علاقة حبّ من طرف واحد... فلسطينيّون في أحزاب صهيونيّة

الثلاثاء 9 فبراير 202102:58 م

تقترب انتخابات البرلمان الإسرائيلي (الكنيست الـ 24)- المؤسسة الأكثر تمثيلية لدولة الاحتلال الإسرائيلي- والمقررة في 23 آذار/ مارس المقبل. تقترب في ظل حالة يهمين فيها اليمين الإسرائيلي على المشهد السياسي عبر عدة أحزاب تتفق على تطرفها و معاداتها للعرب وحقوق الشعب الفلسطيني، وتختلف في رؤيتها لقضايا داخلية منها التخصيصات المالية في داخل الأرض المحتلة، والطابع الديني التوراتي للدولة وغيرها.

تتفق معظم الأحزاب الإسرائيلية في الرؤية الأمنية والسياسات الخارجية. لكن بالرغم من هيمنة حزب الليكود الإسرائيلي اليميني العنصري على تركيب الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في العشرين سنة الأخيرة، كونه الكتلة السياسية الأكبر، إلا أنه يعاني من عدم قدرته على تركيب حكومة ثابتة في السنوات الاخيرة بسبب تبعثر أصوات الشارع الإسرائيلي على أحزاب اليمين الأخرى وفي ظل المحاكمة المستمرة لبنيامين نتنياهو بتهم فساد مالي ورشاوى.

على الرّغم من تطرفها ومعاداتها المعلنة للعرب، لا تخلو الدعاية الانتخابية حتى لأحزاب اليمين المتطرف الإسرائيلي من مغازلة أصواتهم (العرب)، وذلك عن طريق محاولة دفع شرائح من العرب الفلسطينيين حاملي الجنسية الإسرائيلية التصويت للاحزاب الصهيونية بحجج تحصيل الخدمات وتحسين الواقع المعيشي لعرب البلاد أو عن طريق ترشيح فلسطينيين في قوائمهم الانتخابية، وهو الأسلوب الأنجع بالنسبة لهذه الأحزاب اليمينيّة. هؤلاء العرب، ممن تسميهم الأطياف الوطنية في الداخل المحتل بـ"عبيد المنزل"، حاولوا على مدار تاريخ العمل السياسي في الداخل الفلسطيني التغلغل في المجتمع العربي لتحصيل أصوات عربية لضمان مقاعدهم في الكنيست الإسرائيلي ضمن قوائم الاحزاب الإسرائيلية ولتحقيقهم مطامح في تحصيل وزارات وتقلد مناصب سياسية داخل منظومة الحكم الاستعمارية الإسرائيلية.

وزراء فلسطينيّون في إسرائيل وسقف تأثيرهم

لعب ثلاثة فلسطينيين من الداخل الفلسطيني دور وزراء في حكومات إسرائيلية مختلفة هم غالب مجادلة وزيراً للعلم والأدب والرياضة عن حزب العمل الإسرائيلي عام 2007، وأيوب قرّا وزيراً للاتصالات وصالح طريف وزيرًا دون حقيبة وزارية. إلا أنه ورغم عدم واقعية وأهمية الحقيبتين الوزارتين في السياق السياسي العام، يفخر هؤلاء السياسيون العرب بوصولهم لمناصب وزارية ويعتبرونها جزءاً من تطور "الديمقراطية الإسرائيلية".

يترجم الانسلاخ العملي الكامل عن الهوية الفلسطينيّة بتصويت أعضاء الكنيست الاسرائيلي العرب على قوانين عنصرية تهدف إلى التضييق على الفلسطينيين أو سلب ارضهم أو تعزز يهودية إسرائيل. ومن النماذج المعروفة؛ دعم عضو حزب إسرائيل بيتنا اليميني المتطرف، حمد عمار، لقانون إلزام أصحاب البيوت "غير القانونية" بدفع تكاليف هدم منازلهم على يد إسرائيل. وهو قانون مخصص لسلب أراضي عرب النقب في جنوب فلسطين وهدم منازلهم. بالإضافة إلى دعم عضو الكنيست أيوب قرّا لقانون القومية الإسرائيلي الذي يعزز من يهودية إسرائيل ومن الاستيطان في النقب والجليل ويهدف إلى محو اللغة العربية من قائمة اللغات الرسمية في إسرائيل. وقد تصل هذه النماذج عند شراكة هؤلاء العرب الأحزاب الإسرائيلية التي تدعم الحملات العسكرية على غزة والضفة الغربية، وهي معظم الأحزاب الإسرائيلية من اليمين إلى اليسار، خوفاً من محاسبة الرأي العام الإسرائيلي، المتطرف بالفطرة، لها.

يترجم الانسلاخ العملي الكامل عن الهوية الفلسطينيّة بتصويت أعضاء الكنيست الإسرائيلي العرب على قوانين عنصرية تهدف إلى التضييق على الفلسطينيين أو سلب ارضهم أو تعزز يهودية إسرائيل

الأصوات الفلسطينيّة كنز انتخابي

قُدّمت قوائم الترشيح لانتخابات الكنيست الإسرائيلي القادمة يوم الخميس الماضي، الرابع من شباط/ فبراير 2021، وحوت القوائم الإسرائيليّة عدة أعضاء عرب منهم نائل زعبي عن الكتلة الحاكمة الليكود (حزب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو). وترشح عليان القريناوي في حزب "زليخة"؛ حزب إسرائيلي يعنى بالاقتصاد، وحنان الصانع في حزب "ديمقراطية"، وعيساوي فريج وغيداء زعبي في حزب ميرتس "اليساري" وآخرون. بالمقابل، تترشح قائمتان عربيتان للانتخابات الإسرائيلية هما المشتركة والموحدة، بعد تفكك القائمة العربية المشتركة التي ضمّت جميع التيارات السياسيّة الفلسطينيّة كسابقة تاريخيّة.

يشار إلى أن تصويت الفلسطينيين في الداخل للأحزاب الصهيونية ليس بظاهرة حديثة. ففي الفترة ما بين عام 1981 وعام 1992، حصلت الأحزاب الصهيونية على قرابة نصف أصوات العرب في إسرائيل، وأغلب هذه الأصوات كانت من نصيب حزب العمل. ويعود السبب إلى نشاط حكومات اليسار والمركز السياسي في القرى والبلدات العربية آنذاك، وذلك قبل نشوء الأحزاب العربية المستقلة في نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

لكنّ هذه النسب اختلفت كثيراً مع مرور الوقت، فحسب تقرير لجنة الانتخابات الإسرائيلية للعام 2019، أظهرت النتائج الرسمية حصول الأحزاب الصهيونية على نحو 123 ألف صوت في البلدات العربية أي ما يوازي نسبة 29.7 بالمئة من مجموع الأصوات العربية الصحيحة، ولا يشمل المدن المختلطة (التي يسكنها فلسطينيّون وإسرائيليّون) مثل يافا واللد والرملة وعكا وحيفا.

للفلسطينيين في الأحزاب الصهيونيّة تاريخ

يستنكر السياسيون العرب والأحزاب العربية ككل ترشح العرب في أحزاب صهيونية بدعوى أن الأحزاب السياسية العربية الأربعة (الحزب الشيوعي والتجمع الوطني والحركة الإسلامية والقائمة العربية للتغيير) هي وحدها تمثل الشارع العربي، وأن السياسة العربية في إسرائيل قطعت شوطاً طويلاً للفظ الأحزاب الصهيونية خارج البلدات العربية.

وكما أنّ ظاهرة تصويت الفلسطينيين لأحزاب صهيونيّة ليست بحديثة، كذلك ترشّحهم في هذه الأحزاب. فيذكر التاريخ رستم بستوني أول عربي يمثّل حزباً صهيونيّاً في الكنيست هو حزب مبام عام 1951. وأمل نصر الدين في حزب الليكود منتصف السبيعينيّات. وقد شغل، حسب ويكيبيديا، منصب رئيس ومؤسس "يَد لَبَنِيم" (عام 1969) فرع أبناء الطائفة الدرزية والشركسية والبدوية، وهي هيئة تخليد الجنود الإسرائيليين الذين قتلوا عام 1948 وفي الحروب والمعارك الإسرائيلية، شغل كذلك منصب رئيس قسم الجنود المسرّحين.

تبعتهم في سنوات لاحقة أسماء كثيرة لأعضاء كنيست عرب من بينها أسعد أسعد في حزب الليكود، وحنّا حدّاد في حزب العمل، وحسنيّة جبارة في حزب ميرتس وهي أول امرأة فلسطينيّة تُنتخب في الكنيست الإسرائيلي، ومجلي وهبة، والذي تولّى كعضو كنيست من حزب كديما عام 2007 منصب قائم بأعمال الرئيس الإسرائيلي لمدة أسبوع واحد، في سابقة يتولى خلالها منصب رئيس الدولة العبرية غير يهودي. وقد جاء توليه للمنصب على إثر سفر القائمة بأعمال الرئيس الإسرائيلي.

يرى محللون أن حاجة أعضاء الكنيست العرب لإثبات ولائهم قد تجعلهم أشد تطرفاً من نظرائهم اليهود، ما دفع أمثال وزير الاتصالات السابق أيوب قرّا للعمل باتجاه سن قانون القومية الإسرائيلي والذي يعتبر القانون الأشد وضوحاً في عنصريته منذ قيام إسرائيل

عبيد المنزل المعلنون

تؤمن أجسام سياسية في الداخل الفلسطيني بضرورة مقاطعة الكنيست الإسرائيلي مثل حركة أبناء البلد والحركة الإسلامية الشمالية الممنوعة في القانون الإسرائيلي. لكن بين الدعوة للمقاطعة التامة والمشاركة في إطار المعارضة داخل البرلمان الإسرائيلي، تُجمع جميع الأجسام السياسية الفلسطينيّة على ضرورة طرد الأحزاب الصهيونية وممثليها من البلدات العربية، لخطورتها على الوعي العربي على حد تعبير الفاعلين السياسيين في الداخل الفلسطيني المحتل.

في الشارع العربي، عموماً، يعتبر صوت أعضاء الأحزاب الصهيونية واليمينة، على وجه الخصوص نشازًا. ويرى محللون أن حاجة أعضاء الكنيست العرب لإثبات ولائهم قد تجعلهم أشد تطرفاً من نظرائهم اليهود، ما دفع أمثال وزير الاتصالات السابق أيوب قرّا للعمل باتجاه سن قانون القومية الإسرائيلي والذي يعتبر القانون الأشد وضوحاً في عنصريته منذ قيام إسرائيل. تجارب أعضاء الكنيست هؤلاء لا تخلوا من مواقف عنصرية تجاههم هم أيضاً، رغم كل محاولات إثبات الولاء والتبعية للفكر الصهيوني. وفي مثال واضح نشر أيوب قرا تغريدة على تويتر يعلن فيها عن استيائه من عدم معاملته بمساواة داخل حزبه "الليكود" رغم كونه جنديّاً سابقاً صاحب إعاقة ووزيراً سابقاً ومن مطلقي قانون القومية الإسرائيلي.

في المقابل، يخرج أحياناً إلى العلن يهود يعبّرون عن معاداة الصهيونية؛ منهم النائب اليهودي عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي عوفير كسيف والذي طالبت عدّة أحزاب يمينية إسرائيلية بشطبه بسبب تصريحاته المعادية لدولة إسرائيل. ومع تغيير الحالة السياسيّة والممثلين السياسيين بشكل مستمر، يخاف مراقبون من كون الخطاب الصهيوني قد تسرب إلى داخل الأحزاب العربية التي كانت تحمل شعار التمثيل الوطني الأصلاني أمام الكنيست الاسرائيلي سابقاً. فثمّة مواقف لبرلمانيين عرب من القوائم والاحزاب العربية لاقت غضبًا وجماهيريًا فلسطينيًا في الداخل الفلسطينيّ كان منها وقوف النائب أيمن عودة رئيس القائمة المشتركة عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي على النشيد الوطني الإسرائيلي وتصريح له يذكر فيه أن الاحتلال بدأ منذ العام 1967، وتصريحات أخرى للنائب عن الحركة الاسلامية في القائمة المشتركة منصور عباس وصف فيها الأسرى الفلسطينين بالمخربين، ورفضه التصويت على قانون اسقاط حكومة نتنياهو الأخيرة، وخروج قائمته عن الإجماع العربي الانتخابي المتمثل في القائمة العربية المشتركة وزيارته للتعزية بجنود دروز في الجيش الإسرائيلي.

تربط الأحزاب الاسرائيلية الولاء بالخدمات وتحسين شروط الحياة. لكن رغم وصول شخصيات عربية إلى الأحزاب الصهيونيّة، حد الانسلاخ الكامل عن هويتهم الوطنية، إلا أن الواقع الحياتي للتجمعات التي يمثلونها لم تتحسن وفي حالة القرى الدرزية، التي فرض عليها التجنيد الإجباري في الجيش الإسرائيلي، تثبت مستويات التربية والتعليم ودرجة الرفاه الاجتماعي أن الولاء لاسرائيل لا يعني شيئًا. تحب إسرائيل نموذج "عبد المنزل" فهو الأفضل تثبيتاً لخدعة الديمقراطية الإسرائيلية أمام العالم، والعنصر المساعد للأحزاب الصهيونية- المسؤولة عن معاناة فلسطينيي الداخل وسياسات التمييز العنصري- في بقائها في الحكم. هي علاقة حب من طرف واحد من المقموع للقامع ويبدو أنها لن تتوقف قريباً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard