الأصوات "المزعجة" بات تقليداً على امتداد العالم العربي، مع اختلاف آليات الإلغاء وظروفه ووحشيته.  

قالت والدة لقمان سليم، سلمى مرشاق، في رثائه ما يختصر كارثة عالمنا: عندما يتحول الرصاص بديلاً للحوار يعني أن البشر باتوا وحوشاً

قبل أشهر فقط، في تموز/يوليو 2020، قُتل الأكاديمي هشام الهاشمي، برصاص مسلحين بالقرب من منزله في بغداد، وكان تلقى تهديدات قبل اغتياله بأسابيع، بعد أن عبر عن آراء ناقدة للمليشيات المدعومة من إيران والناشطة في العراق. قبله، في تشرين أول/أكتوبر 2018، قتل الصحافي الناقد جمال خاشقجي، في سفارة بلاده في اسطنبول، ولم يعرف حتى الآن مصير الجثة، وكان الصحفي الـذي لجأ إلى الولايات المتحدة قد تعرض للتشهير والتنصت قبل قتله على يد فرقة موت رسمية. لم تتحقق العدالة بعد لجمال، اذ اعتبرت المقرِّرة الخاصة للأمم المتحدة، أنياس كالامار، أن المحاكمة التي نظمها القضاء السعودي هي "نقيض للعدالة".

 تبتلع السجون المصرية المعارضين لنظام السيسي من كل الأطياف، حتى أنه من غير المبالغة القول بأنها باتت "تحتضن" المجتمع المدني المصري. من الصعب إحصاء نزلاء السجون ممن نعرف أسماءهم، وبينهم على سبيل المثال فقط، الناشط علاء عبد الفتاح الـذي أعيد اعتقاله في أيلول/سبتمبر 2019، بعد أن أمضى خمس سنوات في الاعتقال، والباحث جورج باتريك زكي، الذي يقبع منذ عام في السجن من دون محاكمة، بعد اعتقاله في المطار حين كان عائداً من إيطاليا لزيارة عائلته، وطالب الدكتوراه، الباحث في جامعة كمبردج، الإيطالي جوليو ريجيني، الـذي عثر على جثته مرمية في حفرة على جانب إحدى الطرق في شباط/فبراير 2016. 

تعتبر هـذه الأصوات أبرز مكاسب الثورات وحراك الشارع، في قدرتها على كسر حاجز الخوف من استبداد القمع والاستمرار رغم فجور الثورات المضادة.

وكان الباحث في شؤون النقابات قد اختطف ثم تعرض لتعذيب وحشي في مخفر للشرطة، إلى حد أن والدته لم تتمكن من التعرف عليه إلا من طرف أنفه، كما قالت لفريق التحقيق الإيطالي. في المغرب، تقبع غالبية الأصوات الناقدة خلف القضبان، في قضايا لا تتعلق بالتعبير عن الرأي، بل اتهامات تحت طائلة القانون الجنائي وقانون مكافحة الإرهاب، ما يجعلهم أكثر عرضة للإقصاء مهنياً واجتماعياً. من هؤلاء الصحافي والناشط عمر راضي، المؤرخ المعطي منجب، ومدير تحرير جريدة أخبار اليوم المعارضة، سليمان الريسوني.

ماذا بعد؟ سنغضب عند كل حالة قمع جديدة، وتخرج منظمات حقوق الإنسان ببيانات الاستنكار والدعوة الى العدالة. عند كل عمليات إلغاء بالقتل، سنعتقد أننا بلغنا قاع الترهيب، وأنها لا بد النهاية فيما يمكن أن تخترعه آلة الإجرام. عند كل سقوط لضحية جديدة سترتفع أصوات البقية بالتحدي، أو السؤال عمن سيأتي دوره لاحقاً.

تعتبر هـذه الأصوات أبرز مكاسب الثورات وحراك الشارع، في قدرتها على كسر حاجز الخوف من استبداد القمع والاستمرار رغم فجور الثورات المضادة. لم يبق من هـذه الأصوات غير القليل، ممن لم تشمله عمليات الإقصاء بأشكالها المختلفة. يتعرض هؤلاء لحملات يومية، من اتهامهم بالارتهان للسفارات، العمالة لجهات خارجية، تقاضي الأموال لقاء خدمة أجندات تهدد أمن دولهم وغيرها من نظريات المؤامرة، في حين يغفل مروّجو هـذه الشائعات أن الارتهان لقوى القمع أكثر منفعة وأقل كلفة من تحديها.  

كيف نحمي هـذه الأصوات؟ تسعى برامج دعم المجتمع المدني إلى بناء شبكات التضامن التي قد تساهم في تقديم بعض الحماية لصمود التنوع، في محاولة تبدو ساذجة مقارنة بثقافة الإفلات من العقاب التي تدعمها جماهير ترى في التشفي من الآخر تعبيراً عن هوية ما. هل تحولنا إلى وحوش؟ كما قالت الوالدة المكلومة في رثاء ابنها. قد يكون الجواب نعم. 

كيف نحمي هـذه الأصوات؟ تسعى برامج دعم المجتمع المدني إلى بناء شبكات التضامن التي قد تساهم في تقديم بعض الحماية لصمود التنوع، في محاولة تبدو ساذجة مقارنة بثقافة الإفلات من العقاب التي تدعمها جماهير ترى في التشفي من الآخر تعبيراً عن هوية ما

حملات الشماتة والسخرية من القتيل وعائلته على وسائل التواصل تحتاج إلى تعبير جديد للرثاثة، وكذا قبلها حملات السخرية من جوع السوريين المحاصرين في قراهم على يد قوات النظام، وصورة السلفي التي التقطتها "صحفية" النظام أمام الجثث المتفحمة للمتمردين، والدعوات المتكررة في الإعلام المصري للمزيد من البطش بالمعارضين، وروايات "الانحلال الأخلاقي" للصحافة الصفراء في المغرب عن "مغامرات" المعارضين، وكاميرات التنصت على الحياة الخاصة في غرف النوم وغيرها...

قتل الزهور لا يمنع ربيعاً جديداً، نردد. إلا أننا تعبنا من لعبة الأمل بين جمال الزهور وقبح قاتليها.

قبل أعوام، فاجأني كاتب مصري مشارك في حلقة نقاش عن الثورة المصرية في لندن، بانفجار غضب من نفسه وليس من النظام العسكري الذي قضى على الثورة. كان الناشط غاضباً أساساً من نفسه لمشاركته في لعبة الأمل وتصديقه وعودها. سنصدق على الأرجح وعود الربيع المقبل، وننتظر زهوره واحتمال سقوطها. وسنسأل: ثم ماذا بعد؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard