لماذا تفشل اتفاقات ليبيا دائماً وما مصير الاتفاق الأخير؟

الاثنين 8 فبراير 202112:09 م

"إن المرتزقة ما زالوا باقين وما زال الطريق مغلقاً أيضاً". هذا ما نقلته كالة "رويترز" عن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، في إشارة الى تعثر تنفيذ تفاهمات وقف إطلاق النار الموقعة بين الأطراف الليبية المتحاربة في تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي.

يتحمس كثيرون من الفرقاء المتصارعين في ليبيا إلى توقيع الاتفاقات، لكن قليلاً منها ما يصمد، فما السبب؟

اتفاق جديد

مؤخراً، اجتمع ممثلون عن الأطراف الليبية للوصول إلى اتفاق آخر يهدف إلى إنهاء الصراع واختيار مجلس رئاسي ورئيس حكومة لإدارة مرحلة انتقالية جديدة وللإشراف على انتخابات جديدة. ويوم الجمعة، في الخامس من شباط/ فبراير 2021، انتُخب مجلس رئاسي ليبي برئاسة محمد يونس المنفي، وهو تكنوقراطي من الشرق، وعضوية نائب الرئيس موسى الكوني من الطوارق عن الجنوب وعبد الله اللافي من مدينة الزاوية في الغرب، ورئيس حكومة هو رجل الأعمال عبد الحميد دبيبة من مصراتة في الغرب.

طبعاً، ذكر الانتماءات الجغرافية لأعضاء المجلس يكتسب أهميته من أهمية التقسيم الجهوي الذي أصبح جزءٌ كبير من تعريف الهوية في ليبيا المقسومة بين أقاليمها الثلاثة: برقة في الشرق وطرابلس في الغرب وفزان في الجنوب.

حققت قائمة المنفي المفاجأة، إذ كانت تتنافس مع قائمة عقيلة صالح مع توقعات كبيرة بفوز صالح المدعوم من مصر وروسيا وبدرجة أقل من الإمارات. إلا أنه خسر بفارق خمسة أصوات (حصل صالح على 34 صوتاً من أصل 73 في حين حصدت قائمة المنفي على 39 صوتاً).

فسر مراقبون فوز المنفي وهزيمة صالح على أنه فوز للحل الوسط على حساب الحل الاستقطابي. فصالح له دور أوضح في الصراع بين الشرق والغرب وأكثر تورطاً في حالة الخصومة الدموية بين الأطراف، الأمر الذي لا ينطبق على منافسيه الذين احتُسبوا على معسكر الاعتدال الذي لا يُرضي أي طرف بنسبة 100%، لكنه لا يغضب أي طرف أيضاً بنسبة 100%، وهو شرط هام لتمرير التفاهمات الكبرى، إذ لا غالب يكسب كل شيء ولا مغلوب يخسر كل شيء.

لكن هل ثمة ضمانة بألا يلحق اتفاق جنيف باتفاقات سابقة سكب الكثير من الحبر عليها ولم تمنع من سكب مزيد من الدماء الليبية؟

الإجابة المباشرة والمختصرة هي لا. لا ضمان إلا إرادة الموقعين أنفسهم لكن ثمة معطيات جديدة وأشباح قديمة لم تزل تلوح في الأفق.

معطيات جديدة

ثمة معطيات جديدة قد تُسهم في إنجاح الاتفاق الأخير، أولها هو الإدارة الأمريكية الجديدة التي جاءت بتوجهات ترغب في تحقيق أهداف رئيسية منها استعادة الدور القيادي للولايات المتحدة في العالم وهو دور لا يمكن القيام به إلا بمبادرات سياسية وأمنية في أماكن ملتهبة من العالم. وليبيا بالطبع أحد أهم هذه المناطق. وكذلك، تهدف الولايات المتحدة إلى ترميم علاقتها مع حلفائها الأوروبيين الذين تشكل ليبيا لهم هاجساً أمنياً كبيراً، وإلى احتواء الصين وروسيا، وليبيا تظهر كإحدى مناطق التمدد الروسي المحتملة.

المعطى الثاني هو الوصول إلى حالة من الإنهاك المتبادل، وهي حالة مهمة يرصدها المهتمون بدراسات الصراعات، تعكس إدراك كل طرف عدم قدرته على إفناء الطرف الآخر، ويصل فيها الطرفان إلى حالة إنهاك متبادل يعجزان فيها عن تحقيق أي انتصار حاسم على الطرف الآخر. تسمى هذه لحظة نضج الصراع ويصير الأطراف على استعداد لتقديم تنازلات مؤلمة لإنهاء الحرب.

"المفاوضات تجاوزت الجنرال خليفة حفتر لأنه رجل لا يحب المفاوضات ولديه رغبة في تدمير الحلول الوسط ولديه طموح أكبر من إمكانياته، وهو أن يكون ‘سيسي ليبيا’. ووجود السلاح خارج السيطرة سيغري الفصائل المتحاربة باللجوء دوماً إليه كحَكَم لتصفية خلافاتها"

المعطى الثالث هو التفاهمات المصرية التركية. فمصر التي تملك أكبر مصالح بحكم مجاورة ليبيا وبحكم قدرتها على تقديم دعم عسكري ضخم للشرق الليبي بفعل الترابط الجغرافي بين البلدين، وتركيا التي حسمت صراعات كثيرة في مناطق نفوذها باستخدام تكنولوجيا الطائرات التركية المسيّرة والتي قلبت الموازين في ليبيا لصالح حكومة الوفاق في الغرب، أصبحتا على قناعة بأن التفاهمات بينهما، حتى على المستوى الاستخباري، ضرورة لا يمكن تجاوزها حتى يتجنبا صداماً لا يرغب أيّ منهما في حدوثه.

المعطى الرابع هو هزيمة المقاربة الإماراتية. اختلفت مصر والإمارات حول أفضل طريقة لحل الملف الليبي. ففي حين مالت مصر إلى التهدئة مع الغرب الليبي وحكومة الوفاق وتجنب أي محاولات عسكرية لاقتحام طرابلس حتى لا يدفع ذلك حكومة الوفاق للاستعانة بتركيا، ذهبت الإمارات بعيداً في محاولة لحسم الأمور على الأرض والتعويل على الجنرال خليفة حفتر لتنفيذ ذلك الحل. غير أن هزيمة حفتر وفشله في اقتحام طرابلس بعد تدخل تركيا أدى إلى تراجع نسبي للمقاربة الإماراتية التي وجدت نفسها معزولة. الإمارات التي كانت مدفوعة بمفهوم القوة تراجعت تكتيكياً تحت تأثير مفهوم الواقعية، ما فتح المجال أمام مفاوضات تجري بعيداً عن الجنرال حفتر وبدعم من مصر.

ستة أشباح يمكن أن تظهر

الأمور أكثر تعقيداً من القفز إلى نتيجة وردية والقول إن كل الأمور ستسير على ما يرام. هنالك ستة أشباح أساسية مستعدة للفتك بهذا الاتفاق وهي كما يلي:

1ـ شبح السلاح المنفلت: بقاء السلاح مع أطراف لم يستوعبها الاتفاق، وهي أطراف تملك القوة والمصالح لإفساد أي تفاهمات. فالمفاوضات تجاوزت الجنرال خليفة حفتر لأنه رجل لا يحب المفاوضات ولديه رغبة في تدمير الحلول الوسط ولديه طموح أكبر من إمكانياته، وهو أن يكون "سيسي ليبيا". وجود السلاح خارج السيطرة سيغري الفصائل المتحاربة باللجوء دوماً إليه كحَكَم لتصفية خلافاتها. لدى الجنرال حفتر وحلفائه مصالح معقدة في السيطرة على صادرات النفط والحفاظ على نفوذه القوي في الشرق ومشروع استبدادي لا يؤمن بالتفاهمات والحلول الوسط قائم على فكرة أن الفائز يكسب كل شيء والخاسر يُقمَع ويُخرَس إلى الأبد.

"لا يمكن التنبؤ الآن بمصير الاتفاق الليبي الأخير والمجلس الرئاسي المنبثق عنه. لكن رغم كل المعطيات الجديدة لا زالت تتهدده نفس التحديات التي أفشلت اتفاقات أخرى سابقة حاولت إنهاء الأزمة"

2ـ شبح الجهوية والقبلية: تنقسم الهوية الليبية إلى هويات جهوية بين الأقاليم الثلاثة الكبرى (برقة، طرابلس، فزان) وبين المدن الكبيرة مثل مصراتة وبنغازي والزاوية وغيرها. هذا إلى جانب الانتماءات القبلية والعشائرية التي تلعب دوراً أقل، نظراً إلى أن أغلب سكان ليبيا من سكان المدن الكبرى، إلا أنها أيضاً تمثّل بعداً هاماً يعقّد المسألة الليبية. يقسم الانتماء الجهوي الهوية الليبية ويمنع نمو مفهوم جامع للأمة الليبية. ولا زال هذا التقسيم قائماً مع إحساس كل إقليم بالاستحقاق أو الاضطهاد، ما يخفي نيراناً تحت الرماد. ولا أحد يعرف إلى أي مدى يستطيع المجلس الرئاسي الجديد أن يفكك هذا اللغم سريع الاشتعال.

3ـ شبح الإسلاموية المتطرفة: وله شكلان: الأول، شكل جهادي يريد هدم الدولة تماماً وتأسيس خلافة عالمية عابرة، ويتمثل في جماعات سلفية جهادية مثل القاعدة وداعش، إلا أنه شكل يسهل احتواءه؛ أما الشكل الأصعب فهو الذي يدعو إلى إدماج الشريعة بقوانين الدولة الليبية الحالية دون هدمها ويمكن أن يستخدم لتحقيق غرضه أشكالاً من القوة المسلحة لقلب نتائج انتخابات، مثلما حدث من قبل حينما انقلب الإسلاميون على نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2014 بعد هزيمة انتخابية قاسية واستولوا على العاصمة وطردوا المجلس النيابي المنتخب، ما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية الليبية الثانية التي ما زلنا نعاني من تبعاتها. وهنا، على المجلس الجديد أن يؤسس لقواعد تجعل الجميع يقبلون بالديمقراطية كوسيلة وحيدة لحسم الخلافات وعلى الإسلاميين أن يقدّموا تنازلات في مفهومهم للدولة إذا أرادوا للاتفاق الأخير أن ينجح.

4ـ شبح الأطراف الخارجية: إحدى أهم أزمات الحالة الليبية هي رغبة أطراف دولية في فرض حليف لها من الداخل الليبي كلاعب وحيد وأساسي. دفعت الإمارات ومصر وروسيا بحفتر وعقيلة صالح. ودفعت تركيا بالسراج وحكومة الوفاق. وبدون قدرة المجلس الحالي على تحييد هذه الرغبات الإقليمية والدولية في دعم أطراف الصراع عسكرياً ومادياً، فإن الأمور مرشحة للتفاقم.

5ـ شبح الاستثمار في الفوضى وغياب الدولة: استفادت عدة أطراف وعصابات إجرامية من غياب الدولة وأقامت ممرات وطرقاً لتسهيل الهجرة غير النظامية وممرات أخرى لتهريب الأسلحة والبضائع وقطع الطرق. تقوم عصابات مسلحة بقطع الطرق والاستيلاء على شاحنات الغذاء والدواء أو حتى المنتجات النفطية وغيرها. هذه العصابات أصبحت من القوة والتسليح بحيث أنها صارت قادرة على تحدي أي محاولة لإعادة بناء الدولة.

6ـ شبح غياب المؤسسات القوية: أحدثت فترة حكم معمر القذافي فراغاً مؤسسياً ضخماً جعل مفهوم العمل المؤسسي يغيب في كثير من الأحيان مما أدى إلى ملء الميليشيات والقبائل والانتماءات الأولية فراغ المؤسسات. فلا يوجد جيش وطني جامع ولا مؤسسات شرطية محترفة ولا مؤسسات سياسية تمثل المواطنين كأحزاب عريقة أو تنظيمات سياسية وكذلك الحال في النقابات والمؤسسات المهنية الوسيطة التي تعاني من ضعف شديد. تحتاج الحكومة الجديدة أن تطور مؤسسات قوية وتقاليد للعمل المؤسسي الذي يتجاوز فكرة الجهوية والقبلية والانتماءات الدينية.

لا يمكن التنبؤ الآن بمصير اتفاق الجمعة والمجلس الرئاسي المنبثق عنه. لكن رغم كل المعطيات الجديدة لا زالت تتهدده نفس التحديات التي أفشلت اتفاقات أخرى سابقة حاولت إنهاء الأزمة.

لا يستطيع المجلس الرئاسي المنتخب وحده مواجهة هذه التحديات، بل يحتاج إلى مساعدة المجتمع الدولي، ليس بنفس المدخل السابق الذي تسابقت فيه قوى دولية على فرض رؤيتها على الليبيين، ولكن بمفهوم آخر يساعد الليبيين في تقبّل الحلول الوسط، وتأسيس المؤسسات القوية، وبالمساعدات الأمنية التي تساهم في القضاء على نزعات تحدي الدولة وفوضى السلاح، وتأسيس ديمقراطية قابلة للمراجعة والتطوير والقبول بالإدارة السلمية للخلاف. ففي حالة الفشل، ربما يؤدي الأمر إلى اختفاء ليبيا الحالية من الخريطة وانقسامها إلى كيانات أصغر، وهو الأمر الذي يحاول أي مخلص تجنّبه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard