عمر أميرلاي... عشر سنوات على رحيل عراب السينما التسجيلية السورية

السبت 6 فبراير 202103:18 م

حلّت الأمس، الخامس من شباط/ فبراير، الذكرى العاشرة لرحيل عراب السينما التسجيلية السورية، عمر أميرلاي (1944-2011)، تاركاً إرثاً سينمائياً يروي الكثير عن حياة صاحبه. اشتبك في معظم أفلامه مع وحل الراهن وتشابكاته، فاتسمت سيرته بـ "احتقار السلطة وأهلها من الساسة والعسكر، من محترفي مهنة الأمر والنهي والتصرف بأحوال البلاد والعباد".

في إحدى مقابلاته التلفزيونية (لم تعد موجودة على شبكة يوتيوب)، يقدم أميرلاي نفسه بصوته:

"أصلي عثماني، من خليط قومي شركسي، كردي، تركي وعربي. وُلدت في الشام عام 1944، على مرمى حجر من مقام شيخنا الأكبر، محيي الدين بن عربي، معطّراً بروحانيته، مباركاً باسمه وكنيته. وقد عاهدت نفسي مذ صرت مخرجاً أن أنذر له ذبيحتين على روحه الطاهرة كلما رزقت فيلماً… طفولتي فيما بعد أمضيتها في حي الشعلان، على بعد خطوات من المقرّ التاريخي لحزب البعث، الذي صار اليوم دكاناً لبيع الألبسة الجاهزة، وفي بيت عربي متواضع، كان أضخم ما فيه نوافذه العريضة المطلة على الشارع العام الصاخب بالحركة والناس.

من خلال تلك النوافذ التي كان أخي الكبير يصلبني وراءها، ليشغلني عن المطالبة بأمي الغائبة في الوظيفة، تربيت على الفضول وعلى حب الملاحظة وعلى تشريح الناس والأشياء ورصد تفاصيل الحياة اليومية للحارة والجيران، وعلى وجه الخصوص، صاحب صيدلية الانقلاب الذي صرعه استقرار البلاد بعد قيام الحركة التصحيحية. طفولة مسترخية بامتياز، أتيح لها الانشغال بالآخرين ومراقبتهم والتفرّغ لقصصهم، ما يدحض القول المأثور السخيف: من راقب الناس مات هماً".

بدأ أميرلاي حياته الفنية بدراسة الفنون الجميلة، لكنه سرعان ما تركها متوجهاً إلى باريس لدراسة المسرح، وهو في سن الحادية والعشرين. في سنة 1967 سنجده طالباً في معهد الدراسات السينمائية العليا (Idhec)، وسيتركه بعد ذلك من أجل تصوير أحداث ثورة 1968.

العودة إلى القرية السورية

في مطلع سنة 1970، يقرر أميرلاي العودة إلى البلاد، فيصنع فيلماً قصيراً بعنوان "محاولة عن سد الفرات"، وهو بمثابة أنشودة عن تشييد سد الفرات، ومع ذلك منعته الرقابة. سرعان ما يراجع عمر تجربته الأولى، ويبدأ، بعد أقل من سنتين، بالتحضير مع شريكه في الإعداد، الكاتب سعد الله ونوس، لواحدة من تحفه الفنية "الحياة اليومية في قرية سورية" (أنهى العمليات الفنية سنة 1974).

في أغنى مناطق سورية، يبقي أميرلاي كاميرته لرصد تفاصيل الظلم اللامحدود اللاحق بسكان قرية المويلح، بريف دير الزور، متعمداً إظهار الكذب الكبير الذي مارسه حزب البعث، فاضحاً سياسات نظام الأسد الأب، التي كانت في جوهرها ضد المفقرين وانتهاكاً صارخاً ومستمراً لكرامتهم

في أغنى مناطق سورية حيث تتوفر معظم ثروات البلاد، يبقي أميرلاي كاميرته لرصد تفاصيل الظلم اللامحدود اللاحق بسكان قرية المويلح، بريف دير الزور، متعمداً إظهار الكذب الكبير الذي مارسه حزب البعث مذ استلامه السلطة سنة 1963، فاضحاً سياسات نظام الأسد الأب، التي كانت في جوهرها ضد المفقرين وانتهاكاً صارخاً ومستمراً لكرامتهم، بدءاً من بيوتهم التي لا تشبه البيوت، وليس انتهاءً بالمدرسة والشارع والمخفر والمستوصف والحقل. سيعرض هذا الفيلم ضمن دورة مهرجان برلين سنة 1976، ولكنه سيبقى ممنوعاً من العرض الرسمي في موطنه حتى يومنا الحالي.

لاحقاً، سيغادر عمر السينمائي منطقة الجزيرة متجهاً نحو قرية "صدد" التاريخية. بروح السينمائي الساخر، سيلتقط مفارقات تراجيكوميدية، ويصنع شريط "الدجاج، 1977". هذه المرة الأولى، سيبقى لصيقاً بالأفراد الذين تسحقهم ماكينة الرعب، من الفلاحين والقرويين المفقرين. يتخلى أهالي صدد عن مهنهم وحرفهم القديمة، بعد أن يتم إيهامهم من قبل السلطة بأن تربية الدواجن ستجعلهم أغنياء، لكن سرعان ما نكتشف أن الفشل هو مصير مشروع الدواجن، الأمر يشبه مصير أي مشروع إصلاحي في هذه البلاد، والسلطة لا تقوم بخطوة واحدة لبناء الثقة مع "المواطن".

في "الدجاج، 1977"، يقول أميرلاي "اخترت أن أحكي عن البشر بلغة الحيوان، فذلك نوع من التعبير عن قهر المثقف وعجزه عن إنطاق الناس"

"اخترت أن أحكي عن البشر بلغة الحيوان، فذلك نوع من التعبير عن قهر المثقف وعجزه عن إنطاق الناس"، يقول عمر عن الفيلم في إحدى مقابلاته.

 تتضمن شارة فيلم "الحياة اليومية في قرية سورية" كلمات من عمر، فيما يشبه البيان الشخصي، وهو ما اتسمت به مسيرة عمر وما شهدته من مواقف شجاعة وأعمال تنحاز لأصحاب الحقوق: "ما من أيد نظيفة. ما من أبرياء. ما من متفرجين. إننا جميعاً، نغمس إيدينا في وحل أرضنا. وكل متفرج هو جبان أو خائن".

أفلام عابرة للحدود

يعدّ عمر أميرلاي من أبرز المخرجين التسجيلين العرب الذين لم تنحصر تجاربهم في بلد المنشأ، فكما كان خياره بأن لا ينسج أفلامه، كما الرائج، حول قضايا المركز في دمشق، فاتجه أقصى الشمال والشرق والجنوب، كذلك كان خياره أن يرصد أفلاماً تحكي حكايات خارج حدود بلاده.

البداية كانت مع بلد والدته، لبنان، أثناء الحرب الأهلية وقبل الاجتياح الاسرائيلي بأشهر، يتعقب عمر شخصية مثيرة للفضول: أبو علي، سائق تاكسي، جعلته الحرب مسعفاً ينقذ المصابين ويأخذ الجثث ويدفنها بيديه

البداية كانت مع بلد والدته، لبنان، أثناء الحرب الأهلية وقبل الاجتياح الاسرائيلي بأشهر، يتعقب عمر شخصية مثيرة للفضول: أبو علي، سائق تاكسي، جعلته الحرب مسعفاً ينقذ المصابين ويأخذ الجثث ويدفنها بيديه. تبدو الشخصية وكأنها قادمة من عالم مثالي، فيكرر كثيراً عبارات عن دور الفرد خلال المصائب والأزمات الكبرى والواجب الأخلاقي والديني. بعد سنوات من إنهاء الفيلم، سنعرف أن أبو علي يعمل كجاسوس، وأنه انتقل للعيش في إحدى المستوطنات الإسرائيلية بعد إنهاء مهمته.

بعد تجربة الحرب الأهلية، نقتفي أثر صاحب "الطوفان في بلاد البعث"، فنجده في مصر، مثبتاً كاميرته، وأمامه تبوح نساء من طبقات اجتماعية مختلفة (عاملات، فلاحات، فنانات.. إلخ) عن عوالمهن الخاصة، وعن أسئلة تعتمل في دواخلهن عن الحب والحرية والتسلط.

وفي 1985، نعثر عليه في عاصمة الأنوار وهو يشرح ويحلل أسباب العنصرية والتمييز ضد العرب والمهاجرين، منتقداً التنميط المعمول به من قبل الإعلام الفرنسي تجاه المهاجرين، عقب تفجيرات 1985.

أصلي عثماني، من خليط قومي شركسي، كردي، تركي وعرب

في سلسلة أفلام عن علاقة السلطة بالمال، أنجز عمر للتلفزيون الفرنسي عن شخصيات تعمل في السياسة وقادمة من عالم المال، كـ "إلى حضرة بيناظير بوطو، 1990"، عن أول امرأة رئيسة وزراء مسلمة، والتي سيتم اغتيالها لاحقاً سنة 2007 في مدينة روالبندي الباكستانية. كذلك أنجز "الرجل ذو النعل الذهبي، 2000"، عن رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، والذي تم اغتياله لاحقاً. وفي التسعينيات، أخرج، بالشراكة مع محمد ملص وأسامة محمد، أفلاماً عن فاتح المدرس، نزيه الشهبندر وسعد الله ونوس.

الطوفان أخيراً وآخراً

في الألفية الجديدة، أراد عمر أن ينجز فيلماً يقول فيه إلى أين تذهب البلاد التي يحكمها الرعب، أن يحكي عما حصل بالبلاد خلال ربع قرن، خاصة بعد استلام الأسد الابن للسلطة، والترويج لأكاذيب الإصلاح وطبيب العيون القادم من لندن، فكان "طوفان في بلاد البعث، 2003"، أشهر أفلام عمر وآخرها. يقول عمر في إحدى مقابلاته: "خلال مرحلة الاستطلاع من أجل التحضير للفيلم، انهار سد زيزون، وتزامنت أيضاً مع اطلاعي على تقرير، قدمه أكاديمي سوري، يحذر من احتمال انهيار كل السدود التي شيّدت في زمن البعث".

في 5 شباط 2011، أي قبل أسابيع قليلة من انطلاقة الثورة السورية، قبل سنوات عشر، رحل عمر نتيجة أزمة قلبية، وكأنها إشارة جديدة من الإشارات التي ملأت سينما حياة أميرلاي وشغلتنا بفهم دلالاتها، ولعلها إشارة تدلنا على ما حقق عمر من أشرطة تسجيلية عن الواقع وله، أشرطة تحتم علينا، بما تحتويه من جماليات، العودة إليها عند التفكير ببلد الطوفان وأهله.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard