خمس طلقات نارية: أربعة في الرأس وواحدة في الظهر... لقمان سليم مات

الجمعة 5 فبراير 202108:12 م

بعد انتهاء حرب تمّوز في العام 2006 كان لأبناء بيئة حزب الله عتبهم الخاص على الخارج، على كل من لم يختبر الاحتلال، والقنابل والتهجير والاعتقالات، كونهم هم وحدهم من عانوا لسنوات طويلة الويلات التي فرضتها عليهم إسرائيل، فكانوا يردّدون: "بس كنّا عم منموت كانوا بباقي المناطق عم يسهروا، ولا كأن في حرب".

بعد انفجار بيروت في 4 آب/ أغسطس 2020، وحين تم تداول أخبار حول وجود أسلحة تابعة للحزب في المرفأ كان لبعض أنصاره خطابهم المبني أيضاً على أسس حرب تمّوز، إذ إنهم هم وحدهم ضحايا الحروب، والنظام والمعارضين، ولذلك قرّر بعض الأتباع أن يقارنوا معاناتهم الخاصّة بمعاناة الذين فقدوا منازلهم وحياتهم في الانفجار وأن يهاجموا كل من يحمّل زعيمهم ولو حتّى جزءاً من المسؤولية، رغم أنّهم يعرّفون عنه على أنه الزعيم الأقوى والوحيد في المنطقة. يوم أمس، بعد اغتيال الناشط والمفكّر السياسي لقمان سليم، برّروا هؤلاء قتله بحجّة أنه كان يهاجهم بآرائه المعارضة لهم والتي جعلت منهم ضحية مرّة أخرى.

معركة بين أتباع الحزب ومعارضيه

في اليوم الثاني على اغتيال لقمان سليم، انتشرت عبر صفحته على فيسبوك تعليقات من أنصار حزب الله، الذين قرروا أن يغرقوا صوره، ومنشوراته بعبارات الشتائم والشماتة، ولم يتوانوا عن إظهار فرحتهم وفخرهم بمقتله. وذلك فقط لأنه كان معارضاً لهم ولمنهجهم. وبدأت معركة شرسة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بين جمهور الحزب ومعارضيه، الذين لا يرون أي سبب آخر لعملية إغتيال لقمان سوى وقوفه في وجه حزب إيران لسنوات طويلة، وتعبيره عن أفكاره بصراحة تامّة، من خلال أعماله ومقابلاته.

كما تمت إعادة تداول صور تظهر المنشورات التي رميت أمام منزل سليم، والتي كانت تحتوي على عبارات تهديد وتخوين، مثل :"المجد لكاتم الصوت. حزب الله شرف الأمّة. لقمان سليم الخاين العميل". وجاء رد اتباع الحزب بأنهم لو أرادوا فعلاً قتله لقتلوه قبل سنوات، وأنهم هم من تركوه يجول بينهم وفي مناطقهم، دون أن يتعرّضوا له.

ولم تقتصر حركة المعارضة على لبنان، ففي فرنسا، عُلّقت صور للقمان على جدران السفارة اللبنانية والقنصلية اللبنانية، من قبل مجموعة من الناشطات والناشطين الذين عبّروا عن غضبهم وتنديدهم بالاغتيال السياسي الذي حصل، وحملّوا حزب الله والمنظومة الحاكمة المسؤولية.

جاء رد أتباع الحزب بأنهم لو أرادوا فعلًا قتله لقتلوه قبل سنوات، وأنهم هم من تركوه يجول بينهم وفي مناطقهم، دون أن يتعرّضوا له

تصريحات الأحزاب والمجموعات في لبنان

أصدر حزب الله البيان التالي: "يدين حزب الله قتل الناشط السياسي لقمان سليم، ويطالب الأجهزة القضائية والأمنية المختصة بالعمل سريعاً على كشف المرتكبين ومعاقبتهم، ومكافحة الجرائم المتنقلة في أكثر من منطقة في لبنان وما يرافقها من استغلال سياسي واعلامي على حساب الأمن والاستقرار الداخلي".

كما عُقد اجتماع طارئ من قبل المجموعات والأحزاب السياسية التالية: خط أحمر، لقاء تشرين، تقدم، عامية 17 تشرين، نبض الجنوب ينتفض، الجبهة المدنية الوطنية، التجمع اللبناني في فرنسا، Rebels ثوار 17، حزب الكتائب، حركة الاستقلال.  وقد نتج عنه البيان التالي: " لم تتوانَ تلك المليشيا عن اسقاطه في قلب الجنوب، لا بل قصدت ذلك... لبنان مخطوف برمته في ظل سطوة تحالف الميليشيا والمال والفساد...وهذا التمادي في الإفلات من العقاب هو نتيجة أجهزة امنية مستتبعة وقضاة إما مرتهنون أو خائفون".

واستنكر الرئيس تمام سلام اغتيال لقمان سليم في بيان مما جاء فيه: "مرة جديدة تمتد يد الغدر لتسكت صوتاً حراً كان على الدوام من دعاة قيام دولة القانون الحرة والسيدة والمستقلة في لبنان، ولتعيد الى الأذهان مسلسل الاغتيالات المشؤوم الذي استهدف شخصيات وطنية وقادة رأي".

أما المكتب الإعلامي المركزي لحركة أمل، فاستنكر وطالب بـ "إجراء التحقيق الأمني والقضائي بالسرعة الممكنة توصلاً لكشف الفاعلين ومعاقبتهم".

وصرّحت رئاسة مجلس الوزراء أن دياب أكّد أن هذه الجريمة النكراء يجب أن لا تمر من دون محاسبة وأن لا تهاون في متابعة هذه التحقيقات حتى النهاية، والدولة ستقوم بواجباتها في هذا الصدد.

من ناحية أخرى، نشر يان كوبيتش، المنسق الخاص للأمم المتحدة السابق في لبنان تغريدة قال فيها: "يمكنك قتل صحافي ولكن لا يمكنك قتل رسالته. يمكنك تكميم أفواه الإعلام ولكن لا يمكنك إسكات الحقيقة وحرية التعبير. أرقد بسلام أيها الشهيد لقمان سليم". وبدورها اعتبرت وزارة الخارجية الفرنسية أن عملية اغتياله تشكل جريمة بشعة، وطالبت بتحقيق شفاف.

وصدر عن السفيرة الأميركية في بيروت دورثي شيا التالي: "هذا الاغتيال لم يكن مجرد اعتداء وحشي على فرد، بل كان هجومًا جبانًا على مبادئ الديمقراطية وحرية التعبير والمشاركة المدنية. إنه هجوم على لبنان نفسه.

"يدين حزب الله قتل الناشط السياسي لقمان سليم، ويطالب الأجهزة القضائية والأمنية المختصة بالعمل سريعاً على كشف المرتكبين ومعاقبتهم، ومكافحة الجرائم المتنقلة في أكثر من منطقة في لبنان وما يرافقها من استغلال سياسي واعلامي على حساب الأمن والاستقرار الداخلي"

ردود فعل الناشطين وعائلة سليم

يؤكّد الناشطون في لبنان عدم إيمانهم بسير التحقيق وأن حقيقة مقتل لقمان لن تظهر على يد المنظومة، وذلك لأن الأخيرة فجّرت بيروت وحتّى اللحظة لم تحاسب ولم يصل التحقيق إلى نتيجة.

فيما صرّحت شقيقة الراحل رشا الأمير لوسائل الإعلام بأنها لا تتكل على التحقيق، وقالت: "لطالما هدّدوه بأنه ليس شخصًا جيداً، ورفض أن يرد عليهم. لا حاجة لي بتوجيه الإتهامات، فمن المعروف من يتحكّم بهذه المنطقة، وهم كشفوا عن وجوههم، فالقتل عندهم عادة... هنيئاً لهم هذا الركام، والبلاد التي صارت عبارة عن شلالات من الدماء".

وعن حديثها الأخير مع شقيقها، قالت رشا إنهم كانوا يناقشون مشاريع ومواضيع فكرية سيتم نشرها في دار الجديد: "كان لدينا آلاف المشاريع، قصفوها كلّها، هذه هي بصماتهم".

وعن التحقيقات أكّدت عدم ثقتها بها وقالت: "لا يهمّني الأمر، هذا القدر سيأتي ويخنقنا جميعًا... حين ذهبت لتقديم شكوى، وأنا سيدة مكلومة أبحث عن خشبة خلاص، لم يفعلوا شيئًا سوى تعطيلي، هذه بلاد التعطيل، وليست بلاد تستحق الحياة".

"من المعروف من يتحكّم بهذه المنطقة، وهم كشفوا عن وجوههم، فالقتل عندهم عادة.... هنيئا لهم هذا الركام، والبلاد التي صارت عبارة عن شلالات من الدماء".

الوصية الأخيرة

بناء على إشارة النائب العام الاستئنافي في الجنوب القاضي رهيف رمضان، نُقلت ليلة أمس، جثة لقمان إلى مستشفى صيدا الحكومي، حيث تبيّن بعد كشف الطبيب الشرعي الدكتور عفيف خفاجة عليها، أن سليم أصيب بخمس طلقات نارية، أربع في الرأس وواحدة في الظهر.

وكشفت الصحافية سونيفا روز في تغريدة عبر حسابها على موقع "تويتر"، أن رشا الأمير أبلغتها أن العائلة ستحترم رغبة لقمان في أن يحرق جثمانه، وأن ينثر رماده في الأماكن التي يحبها، وأنه لن يكون هناك جنازة دينية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard