هل يمارس وحش فرانكشتاين الآيروبيكس؟

الاثنين 15 فبراير 202111:54 ص

"أحلم أن أٌصلب بضع ساعات فقط، أو أن أكون آلة، رجلاً ميكانيكياً، أُفكك إلى أصغر عزقة وبرغي، أزيّت، ويعاد تركيبي!"، تتكرر هذه الرؤيا لدى فريد عبد المولى، شخصية متخيلة لا وجود لها إلا هنا، ضمن زمن الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي.

المثير للاهتمام، أن إشكالية فريد الذي يعمل من منزله مدققاً للحسابات، هي الزمن الطويل الذي يقضيه، جالساً أو مستلقياً، يحدق بالشاشة. ففريد يعمل، يستمني، ينام، يرتاح، ضمن 3 أو 4 وضعيات فقط، وبدأت هذه الرؤيا تراوده حين أصبحت أعضاؤه متصلّبة، ومفاصله تؤلمه، إذ يسكنه وجع داخلي في بقع متفرقة، وكأن أعضاءه منفصلة عن بعضها البعض، وعضلاته أضعف من أن تحمل وزنه، لتأتي هذه الرؤيا أشبه بخلاص من ألم لا مصدر له ولا علاج، عطب في القامة التي تضمر مع الزمن، ولا بد من حدث استثنائي كي تعود لانتصابها وقدرتها على ملئ المكان.

أحلم أن أٌصلب بضع ساعات فقط، أو أن أكون آلة، رجلاً ميكانيكياً، أُفكك إلى أصغر عزقة وبرغي، أزيّت، ويعاد تركيبي!"

الصلب والتعليق يشدّ عضلات عبد المولى في الحلم، يحرر حموضة بين كل مفصل وآخر، أما التفكك، فهو حلم بأعضاء "جديدة"، ليّنة، أقل تصلّباً، مجموعها يكسبه جسداً جديداً، أشبه بنسخة متقنة من وحش فرانشكتاين، الذي لا يحاول التعرف على أضلاعه وأشلائه، بل يتمتع بانسيابها، فلا حواف تفصل بينها ولا ألم بين كل عضو وآخر.

أجبرنا الحجر الصحي، نحن المنصاعين تماماً لقوانين الاستثناء، أن نلزم منازلنا، ونراهن على الكسل كأسلوب للنجاة، واستهلاك المنتجات الثقافية كعلاج نفسي ضد الاكتئاب والتوتر، فنحن في نهاية أشد وعياً من أن ننصاع لرأسمال البروزاك وأوهام الأنا والتفرد.

هذا الكسل وقلة الحركة و"التيبس" يتركنا أمام شكلين متناقضين من الجسد، الأول صحّي، حيوي، قابل للحركة، يقدمه لنا دايفيد زيم، عبر ما يسميه "جسد هوليوود"، وآخر متهتك، متعب، حركته صعبة، قدمه لنا فيكتور فرانكشتاين، عبر وحشه المؤلف من كولاج من الأعضاء.

نقارب هذين النموذجين بوصفهما أسلوباً للتأقلم مع "اللاحركة" التي يختبرها الكثيرون، بسبب الحجر الصحي، العمل من المنزل وفقدان الكثير من أساليب "الجلوس، الحركة، الوقوف"، أي تناقص بشكل مرعب عدد الوضعيات التي نتبناها أثناء القيام بنشاط ما مختلف عن الرياضة.

النموذج الأول الذي يقدمه لنا زيم أساسه علمي، إذ قام الأخير بدراسة علمية للتمارين الرياضية، وطور مجموعة من التمرينات التي يتمكن عبرها الفرد من تمرين أكبر عدد من العضلات بأقل عدد ممكن من الحركات، وهذا ما نقرأه في كتابه "6 أسابيع للحصول على جسد هوليوودي"، أي رسم الأسلوب المناسب الذي يمكن عبره أن نحصل على الجسد المرتاح مع تكوينه، ذي مركز الثقل القياسي، الليّن، والقادر على الركض والقفز والمشي لوقت طويل، جسد لا عيوب فيه أو "حموضة".

النموذج الآخر، هو جسد فرانكشتاين المتصلّب، أعضاؤه غريبة عن بعضها البعض. هي كتل وظيفية بحتة، مجموعها لا يشكّل كلّاً متماسكاً، أشبه بجسد يقوم بالحد الأدنى من الوظائف، اليد للإمساك فقط، فالتلويح صعب، الظهر متقوس ولا يقوى على الوقوف، جسد منهك دوماً على وشك الانهيار، أوجاعه غير محددة. هي ليست أعطاب محددة في جهاز أو عضو ما، هي ألم متنقل أشبه بآلام الكسل، ألم ينشأ عن اللاحركة وعدم التمرين، وجع شخص ينتظر أن يولد، أو في حالتنا، ينتظر أن يخرج.

أجبرنا الحجر الصحي، نحن المنصاعين تماماً لقوانين الاستثناء، أن نلزم منازلنا، ونراهن على الكسل كأسلوب للنجاة، واستهلاك المنتجات الثقافية كعلاج نفسي ضد الاكتئاب والتوتر، فنحن في نهاية أشد وعياً من أن ننصاع لرأسمال البروزاك وأوهام الأنا والتفرد

بالعودة لفريد عبد المولى، نرى أمامنا حلماً بجسد لا يخذل صاحبه ذا اللحم والأعضاء المتكدسة التي ترى في الامتداد والليونة خلاصها، وكأن الكسل ضمن الحجر الصحّي، تنويعة غروتسكية على فرضية دايفيد زيم، أي تدريب أقل عدد ممكن من العضلات للحفاظ على الكسل، فإن كان زيم يراهن على تركيز التمارين في مجموعة من العضلات، فالجسد الكسول يسعى للعكس:

القيام بأقصى الحركات الوظيفية بأقل عدد ممكن من العضلات، وهنا ينشأ التيبس والحموضة التي تتسرب و تعيق الحركة في كل عضلة، ليصبح الجلوس والاستلقاء نفسهما محركات للألم، لا لأنهما يُنجزان بصورة غير صحية، بل لأنها الوضعيات الوحيدة التي تضمن الإنتاج (العمل من المنزل، القراءة، المشاهدة) دون إجهاد. وهنا إن تخيلنا هذه الوضعيات كنظام تمرين، سينتهي بنا الأمر أمام أجساد محدّبة، ذات عضلات يد قوية، تصلح للنقر فقط، خواصر ضامرة، وقد تنمو أذيال للبعض للحفاظ على التوازن حين المشي.

التكيّف المضاد للآخر

ربما الأمر فانتازي بحت، لكن تشير مقالة نشرت في صحيفة "الأتلانتيك" إلى عدد من الدراسات التي قامت بها الأكاديمية الأمريكية للعلوم الجلدية، هذه الدراسات لم تنشر بعد ، لكنها تتناول أثر الوباء على الجلد، أو بصورة أدق، أثر الحجر الصحي على عاداتنا الشخصية وأشكالنا، إذ ازدادت مثلاً حالات الأكزيما، بسبب القناع والغسل المتكرر لليدين، ما يعني أننا قد نرى، بعد عدة أعوام، أيدياً وأوجهاً محمرّة، شديدة النظافة، لكنها منتفخة ولا يمكن لمسها.

ذات الأمر مع العادات الناتجة عن التوتر، إذ ازدادت حالات التهام الشعر والأظافر، ثقب الجلد وتساقط الشعر، وكأننا نعيد النظر في تكويننا الجسدي، إذ لا داع لاستعراض الذات، بالتالي، التهام النافل منها أو التزييني ربما انحراف تطوريّ، فالأجمل لن ينجو، بل الأكثر كسلاً ونفياً للانتباه، خصوصاً أن الأظفار والشعر تمثل الأطراف، وتحوي الخصائص الجمالية كذنب الطاووس وشعر الأسد.

وكأننا أمام لحظة تطورية، تكيّف مضاد للمعتاد، أساسه أن تنجو وحيداً وتنفي الآخر الذي أصبح إشكالياً الآن، حتى لو كان مهمّاً لتكاثرنا، فالكثرة تعني المرض وتزايد احتمالات العدوى، بالتالي نحن أمام سعي للفناء، أساسه الحفاظ على أقل العناصر التي تميز "الفرد" وتبعد الآخر، وفي ذات الوقت تحافظ على الواحد منا فرداً "حياً" و"منتجاً".

وهم العلاج بالتسلية

واحدة من الأساليب التي يستخدمها الجسد الكسول لـ "علاج" اضطراباته النفسية، تتمثل باستهلاك الثقافة والمنتجات الثقافية، الكتب والأفلام والموسيقا. تلك الأنشطة التي تتطلب أيضاً الجلوس، الاستلقاء أو حتى الوقوف كما يفعل بعض المتحذلقين، لكن هذا العلاج الذاتي لتقطيع الوقت ودفع الدوبامين لخلخلة المفاصل و كهرباء الدماغ، يفقد هذه المنتجات قيمتها، فـالتسلية و"المعرفة" ليستا علاجاً للضجر، الاكتئاب أو التوتر النفسي. هذه المنتجات، ذات مكونات سردية وجمالية ذات علاقة مع الشكل القائم، سواء لنفي فردانيتنا أو استعراضها.

واحدة من الأساليب التي يستخدمها الجسد الكسول لـ "علاج" اضطراباته النفسية، تتمثل باستهلاك الثقافة والمنتجات الثقافية، الكتب والأفلام والموسيقى

الإشكالية أن هذه المنتجات أضحت مخيّبة للأمل، تخديرية أكثر منها علاجية، يرى فيها الجسد الكسول مساحة لممارسة نشاط عقلي غير جدي، لا ينتمي لزمن العمل الجدي. لكن خيبة الأمل تكمن بأن هذه المنتجات لا تصلح لعالم لا فضاء عاماً فيه، إذ لا مكان لاختبار السيناريوهات التي نقرأها، سواء للاختلاف عنها أو مطابقتها، هي أشبه بمن يختبر نوستالجيا زمن بعيد جداً، زمن كنا نشرب فيه الإسبريسو في مقاهي الرصيف كما في أفلام الموجة الجديدة، وزمن نحلم فيه ببطل خارق ينقذنا من الخطر القادم من الفضاء.

أي مرآة نحدّق بها

"لم أستطع التعرّف على نفسي"، هكذا وصف مايك شولتز نفسه حين نظر بالمرآة بعد تعافيه من كوفيد-19، بعد شهر من "الحياة" على جهاز الإنعاش، يمتلك شولتز الكثير من صور السيلفي لذاته أمام المرآة وهو عاري الصدر، صورة من الآلاف التي نراها حولنا لرجال يتباهون بعضلاتهم وصحتهم، بعد إصابته بالمرض وتعافيه، أخذ صورة أخرى، لا يمكن وصفها إلا بالتراجيدية، خصوصاً حين نرى أنبوباً يدخل معدته.

شولتز ذو الـ 43 عاماً، فقد قدرته على التحمّل، وبحاجة للمساعدة في عدد من المهمات المنزلية، وعليه أخذ استراحات دورية في كل مرة يريد فيها القيام بشيء، إذ تهتكت رئتاه، وفقد القدرة على بذل الجهد المرتبط باستعراض الذات نفسها وتقديمها إلى الآخرين، ليتحول إلى ما يشبه حكاية تحذيرية عن الحياة ما بعد كوفيد-19.

"لم أستطع التعرّف على نفسي"، هكذا وصف مايك شولتز نفسه حين نظر بالمرآة بعد تعافيه من كوفيد-19

التأمل في صورتي شولتز "قبل وبعد" أشبه بعلامة على مستقبلنا، وفشل سياسات الاستعراض أمام الخطر الحقيقي. بصورة أدق، تعمقت المفارقة بين "الصحة" وبين "العيش الجيد"، كلاهما استثماران، لكن العيش الجيد سياسي وثقافي، وصورة شولتز "بعد" كوفيد-19، تكشف لنا أن فردانيتنا الاستعراضية غير مهمة أمام الشرط الاستثنائي، هذه الصور تحذير لتعميق الكسل والخوف من الآخر، فالجسد المعافى، كما نراه في الصورة، هو جسد الناجي، المتعب، المتهتّك، ذو الحركة الصعبة.

إذن، الجسد الهوليوودي غير قادر على الوقوف بعد الإصابة، والجسد الفرانكشتايني الكسول، غير المصاب، أيضاً غير قادر على الوقوف، ما يتركنا أمام صورة سوداوية تتجلى في حلم فريد عبد المولى، الذي يرغب بأن تُفصل عظامه وتركب مرّة أخرى، وأن يستبدل لحمه بآخر أشدّ تماسكاً، وكأن "نفسه" أصغر من "جسده" المتألم في جوفه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard